مقدمة

بدأ النزاع المسلح الأخير بين أوكرانيا وروسيا عند بدء «العملية العسكرية» الروسية على أوكرانيا في 24 شباط/فبراير 2022. فبعد أن أقامت روسيا وجودًا عسكريًا كبيرًا على الحدود منذ أواخر عام 2021، شنت هذه «العملية» المستمرة الواسعة النطاق على أوكرانيا. إن نطاق تأثير هذا الصراع يتجاوز أوكرانيا وروسيا إلى المجتمع الدولي بما في ذلك بلدان الخليج العربي.

لم تتم دراسة الآثار الاقتصادية والسياسية للصراع الروسي – الأوكراني في بلدان الخليج العربي بصورة كاملة حتى الآن. لذا، تسهم هذه الورقة البحثية في فهمٍ أفضل للعواقب والفرص الاقتصادية والسياسية لهذا الصراع على بلدان الخليج من جهة، كما تسعى لإظهار كيف سترسم هذه الآثار العلاقات المستقبلية بين بلدان الخليج من جهة وروسيا وأوكرانيا من جهة أخرى.

1 – الإطار المنهجي

يهدف هذا البحث إلى إظهار الآثار السياسية والاقتصادية للصراع الروسي – الأوكراني في بلدان الخليج، وكيف تعاملت مع الصراع حتى الآن، وآفاق العلاقات بين بلدان الخليج وكل من الجانبين المتصارعين. وفي هذا الصدد، تعدّ الرؤى المستمدة من هذه الدراسة جديدة، إذ لم تسلط أي دراسة أكاديمية، حتى الآن، الضوء على هذا الحدث من هذا المنظور. للتحقيق في موضوع هذه الورقة والإجابة عن أسئلة البحث، تم استخدام الكثير من الأساليب النوعية للبحث وطرق جمع البيانات. تعتمد هذه الورقة على تحليل الدراسات (المقالات) المتوافرة في إعطاء المعلومات الأساسية المطلوبة؛ وهي تتبنى منهج دراسة حالة بلدان الخليج الستة لملاحظة تأثير الصراع فيها. كما تستخدم طريقة أخرى لجمع البيانات، وهي المقابلة الشخصية المباشرة، كطريقة أولية لجمع البيانات. وأخيرًا، تستخدم مجموعة تركيز (Focus Group) لطلاب فصل دراسي إماراتي حول اتجاهات بلدان الخليج في المستقبل.

2 – خلفية الصراع

يمكن فهم الصراع في أوكرانيا الذي اندلع في شباط/فبراير 2022 على أنه أكثر الأحداث إثارة للجدل في النقاش السياسي العالمي اليوم. فهو يؤثر في السياسات الخارجية والأمنية للعالم[2]. اندلع الصراع بعد جائحة كورونا التي استمرت عامين وأدت إلى تدهور الظروف المعيشية في جميع أنحاء العالم. هذا إضافة إلى التغير المناخي العالمي الذي يظهر على هيئة فيضانات وجفاف، ناهيك بالصعوبات المالية والتضخم وانخفاض النمو، والإحباط المتزايد من غياب الفرص الاقتصادية التي قلصت بصورة جماعية الموارد المالية وضربت البلدان الفقيرة بصورة قاسية[3].

بدأت بذور هذا الصراع قبل مدة طويلة من شباط/فبراير 2022. من منظور تاريخي، كانت أوكرانيا مصدرًا للقلق الروسي، كما أنها كانت مشتتة بين الشرق والغرب منذ استقلال البلاد عن الاتحاد السوفياتي عام 1991. وخلال الحرب الباردة. أدت الحروب بالوكالة بين الكتلتين الغربية والسوفياتية إلى الحد من الصراع داخل الدول[4]. وبحسب تشومسكي[5] كل «دبلوماسي أمريكي ورجل من وكالة الاستخبارات المركزية CIA يفهم أن جورجيا وأوكرانيا خطوط حمر لروسيا». ولن يتسامح الروس مع تحالف عسكري خطير عليهم جيوستراتيجيًّا، لكن جورج دبليو بوش مضى قدمًا في هذا الاتجاه؛ أما فرنسا وألمانيا فقد فهمتا ما يعنيه ذلك، لكنهم جميعًا ساروا لاحقًا في طريق توسيع الناتو. وفي أيلول/سبتمبر 2001، دعا بيان أمريكي إلى تعزيز برنامج عضوية الناتو لأوكرانيا لشحن أسلحة جديدة إليها، وإلى إجرائها مناورة عسكرية مع الولايات المتحدة، وتدريب الضباط الأوكرانيين وما إلى ذلك.

منذ بدء الصراع في أوكرانيا عام 2022، اكتسبت السياسة الخارجية الروسية بُعدًا جديدًا، هو التنافس الجيوسياسي مع الغرب، ليس في الفضاء الأوروبي الأطلسي فقط ولكن في أماكن أخرى من العالم أيضًا[6]. العداء الحالي بين روسيا وأوكرانيا هو نموذج نزاع عسكري شامل بين الدول، إذ تلقت أوكرانيا دعمًا من المعسكر الغربي إضافة إلى أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية[7]. وقد غيّر الصراع رؤية بعض الدول كألمانيا، وحوّل وضع بعض الدول الأوروبية في العلاقات الدولية، فبعد حياد استراتيجي طويل، انحازت دول مثل السويد وفنلندا والنمسا وسويسرا وأيرلندا إلى الموقف الأوكراني، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية، وفرضت عقوبات على موسكو، في تطور غير مسبوق منذ عام 1939. كما أعلنت السويد وفنلندا عزمهما الانضمام إلى الناتو، فانضمت فنلندا، وشاركتا في مناورته الحربية الكبرى في شمال النرويج في شباط/فبراير 2022 [8].

للصراع الأوكراني ثلاثة أبعاد مترابطة – عالمية وإقليمية ومحليَّة – مع تداعيات عميقة على الأمن الدولي. لذلك فإن الأهمية الجيوستراتيجية للصراع في أوكرانيا تتجاوز أوروبا، لأن منطقة البحر الأسود تربط أوروبا بآسيا، والكتلة الأرضية الأوراسية مرتبطة بالشرق الأوسط عبر البلقان، حيث تحد تركيا سورية والعراق وإيران في الجنوب[9].

يعكس موقف البلدان العربية من الصراع الروسي – الأوكراني وتأثير هذا الصراع فيها اعتماد البلدان العربية إلى درجة كبيرة على الحبوب المستوردة من روسيا وأوكرانيا، اللتين تصدران أكثر من ربع القمح العالمي، وتشتري البلدان العربية منهما أكثر من 60 بالمئة. لكن العقوبات الغربية ضد روسيا أثرت في أسعار الطاقة والغذاء العالميين، الأمر الذي سيكون له تأثير في أسواق الطاقة والسلع، بما في ذلك أزمة الأمن الغذائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبخاصة أن النزاع أجبر أوكرانيا على حظر تصدير الحبوب وغيرها من الأطعمة وذلك لسدّ حاجاتها الغذائية المحلية[10]. كشف هذا النزاع أيضًا عن نقاط الضعف الكامنة وراء قطاع الطاقة وأثرها في أسعارها.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 534 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 534 آب/أغسطس 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 534 في آب/أغسطس 2023.

[1]مايا أبو ظهر: أستاذة في جامعة الإمارات العربية المتحدة.

[2]         Priyanka Shah and Pallavi Gedamkar, «Effects of Russia-Ukraine War,» International Journal of Scientific Research in Engineering and Management (IJSREM), vol. 6, no. 3 (March 2022), <https://ijsrem.com/download/effects-of-russia-ukraine-war/>.

[3]   Tarik Meszár, «The Russo-Ukrainian War is a Threat to Food Security in the Arab World,» Atlas Journal, vol. 8, no. 48 (August 2022), p. 2753, <https://doi.org/10.5281/zenodo.6977088>.

[4]           Shah and Gedamkar, Ibid.

[5]       Noam Chomsky, «Russian Uranian Conflict,» Skynews, 2022.

[6]    Nadia Alexandrova-Arbatova, «Implications of the Russia-Ukraine Crisis for the Middle East and North Africa,» IEMed Mediterranean Yearbook 2015, p. 225, <https://bit.ly/46BzvaL>.

[7]   Mohammed Al Rumaihi, «Consequences of Conflict: The Russia-Ukraine War and the Gulf,» Gulf International Forum, March 29, 2022, <https://bit.ly/44AKDCR>.

[8]   أحمد ذكر الله، «العام الثاني للحرب الروسية الأوكرانية: ترسيخ للتداعيات السياسية والاقتصادية،» البيان، العدد 432 (2023)، ص 42، <https://www.albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?ID=19252>

[9]      Alexandrova-Arbatova, «Implications of the Russia-Ukraine Crisis for the Middle East and North Africa,» p. 225.

[10]     Meszár, «The Russo-Ukrainian War is a Threat to Food Security in the Arab World,» p. 2747.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز