أولًا: من فضاء المعلومات نحو محيط المعلومات ثم إلى المحيط المعرفي
حصلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، سلسلة من القفزات المفاهيمية على صعيد سعينا لتحديد ماهية البيانات والمعلومات، بعد أن تطوّرت تقنيات المعالجة المعلوماتية وأدواتها التي أضحت أكثر ذكاءً وقدرة على التعامل مع مختلف أشكال الموارد الرقمية، الأمر الذي فرض بروز مفاهيم جديدة لتفسير ومواكبة التحوّلات المعرفية المعاصرة.
في البداية برز مفهوم الفضاء المعلوماتي (الفضاء السيبراني Cyberspace) الذي استخدم لوصف فضاء افتراضي تألّف من ترابُط شبكات المعلومات ومضيفات الخدمة (Servers)، فيما بينها من خلال مختلف أنماط التواصل الرقمي، وتفاعُل المستخدمين فيما بينهم من خلال خدمة البريد الإلكتروني، ومحتوى مواقع الويب، وغرف الدردشة، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تستثمر المحتوى الرقمي المطروح، والبيانات الموجودة في المستودعات الرقمية، وفضاء الإنترنت المفتوح.
وقد التحقت بهذا المفهوم مجموعة من المسائل والتحديات التي أفرزها حضور الإنسان في الفضاء المتخيّل، مثل خصوصية المستخدم، وأمن المعلومات، وانتشار المحتوى الذي لا يمتلك قيمة معرفية مضافة، وكيفية تمييز المحتوى الأصيل من المحتوى الملفّق. إلا أن فضاء المعلومات تغلغل بكثافة في حياة الإنسان المعاصر، وأسهم في تكوين الخطاطة المعلوماتية التي باتت تؤدي دورًا حاسمًا في المجتمعات المعاصرة، والتي مارست دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل أنماط تفكيرنا، وأساليب التواصل مع الغير، ونشر المعرفة، وآليات التعلّم، وإدارة جلّ الأنشطة التي تسود مجتمعاتنا[2].
أصبح فضاء المعلومات البيئة الإيكولوجية الجديدة التي تستوطن في مجالها البيانات والمعلومات، وكانت موطنًا لحفظها، ومعالجتها، ونقلها بين المستخدمين ممن يقيمون في هذا الفضاء المتخيَّل البيئة الإيكولوجية الرقمية التي أفرزتها تقنيات المعلومات والاتصالات في العقد الأخير من القرن العشرين، والتي مهّدت لولادة مجتمع المعلومات (Information Society) الذي هرعت إلى تكوين ملامحه، وإرساء أسسه الكثير من البلدان بعد أن وفّرت بنية معلوماتية – اتصالية متماسكة لسفر الفيض الرقمي بين الكيانات المعلوماتية والاتصالية التي بدأت تتكاثر في بيئته الرقمية الجديدة.
أصبح اصطلاح «مجتمع المعلومات» يعبّر عن مجتمع تعد عملية إنتاج المعلومات، ونشرها، واستثمار مادة محتواها، المورد الأساسي لتوليد القيمة الاقتصادية المضافة من خلال استثمار القدرات التي تمتلكها أدوات المعلومات والاتصالات وقنواتها الرقمية، والتطبيقات الرقمية التي ترجمت هذه القدرات إلى أدوات قادرة على توليد فائض بالقيمة.
وقد أسهم هذا المفهوم في إعادة تكوين الأركان التي استندت إليها إيكولوجية مجتمعاتنا في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من الألفية الجديدة، فعلى الصعيد التقني أصبحت مجتمعاتنا تعتمد على أدوات المعلومات والاتصالات لإنتاج البيانات والمعلومات، ونشرها واستخلاص القيمة المضافة من مادة المحتوى المودع فيها. أما على الصعيد الاقتصادي، فأضحت المعرفة المورد الاقتصادي الجديد الذي ترتكز عليه آلة الاقتصاد المرتكز إلى المعرفة (Knowledge-Based Economy). أما على الصعيد الاجتماعي فقد أولت مجتمعات المعلومات اهتمامًا بالغًا بمشاركة موارد البيانات والمعلومات، والتعاون في معالجتها واستخلاص المادة المعرفية المودعة فيها، والحرص على إنشاء المزيد من الشبكات التي تسهم في تذليل العقبات أمام سريان المعلومات في النسيج الشبكاتي لمجتمع المعلومات.
وبرزت في خضمّ تلك التحوّلات أهمية الابتكار، والإبداع، والتعلّم طوال العمر بوصفها العناصر الأساسية لبناء القدرات، وتطوير المهارات المعرفية لترسيخ أركان مجتمع المعرفة.
ولا شك أن هذا النمط من التحوّلات الجذرية بحاجة ماسّة إلى إحداث قفزة على مستوى الأنساق المفاهيمية، وإنشاء خطاطة معرفية قادرة على تأسيس أركان المجتمع الجديد وتوفير حاضنة معرفية لترشيد التوجهات وإدارة أنشطة المجتمع تحت مظلة مفاهيمية راسخة؛ الأمر الذي دفع الكثير من المتخصصين في فلسفة المعلومات والمعرفة مثل: لوشيانو فلوريدي (Luciano Floridi) وكذلك مارك بيرغين (Mark Burgin) إلى اقتراح أنموذج مفاهيمي جديد لتفسير هذه التحوّلات وتقعيدها في أنساق مفاهيمية توجه مختلف أنماط النشاط الإنساني وفق قواعد راسخة، ونحو غايات محددة.
برز مفهوم محيط المعلومات (Infosphere) الذي قام فلوريدي بترسيخ خطاطته المعرفية وأصبح يعبّر عن جميع عناصر البيئة الإيكولوجية للمعلومات في مجتمعات المعلومات حيث تنتج البيانات والمعلومات، وتعالج في النسيج الشبكاتي، الذي بدأ التعقيد يسري في مادته، وتتكاثر أدواته، وتزداد أذرع شبكاته بتفرعاتها، ويزدحم فضاؤه المعلوماتي بالمزيد من الكيانات الرقمية، وأدوات المعالجات (مثل الحوسبة السحابية، والحوسبة الكمومية)، وخوارزمياتها المختلفة (مثل الذكاء المحوسب).
ونشب عن النمو المستمر في عمليات تدفّق البيانات والمعلومات، وتطور أدوات المعالجة الذكية لمادتها، والاكتظاظ المستديم الذي باتت تعانيه المستودعات الرقمية نتيجة لعمليات الإنتاج المستديم للبيانات والمعلومات وتدفقها بكميات غير مسبوقة، إعادة التفكير في كفاية النسق المفاهيمي لمحيط المعلومات في إدارة البيئة الإيكولوجية الرقمية، وضرورة ابتكار أنساق جديدة لإدارة المحتوى، وتحليل مادته، وبمعالجات تمتلك منطقًا أكثر تجريدية، مع زج الحوسبة الذكية لإنتاج خلاصة تتجاوز حدود البيانات والمعلومات وعقبة الاكتظاظ الرقمي نحو إنتاج المعاني والدلالات، والتوجهات، والأنماط من مادتها، وإيداعها في نماذج منطقية أو رياضية يمكن استثمارها بدلًا من الضياع في زحمة البيانات والمعلومات الضخمة.
إن الخطوة الأساسية لتحقيق عملية التحوّل من محيط المعلومات نحو المحيط المعرفي قد تحققت عندما لم تعد البيانات والمعلومات، مهما كان حجمها، كافية لتلبية حاجات الإنسان المعاصر ما لم تمرّ بسلسلة من المعالجات المنطقية والرياضية لإنتاج المحتوى المعرفي بوصفه توليفة تجريدية تحمل مجموعة متنوعة من المعاني، والدلالات، والمفاهيم التي تمتلك قيمة مضافة أكبر كثيرًا من حجم البيانات الضخمة.
ثانيًا: بلدان الخليج العربية
والتحوّلات في المجال المعلوماتي
بدأت تباشير التحوّل من محيط المعلومات تجاه محيط المعرفة تلوح في أفق البيئة الإيكولوجية - المعلوماتية لبلدان الخليج العربية، وهو ما سنسعى إلى بيان أهم خصائصه، ومرتكزاته، والجهات المنتجة لمادته المعرفية إذ يعدّ نمطًا فريدًا من التحوّلات الذي تمرّ به هذه البلدان خلال السنوات الثلاث الأخيرة، سيحدد معالم التوجهات التي ستنصبغ بيئتها، كما سيحدد ملامح التوجهات التنموية، وكيفية إنشاء منظومة المفاهيم والأفكار لدى مواطني هذه البلدان، وكيفية تعاملهم مع التحديات التي تفرزها البيئة المعرفية الجديدة، بعد التحوّل من مجتمعات المعلومات (Information Societies) نحو مجتمعات المعرفة (Knowledge Societies)، الذي سيسهم في تغيير ملامح الخطاطة المعرفية، فيرسي أركانًا جديدة بدلًا من تلك التي أرسيت خلال نحو عقدين من الزمن.
إن أهم التحوّلات التي ستتسم بها عملية تحوّل البيئة الإيكولوجية الرقمية لهذه البلدان من الخطاطة المعلوماتية (Information Paradigm) نحو الخطاطة المعرفية (Knowledge Paradigm) يمكن أن نُجملها بما يأتي:
– التحوّل من بيئة تتمحور حول المعلومات إلى بيئة تتمحور حول المعرفة، فلن يعود الاهتمام منصبًّا على جمع المعلومات وخزنها، ونشرها، وإنما سينصبّ الاهتمام نحو تجاوز محتوى المعلومات في اتجاه إنتاج المعاني والدلالات، وسبر التوجهات والأنماط المقيمة في البيانات والمعلومات التي تنتج من مختلف أنماط الأنشطة في المجتمع الخليجي، والسعي إلى تحليل المفاهيم، وصناعة قرارات تسترشد بالخلاصة المعرفية المستبطنة في مادة المعلومات لإنتاج قرارات وسياسات تنموية رشيدة.
– الانتقال من مرحلة الجمع، والتنظيم، والحفظ التي تتسم بكونها نشاطًا سلبيًا يستهلك المعلومات وتحليلها السطحي من دون التعمّق في سبر لباب محتوى هذه البيانات، في اتجاه المشاركة الفاعلة في تتبع موارد البيانات، والتحليل المعمّق لمادة المحتوى لسبر جلّ الدلالات والمعاني المودعة فيها، وإعادة معالجتها بأدوات ذكية لإنتاج قرارات وأحكام يمكن أن يسترشد بها في صناعة قرارات استراتيجية في التنقيب في مفرداتها، وتثوير التوجهات، وتحليل منظومة المفاهيم ، والتعبير عن الخبرات والمهارات بقواعد إرشادية وإجراءات عملية تنصبغ بصبغة معرفية.
– إذا كانت الخطاطة المعلوماتية توجّه اهتمامها نحو جمع كمّ كبير من البيانات والمعلومات وتوليد البيانات الضخمة، فإن الخطاطة المعرفية تولي جلّ اهتمامها بجودة المعلومات، وتقييم المحتوى المعرفي لعناصرها، فتسعى إلى اختزال الكم الهائل من البيانات والمعلومات بمجموعة من الأنماط، والتوجهات، والقواعد المنطقية التي يمكن بلوغها بإعادة معالجة البيانات والمعلومات، وتحليلها، لبلوغ مادة اللباب التي أصبحنا قادرين على التعبير عنها بمجموعة من النماذج الرياضية والمنطقية، والقواعد الإجرائية التي تختصر علينا الطريق في التعامل مع الكمّ الهائل من البيانات والمعلومات، وتوفر في الوقت نفسه دقة موضوعية في صناعة القرار، وبناء الأحكام على الحلول المطروحة للتعامل مع الإشكاليات التي يطرحها الواقع.
– بصورة عامة تتعامل الخطاطة المعلوماتية مع البيانات والمعلومات بوصفها هويات ثابتة تعبّر عن حالات متباينة تسود المجتمعات. أما الخطاطة المعرفية فتستمد خصوصيتها من مبدأ التغيرات المستديمة في الدلالات المعرفية التي تستوطن في مادة البيانات والمعلومات في ضوء المنظور الذي نوظفه في تفسير مادة المحتوى، وتحليل نسيج الظروف والملابسات الزمانية والمكانية المحيطة بموارد البيانات والمعلومات، والغايات المرجوّة من سبر مادة نسيجها، والقرار الذي نروم صناعته من الدلالات المستبطنة في مادتها.
– رغم تنوّع موارد البيانات والمعلومات التي تستمد الخطاطة المعلوماتية مفاهيمها وتوجهاتها من مادتها، فإنها تتسم بكونها أحادية الجانب لكون اهتمامها ينصب على موارد محددة تتسم بالفردية. أما الخطاطة المعرفية فتعتمد المبدأ التعاوني في بناء المفاهيم، وصناعة القرارات، وذلك من خلال التوجّه نحو توسيع دائرة الموارد المستخدمة في إنتاج مادة المحتوى المعرفي، مع تعدد أشكال المعالجات، وهوية الجهات المشاركة في إنتاج المعاني والدلالات من الموارد المعلوماتية بواسطة الأفراد، والمجاميع، على حد سواء.
– التحوّل من التعامل مع البيانات والمعلومات في اتجاه التعامل مع السياق والمضامين التي تسري في لبابها، فلا قيمة لبيانات عملاقة ما لم تتوافر لدينا القدرة على غربلتها، وانتخاب المحتوى الجيد، وسبر المفاهيم المودعة فيها، وإنتاج نماذج رياضية ومنطقية ذكية قادرة على صنع قرارات رشيدة من مادة نسيجها المعقد.
لم يعد التحوّل من الخطاطة المفاهيمية لمحيط المعلومات إلى الخطاطة المفاهيمية لمحيط المعرفة وتطبيقاتها، خيارًا، بل أصبح ضرورة حتمية نتيجة للتحوّلات التي جاءت بها أدوات المعلومات والاتصالات، وتقنياتها، والكمّ الهائل من البيانات والمعلومات التي باتت تتولّد بصورة مستمرة في مجتمعات المعلومات والمعرفة، ووفرة أدوات وتطبيقات محوسبة تتسم بمستوى متقدم من الذكاء والقدرة على احتواء مادة البيانات الضخمة وتحويل عناصرها المتباينة، إلى مادة معرفية قوامها مجموعة من النماذج الرياضية، والقواعد المنطقية التي يمكن الاسترشاد بها لإنتاج معارف جديدة، أو صناعة قرارات رشيدة.
ثالثًا: محيط المعلومات الخليجي
محيط المعلومات اصطلاح شهدنا ولادته في دائرة فلسفة المعلومات التي تميز بها فيلسوف المعلومات المعاصر لوتشيانو فلوريدي وجعل منه نظيرًا للمحيط الحيوي التقليدي في احتوائه على جميع الكيانات المعلوماتية والرقمية كما احتوى المحيط الحيوي على جميع الكائنات الحية[3].
وقد أطلق فلوريدي هذا المصطلح على البيئة المعلوماتية الحاضنة لجميع الكيانات المعلوماتية، التي تتألف مادته من البيانات والمعلومات، والمستودعات الرقمية، وأدوات المعلومات والاتصالات، وشبكات المعلومات، والعمليات التي تسود بيئتها، والتفاعلات القائمة بين هذه الكيانات، والعلاقات الحميمة التي تؤلف لحمة نسيجها الرقمي.
يمكن تمثيل هذا المحيط بوصفه بيئة حاضنة، لتضمنه حدودًا فاصلة، وفضاءات تماثلية للمعلومات، تستمر عمليات نشوئها، ونموّها، وتوسّعها، وإعادة إنتاجها من خلال سلسلة غير متناهية مع عمليات المعالجة واستخلاص المفاهيم المودعة في مادة عناصرها المعلوماتية.
يتميز هذا المحيط بكثافة فائقة لمحتوى عناصره، بسبب النمو غير المتناهي الحاصل فيه، بحيث أصبحت أجزاء صغيرة من رقعته الرقمية قادرة على أن تستوعب حجمًا هائلًا من المحتوى المناظر بالفضاء المكاني – الفيزيائي[4].
عزا فلوريدي ظاهرة إعادة التوليد الوجودي للمحيط المعلوماتي إلى خاصية التقارب، والتناغم الحميم بين الموارد المعلوماتية والأدوات الرقمية التي تتعامل معها. لقد تقاربت المظاهر الوجودية للتقنيات المعلوماتية مثل: البرمجيات، وقواعد البيانات، ومسارات الاتصال، وبروتوكولات مراقبة تناقل البيانات، وباتت تشابه إلى حد كبير، وتتوافق مع المظاهر الوجودية للكيانات المعلوماتية[5].
يتألف محيط المعلومات من عناصر وكيانات ذات خصائص وجودية تختلف إلى حد كبير عن المحيط الحيوي وذلك نتيجة للسمات الفريدة التي يتصف بها الفضاء السيبراني، من جهة، والكيانات الرقمية، والبنية التحتية للمعلومات والاتصالات التي تمثّل مادة محيط المعلومات. ويمكن تمثيل مظاهر الحياة في محيط المعلومات بتوطن الإنسان ومجموعاته المتخيلة في الفضاء السيبراني عبر كيانات رقمية ترتبط بمادته عبر أوساط بينية رقمية، وبيئات تواصل وتفاعل رقمي تتخذ من بيئة محيط المعلومات مستقرًا لحضورها، وتستثمر قنواته الرقمية لنقل مختلف أشكال التفاعل والتواصل فيما بينها، ومع بقية الكيانات الرقمية ضمن خطاطة تعبّر عن ديمومة الحياة الرقمية في المحيط الجديد.
ولتوطين هذا المفهوم في البيئة الرقمية لبلدان الخليج العربية، سيكون محيط معلومات بلدان الخليج العربية عبارة عن فضاء محوسب يتميز بفيضه الرقمي الذي يسري في نسيج البنية التحتية للمعلومات والاتصالات، ويستوعب أشكال المحتوى الرقمي كافة الذي تنتجه مجتمعات بلدان الخليج العربية على المستويات كافة، إضافة إلى جميع أنواع الخطاب الذي تدار بواسطته عجلة الحياة في هذه المجتمعات.
يستمد محيط المعلومات في بلدان الخليج العربية أسس حضوره من البنية التحتية للمعلومات والاتصالات العولمية التي تسهم في تشكيل فضائه الرقمي.
يتألف النظام الإيكولوجي لمحيط المعلومات الخليجي من عدد كبير من شبكات المعلومات التي تمتلكها الشركات المجهزة للخدمة، والمؤسسات الحكومية، والأكاديمية، وشركات التجارة والأعمال، وشبكات معلومات متنوعة، التي يتلاحم نسيجها الشبكاتي (الذي تتألف مادته من البنية التحتية للمعلومات والاتصالات) في تكوين مادة فضاء معلومات البلدان الستة.
ويسهم محيط المعلومات بربط مختلف أشكال شبكات المعلومات لهذه الكيانات في فضاء موحّد ينصبغ بالصبغة الوطنية لكل من هذه البلدان الستة. وتنهض هيئات المعلومات والاتصالات في كل بلد من هذه البلدان بإدارة ملف محيطها المعلوماتي، بصورة مستقلة، وبسياسة معلوماتية تصاغ لكي تلبي الحاجات المحلية وبمعزل عن بقية البلدان[6].
تعدّ منافذ الوصول إلى الخدمة المعلوماتية مؤشرًا حاسمًا على حضور أدوات الاتصال والتواصل الرقمي في المجتمع، ومؤشرًا جوهريًا على حجم حضور المواطنين في محيط المعلومات.
وقد توافرت أدوات اتصالية متنوعة للوصول إلى محيط المعلومات، حيث تستقر الهواتف المحمولة على رأس قائمة هذه الأدوات، ثم الحواسب والحواسب اللوحية التي تستمد فيض المعلومات من محيط المعلومات وتتواصل مع الكيانات المقيمة فيه من طريق الاشتراك بخدمة الإنترنت، سواء من طريق الخدمة الثابتة أو المحمولة.
يبدو واضحًا من الجدول الرقم (1) أهم الخصائص الديمغرافية لبوابات الوصول إلى محيط المعلومات في بلدان الخليج العربية من خلال بوابات النطاق العريض بشقيها الثابت والمحمول، مع نسب الحضور الرقمي في المؤسسات الحكومية، وشركات التجارة والأعمال، والأفراد، التي تؤكد ثراء بوابات الوصول على مستوى الوفرة، والحضور بما يجعل من محيط المعلومات بيئة مناسبة لاحتواء جلّ أنواع الأنشطة السائدة في هذه البلدان ودعمها بالأدوات والتطبيقات المناسبة للأنشطة السائدة فيها.
الجدول الرقم(1)
الخصائص الديمغرافية لبوابات الوصول إلى محيط المعلومات في بلدان الخليج العربية
| البلد
| بوابات الدخول إلى محيط المعلومات | نسب الحضور الرقمي (بالمئة) | |||||
| اشتراك الهاتف الثابت/100 مواطن | اشتراك الهاتف المحمول/100 مواطن | خدمة الإنترنت العريض/ 100 مواطن | حضور الأفراد | الحضور التواصلي | حضور الشركات | حضور الحكومة والمؤسسات | |
| الإمارات | 39.2 | 84.5 | 96.6 | 91.8 | 91.6 | 75.79 | 82.8 |
| البحرين | 34.8 | 91.2 | 100.0 | 99.7 | 87.8 | 58.4 | 67.3 |
| السعودية | 20.0 | 60.6 | 48.4 | 73.8 | 84.0 | 59.1 | 65.8 |
| عمان | 16.4 | 61.4 | 13.4 | 69.6 | 73.2 | 45.0 | 54.5 |
| قطر | 32.4 | 55.1 | 79.6 | 95.8 | 88.9 | 73.1 | 69.6 |
| الكويت | 18.3 | 54.9 | 41.1 | 78.8 | 81.4 | 61.2 | 51.0 |
المصدر: مؤشر المعرفة العالمي 2017 (دبي: مؤسسة محمد بن راشد؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2018)، ص 21، 23، 51، 57، 191 و213.
ويبدو واضحًا أن الخدمات المحمولة قد تفوقت على خدمات الإنترنت الثابت، مع زيادة التوجه نحو سعة الإنترنت العريضة، التي تؤدي دورًا كبيرًا في إتاحة الفرصة للحضور العميق في محيط المعلومات الخليجي.
أما بالنسبة إلى منافذ الوصول إلى محيط المعلومات، التي باتت تتأرجح بين الهاتف المحمول، والحواسب، والحواسب اللوحية، فيظهر في الجدول الرقم (2) الذي يظهر فيه زيادة مستويات نسبة استخدام الهواتف المحمولة على حساب الحواسب، ثم الحواسب اللوحية في بلدان الخليج العربية.
الجدول الرقم (2)
نسبة استخدام أدوات الاتصال للدخول
إلى محيط المعلومات الخليجي عام 2020
(بالمئة)
| البلد | الهاتف المحمول | الحواسيب المنضدية والمحمولة | الحواسيب اللوحية | أدوات أخرى |
| الإمارات | 54.5 | 44.0 | 1.5 | 0.06 |
| البحرين | 52.4 | 46.3 | 1.1 | 0.1 |
| السعودية | 61.5 | 37.2 | 1.2 | 0.2 |
| عمان | 70.2 | 27.4 | 2.3 | 0.13 |
| قطر | 68.3 | 30.4 | 1.3 | 0.06 |
| الكويت | 70.6 | 26.9 | 2.30 | 0.2 |
المصدر: استخلصت هذه البيانات من المواقع الآتية:
<https://datareportal.com/reports/digital-2020-united-arab-emirates>
<https://datareportal.com/reports/digital-2020-bahrain>
<https://datareportal.com/reports/digital-2020- saudi-arabia>
<https://datareportal.com/reports/digital-2020-oman>
<https://datareportal.com/reports/digital-2020-qatar>
<https://datareportal.com/reports/digital-2020-kuwait> (all accessed on 21 February 2021).
أما على صعيد سرعة الفيض الرقمي في بلدان الخليج العربية، فتحتل الإمارات المرتبة الأولى، بينما تأتي قطر في المرتبة الثانية، والكويت في المرتبة الثالثة، والسعودية في المرتبة الرابعة، على مستوى الوطن العربي، بينما تأتي عمان في المرتبة السادسة، والبحرين في المرحلة السابعة[7]، الأمر الذي يؤكد دينامية الحضور الرقمي في محيط المعلومات في هذه البلدان وقدرة فيضه الرقمي على تلبية جميع أشكال الحضور[8].
رابعًا: المواطن الخليجي – الرقمي
إن أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه المواطنون الرقميون على صعيد ترسيخ النهوض الرقمي بجانبيه المعرفي والتقني، يحتّم علينا ممارسة سلسلة من الحفريات في الطبقات الجيولوجية التي انطبعت عليها بصماته الأولية، وذلك لتتبع مسارات نضوج دلالاته وتحديد مطالع انجلاء خطاطتها الجديدة.
بصورة عامة هناك ثلاثة اصطلاحات فرضت حضورها في هذا المضمار، هي: «جيل الشبكات» (Net Generation)، و«المواطنون الرقميون» (Digital Natives)، وأخيرًا «الألفيون» (Millennials) نسبة إلى الألفية الجديدة.
كان دونالد تابسكوت الرائدَ في نحت اصطلاح جيل الشبكات في بداية التسعينيات من القرن الماضي سعيًا منه لتمييز طبقة المستخدمين الرقميين الشباب من غيرهم، حيث وضع بعدًا زمنيًا بلغ عقدين من الزمان يمتدان بين عامَي 1977 و1997 في سعيه لتحديد البعد الزمني لولادة هذه الفئة[9].
وقد حدد تابسكوت السمات التي تميزهم من غيرهم، كونهم حاضرين في قلب الثقافة الرقمية ووسائطها الحديثة، أذكياء، وقادرين على التكيف مع البيئة الرقمية، والاعتماد على النفس، ويميلون إلى الانعزالية عن المجتمع، فضوليين وبصورة استثنائية، ولديهم توجهات عولمية. وقد قام بعض الباحثين بإضافة سمات أخرى إلى هذه الفئة، مثل: أن ولادتهم كانت بُعيد ظهور الحواسب الشخصية، وأنهم يمتلكون مهارات متنوعة تدعم استخدامهم لأدوات المعلومات، ويمتلكون مهارات مميزة في ممارسة أنشطة الإبحار في فضاء الإنترنت، غير أن معرفتهم بالمبادئ التقنية والهندسية (ذات الصلة بالمعلومات والاتصالات) قد تكون سطحية في كثير من الأحيان.
في المقابل يعدّ اصطلاح المواطنين الرقميين الذي اقترح صيغته ودلالاته الأولية الباحث مارك برينسكي عام 2001، الأكثر استخدامًا، وشيوعًا في وقتنا الراهن[10]. والمواطنون الرقميون لديه هم طليعة جيل الشباب الذين عاصروا الثورة التقنية التي جاءت بها أدوات المعلومات والاتصالات، وأبصرت أعينهم النور وهم محاطون بمختلف أنواع الأدوات والخدمات الرقمية، فتشبعت بحضورها نفوسهم، وأمسوا يحسنون استخدام مفردات اللغة الرقمية للخطاب الذي فرضت حضوره تقنيات الحواسب، والشبكات الرقمية، وألعاب الفيديو، والإنترنت[11].
من جانبنا، نرى أن ولوج المستخدم إلى فضاء محيط المعلومات يمنحه حق المواطنة الرقمية وبمستوى يتناسب مع مدة لبثه فيه، وبصرف النظر عن الشريحة العمرية التي ينتمي إليها، ومستوى المهارات الرقمية التي يتمتع بها بعد أن عكف العاملون في مجال تطبيقات الإبحار في فضاء محيط المعلومات واستخدام تطبيقاته على تذليل عقبات كانت تعترض المستخدم (مثل اللغة، ومهارة التنقل، والنضج الرقمي) من خلال الوصلات الرسومية التي تجاوزت هذه العقبات مجتمعة وجعلت عملية الولوج إلى محيط المعلومات سهلة جدًا.
على هذا الأساس يمكننا القول إن عدد قطّان محيط المعلومات قد بلغ في بداية عام 2020 زهاء 4.54 مليار نسمة، منهم 3.80 مليار قاطن ممن يعدون مستخدمين فاعلين في تطبيقات منصات التواصل الاجتماعي[12]، ويظهر في الجدول الرقم (3) أعداد المواطنين الرقميين في بلدان الخليج العربية مقارنة ببقية البلدان العربية بحسب إحصاءات أعوام 2022-2023.
الجدول الرقم (3)
أعداد المواطنين الرقميين في بلدان الخليج العربية
وبقية البلدان العربية في عامَي 2022-2023
| عدد المواطنين الرقميين | مستوى المواطنة الرقمية | مستوى الحضور الرقمي | مستوى استخدام شبكات التواصل الاجتماعي | تلقي مهارات أدوات المعلومات والاتصالات في نظم التعليم | عدد مستخدمي الإنترنت | عدد السكان | البلد |
| 9,587,762 | 86.52 | 79.4 | 100 | 82.54 | 11,081,300 | 10,088,517 | الإمارات |
| 1,315,443 | 74.85 | 78.14 | 82.28 | 63.02 | 1,757,533 | 1,804,853 | البحرين |
| 25,024,356 | 78.55 | 77.23 | 76.92 | 81.95 | 31,856,652 | 35,719,422 | السعودية |
| 3,052,294 | 76.10 | 78.42 | 77.8 | 71.3 | 4,011,004 | 5,328,207 | عمان |
| 2,553,335 | 82.29 | 72.89 | 93.96 | 83.14 | 3,103,000 | 2,962,541 | قطر |
| 3,216,526 | 75.57 | 90.13 | 87.34 | 44.38 | 4,256,466 | 4,375,865 | الكويت |
| 44,749,716 | 78.98 | 79.37 | 86.38 | 71.06 | 56,065,955 | 60,279,405 | بلدان الخليج العربية |
| 18,017,820 | … | … | … | … | 30,029,700 | 41,752,172 | العراق |
| 5,753,223 | 66.13 | 64.95 | 61.64 | 72.19 | 8,700,000 | 10,370,272 | الأردن |
| 3,449,753 | 62.20 | 51.73 | 70.01 | 68.34 | 5,546,494 | 6,776,509 | لبنان |
| 2,169,000 | … | … | … | … | 3,615,000 | 5,302,778 | فلسطين |
| 5,100,000 | … | … | … | … | 8,500,000 | 18,224,180 | سورية |
| 4,946,263 | … | … | … | … | 8,243,772 | 30,938,435 | اليمن |
| 17,762,688 | 46.95 | 46.22 | 54.33 | 40.53 | 37,836,425 | 45,150,879 | الجزائر |
| 30,718,736 | 56.12 | 61.72 | 44.4 | 60.36 | 54,741,493 | 105,530,371 | مصر |
| 3,995,340 | … | … | … | … | 6,658,900 | 7,024,811 | ليبيا |
| 3,857,032 | 15.07 | 43.19 | 58.52 | 34.62 | 25,589,581 | 37,344,795 | المغرب |
| 4,545,243 | 55.63 | 52.42 | 63 | 51.48 | 8,170,000 | 11,935,766 | تونس |
| 145,064,815 | 64.66 | 66.37 | 72.52 | 62.82 | 253,697,320 | 380,630,373 | البلدان العربية |
| 100,315,099 | 50.35 | 53.37 | 58.65 | 54.59 | 197,631,365 | 320,350,968 | البلدان العربية من دون بلدان الخليج |
المصدر: أُعدّ الجدول وفق النهج الآتي:
أولًا: أعداد السكان ومستخدمي الإنترنت في عام 2023 من المصدر: <https://www.internetworldstats.com/middle.htm>.
ثانيًا: قيم العوامل الثلاثة التي انتخبت بوصفها المعبر الحقيقي عن المواطنة من المصدر: Sumetra Douta and Bruno Lanvin, The Network Readiness Index 2022 (Oxford: Portulans Institute, 2023), pp. 73-204.
ثالثًا: احتسبت قيمة المواطنة الرقمية من متوسط القيم الثلاثة (تلقي مهارات أدوات المعلومات والاتصالات في نظم التعليم/مستوى استخدام شبكات التواصل الاجتماعي/مستوى الحضور الرقمي).
رابعًا: احتسب عدد المواطنين الرقميين من حاصل ضرب قيمة مستوى المواطنة الرقمية مع عدد مستخدمي الإنترنت في كل بلد من البلدان.
خامسًا: نظرًا إلى عدم توافر بيانات عن كل من العراق، وفلسطين، وليبيا، واليمن حول العوامل الثلاثة استخدمنا النسبة المئوية لشريحة المواطنين بين 15 و40 سنة التي وردت في تقرير منظمة الإسكوا: United Nations Economic and Social Commission for Western Asia [ESCWA], Regional Profile of the Arab Region Demographic of Ageing: Trends, Patterns, and Prospects into 2030 and 2050, Technical Paper; no. 17 (Beirut: ESCWA, 2017), p. 102.
يبدو واضحًا من بيانات الجدول الرقم (3) أن البلدان الخليجية الستة تتبوأ مكانة الصدارة على صعيد مستوى المواطنة الرقمية، وأن الإمارات تحتل المرتبة الأولى، ثم تأتي قطر في المرتبة الثانية، وأن العدد الكلي للمواطنين الرقميين في هذه البلدان يقارب 45 مليون مواطن، يمثلون نحو 12 بالمئة من العدد الكلي للمواطنين الرقميين في عموم الوطن العربي.
تختلف لغة الخطاب التي يستخدمها المواطنون الرقميون بحسب طبيعة التطبيق الذي يستخدمونه في الاتصال والتواصل مع الغير، والخدمة التي يوظفونها عند ممارسة عملية النفاذ إلى المواقع التي تتوافر بكثافة في محيط المعلومات. وتمارس لغة التطبيقات البرمجية، ومواقع الويب، ومستوى الخدمات التي توفرها، وهوية روادها دورًا جوهريًا في جذب المستخدمين نحو لغة خطاب من دون غيرها.
بصورة عامة لا تكاد تعثر على إحصاءات دقيقة بصدد توجهات مستخدمي الإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي في الوطن العربي، بصورة عامة، وبلدان الخليج العربية، بصورة خاصة، نحو استخدام لغة محددة من دون غيرها. وقد أدرج في موقع Internet Statistics الشهير أعداد الذين يستخدمون اللغة العربية من دون تحديد الرقعة الجغرافية التي يقيمون فيها (انظر الجدول الرقم (4)).
الجدول الرقم (4)
أكثر عشر لغات استخدامًا في فضاء الإنترنت
بحسب إحصاءات عام 2020
| اللغة | عدد الناطقين باللغة | عدد مستخدمي اللغة | النسبة المئوية للمستخدمين من العدد الكلي لسكان العالم | النسبة المئوية لمستخدمي اللغة من عدد الناطقين بها | |
| 1 | الإنكليزية | 1,531,179,460 | 1,186,451,052 | 25.9 | 77.49 |
| 2 | الصينية | 1,477,137,209 | 888,453,068 | 19.4 5 | 60.15 |
| 3 | الإسبانية | 516,655,099 | 363,684,593 | 7.9 | 70.39 |
| 4 | العربية | 447,572,891 | 237,418,349 | 5.2 | 53.05 |
| 5 | البرتغالية | 290,939,425 | 171,750,818 | 3.7 | 59.03 |
| 6 | الإندونيسية | 306,327,093 | 198,029,815 | 4.3 | 64.65 |
| 7 | الفرنسية | 431,503,032 | 151,733,611 | 3.3 | 35.16 |
| 8 | اليابانية | 126,476,461 | 118,626,672 | 2.6 | 93.79 |
| 9 | الروسية | 145,934,462 | 116,353,942 | 2.5 | 79.73 |
| 10 | الألمانية | 98,654,451 | 92,525,427 | 2.0 | 93.79 |
المصدر: Internet World Statistics, «Top 10 Languages Used on Internet,» <https://www.internetworldstats.com/stats7.htm> (accessed on 4 April 2023).
يبدو واضحًا من الجدول الرقم (4) أن الناطقين باللغة العربية يستخدمون لغتهم في فضاء المعلومات بنسبة لا تزيد على 53.05 بالمئة بينما تتوزع النسبة المتبقية من استخداماتهم على لغات أخرى كالإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، ولغات أخرى.
خامسًا: المحيط المعرفي الخليجي
أثمر حرص دول الخليج العربية على إنشاء بنية تحتية متماسكة للمعلومات والاتصالات، والاهتمام بملفات التعليم (الأساسي، والمهني، والجامعي)، ورعاية الابتكار وإنشاء حواضن متطورة لرعايته والاهتمام به، مع تطوير الخدمات التي تقدمها حكوماتها الإلكترونية، وبسط حوكمتها الرقمية على جل الأنشطة السائدة في ربوعها عن حصول طفرة نوعية باتجاه ترسيخ وتوسيع دائرة المحيط المعرفي فيها، الذي يتجلى بتفوقها على بلدان المنطقة وعلى كثير من بلدان أخرى في مجال السمات التي تي تتميز بها بيئتها الحاضنة للمحيط المعرفي (Knowsphere) فيهاـ (انظر الجدول الرقم (5)).
الجدول الرقم (5)[13]
سمات البيئة الحاضنة للمحيط المعرفي
بلدان الخليج العربية عام 2020
| البلد | التعليم قبل الجامعي | التعليم التقني والتدريب المهني | التعليم العالي | البحث والتطوير والابتكار | تكنولوجيا المعلومات والاتصالات | الاقتصاد | البيئة التمكينية |
| الإمارات(1) | 75.5 | 69.6 | 55.4 | 37.8 | 79.9 | 73.2 | 73.9 |
| البحرين(2) | 63.9 | 59.8 | 42.8 | 17.4 | 65.1 | 51.1 | 59.1 |
| السعودية(3) | 50.5 | 68.5 | 41.3 | 29.7 | 66.2 | 45.2 | 57.6 |
| عمان(4) | 57.4 | 47.6 | 37.3 | 22.1 | 61.9 | 48.6 | 62.2 |
| قطر(5) | 62.4 | 53.1 | 52.1 | 28.3 | 66.6 | 51.9 | 70.4 |
| الكويت(6) | 59.3 | 45.2 | 42.4 | 17.5 | 57.4 | 42.8 | 60.7 |
وقد انعكست السمات المميزة للبيئة الحاضنة للمحيط المعرفي في بلدان الخليج العربية على بسط بيئة معرفية رصينة جعلتها تمتلك مكانة متقدمة على صعيد مؤشر المعرفة العولمي الذي بات مؤشرًا أكيدًا على رسوخ قدمها في مجتمع المعرفة العولمي، والتحاقها بفضاء محيطه المعرفي الجديد بناء على التطورات المتلاحقة التي حصلت فيها خلال السنوات 2018 – 2020 ـ انظر الجدول الرقم (6).
الجدول الرقم (6)
مؤشر المعرفة لمحيط المعرفة
في بلدان الخليج العربية للأعوام 2018 – 2020
| الدولة | مؤشر المعرفة | التراتبية العولمية | ||||
| 2018 | 2019 | 2020 | 2018 | 2019 | 2020 | |
| الإمارات | 62 (1) | 64 (2) | 66.1 (3) | 19 | 18 | 15 |
| البحرين | 51 (4) | 51(5) | 50.9 (6) | 44 | 43 | 43 |
| السعودية | 47 (7) | 48(8) | 50.9(9) | 66 | 52 | 42 |
| عمان | 48(10) | 49(11) | 47.5(12) | 62 | 50 | 58 |
| قطر | 51(13) | 52(14) | 54.2(15) | 43 | 40 | 39 |
| الكويت | 50(16) | 47(17) | 45.8(18) | 50 | 62 | 65 |
(1) مؤشر المعرفة العالمي 2018 (دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، 2019)، ص 31.
(2) مؤشر المعرفة العالمي 2019 (دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، 2020)، ص 30.
(3) مؤشر المعرفة العالمي 2020 (دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، 2021)، ص 29.
(4) مؤشر المعرفة العالمي 2018، ص 33.
(5) مؤشر المعرفة العالمي 2019، ص 32.
(6) مؤشر المعرفة العالمي 2020، ص 30.
(7) مؤشر المعرفة العالمي 2018، ص 65.
(8) مؤشر المعرفة العالمي 2019، ص 64.
(9) مؤشر المعرفة العالمي 2020، ص 47.
(10) مؤشر المعرفة العالمي 2018، ص 205.
(11) مؤشر المعرفة العالمي 2019، ص 206.
(12) مؤشر المعرفة العالمي 2020، ص 119.
(13) مؤشر المعرفة العالمي 2018، ص 227.
(14) مؤشر المعرفة العالمي 2019، ص 228.
(15) مؤشر المعرفة العالمي 2020، ص 130.
(16) مؤشر المعرفة العالمي 2018، ص 59.
(17) مؤشر المعرفة العالمي 2019، ص 58.
(18) مؤشر المعرفة العالمي 2020، ص 65.
أثمرت هذه التطورات عن منح المحيط المعرفي لبلدان الخليج العربية ميزة تنافسية – معرفية، وأسهمت في الوقت ذاته في تكوين رأس مال معرفي بدأ بالنمو التدريجي وأضحى مؤشرًا أكيدًا على توسّع دائرة المحيط المعرفي فيها، وامتداد سلطانها ليشمل قطاعات كبيرة من الأنشطة السائدة فيها ـ انظر الجدول الرقم (7).
الجدول الرقم (7)
معالم تشكيل رأس المال المعرفي
ووفرة التنافسية المعرفية في محيط المعرفة الخليجي
| الدولة | رأس المال المعرفي | الميزة التنافسية | مؤشر المعرفة | |||
| القيمة | المرتبة | القيمة | المرتبة | القيمة | المرتبة | |
| الإمارات(1) | 63.2 | 49 | 83.5 | 1 | 64 | 18 |
| البحرين(2) | 58.7 | 55 | 55.7 | 37 | 51 | 43 |
| السعودية(3) | 49.5 | 57 | 50.6 | 51 | 48.0 | 52 |
| عمان(4) | 55.2 | 55 | 56.4 | 36 | 49.0 | 50 |
| قطر(5) | 54.6 | 70 | 57.4 | 37 | 52.0 | 40 |
| الكويت(6) | 56.0 | 63 | 48.1 | 56 | 47.0 | 62 |
(1) مؤشر المعرفة العالمي 2019، ص 30.
(2) المصدر نفسه، ص 32.
(3) المصدر نفسه، ص 64.
(4) المصدر نفسه، ص 206.
(5) المصدر نفسه، ص 228.
(6) المصدر نفسه، ص 58.
سادسًا: إنتاج المعرفة
في محيط المعرفة الخليجي
سنحاول في هذه الفقرة حصاد ما يمكننا حصاده من غلّة المحتوى الرقمي الخليجي المنبسط في المحيط المعرفي الخليجي، لكي تتولد لدينا جميعًا قناعة راسخة بوجود حاجة ملحة إلى المباشرة بعمليات جمع واستقصاء المفردات المعرفية التي استودعت في هذا المحتوى الرقمي، واقتراح خطاطة معرفية – جديدة تمارس مهمة الإدارة الرشيدة لمادة المحتوى، وبما يضمن عدم ضياعها سدى، وإقرار خارطة طريق ترشد الخطاب المعرفي المقيم في مادة هذا المحتوى الثري نحو نشر المفردات المعرفية النافعة، والكف عن ترويج المواد الغثة، مع ديمومة السعي لتحويل البيئة الرقمية الخليجية إلى بيئة منتجة للمعرفة، تزخر بمادة تسهم في تطوير المهارات، وتبادل الخبرات، ذلك من دون المساس بفرصة الاستمتاع بتوثيق عرى علاقاتنا الاجتماعية، وغيرها من مجالات الترفيه الهادف.
سنسعى لبيان مستوى الغلّة المعرفية التي تستوطن الفضاءات الرقمي في بلدان المحيط المعرفي الخليجي بحسب ثراء هذه الغلّة على المستويين الكمي والنوعي، فنبدأ بالبلد الأكثر غلّة وننهي قراءتنا مع البلد التي قد شحّت غلته وتراجعت مقارنة ببقية بلدان الخليج العربية.
1 – الغلَة المعرفية السعودية
تحتل السعودية المرتبة الأولى بين البلدان الخليجية بوصفها المالكة والمنتجة للغلّة الرقمية في فضاء المحيط المعرفي الخليجي. ويمثل المحتوى الرقمي المطروح في المنتديات مركز الثقل الأول في المحتوى الرقمي السعودي، حيث تستأثر هذه المنتديات بنسبة 42.4 بالمئة من المحتوى الرقمي السعودي، تليها مادة المحتوى المطروحة في المواقع التي تستأثر بنسبة 38.6 بالمئة من مادة المحتوى، ثم فضاء التغريدات الرقمية بنسبة 5.7 بالمئة، ومادة الفيديو بنسبة 5.1 بالمئة، ومحتوى المدوّنات التي تستأثر بنسبة ضئيلة لا تكاد تتجاوز 2.4 بالمئة، وأخيرًا محتوى الصور الذي لا تزيد حصته على 1.3 بالمئة من مادة المحتوى الرقمي السعودي[14].
وإذا أردنا التنقير في أهم محاور المادة المعرفية التي تسود المحتوى الرقمي السعودي المطروح في محيطه المعرفي، سنلاحظ أن المفردات الثقافية، هي الأكثر حضورًا، ثم العلوم الإنسانية، فالعلوم، ويتقاسم الاقتصاد والسياسة المكانة نفسها بينما تأتي بعدهما مفردات الاعلام والاتصال، فالتربية والتعليم، وأخيرًا المفردات العسكرية والأمنية ـ (انظر الشكل الرقم (1)).
الشكل الرقم (1)
توزيع الموضوعات المعرفية في المحتوى الرقمي السعودي

المصدر: أُعد المخطط من البيانات المتوافرة في: التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي الخليجي: الواقع، الدلالات، التحديات (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2013)، ص 100.
2 – الغلّة المعرفية الكويتية
تحتل الكويت المرتبة الثانية بين بلدان الخليج العربية، وتستوطن 51.9 بالمئة من مادة هذا المحتوى في فضاء التغريدات الرقمية، بينما تصل نسبتها في مواقع الويب إلى 25.7 بالمئة، وتحتل الملفات الفيديوية نسبة 6.5 بالمئة، ونسبة 6.4 بالمئة في الملفات الصورية، ونسبة 4.5 بالمئة في المنتديات، وتتوزع النسب المتبقية بين شبكات التواصل الاجتماعي وفضاء المدوّنات، والقوائم البريدية[15].
أما توزع المفردات المعرفية، فيمكن ملاحظتها في الشكل الرقم (2)، حيث يبدو واضحًا وجود تقارب في مادة المحتوى المعرفي الكويتي المطروح في محيطها المعلوماتي مقارنة بالمحتوى السعودي، مع وجود زيادة على صعيد مستوى مفردات السياسة والقانون.
الشكل الرقم (2)
توزيع الموضوعات المعرفية في المحتوى الرقمي الكويتي

المصدر: أُعد المخطط من البيانات المتوافرة في: التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي الخليجي: الواقع، الدلالات، التحديات، ص 102.
3 – الغلَة المعرفية الإماراتية
لا تتناسب الغلّة المعرفية للإمارات مع الإنجازات التي قامت وتقوم بها الدولة على صعيد إرساء أول مجتمع معرفة مثالي في الوطن العربي مع السعي إلى نشر مبادئ وقيم مجتمع المعرفة في بلدان الخليج العربية والبلدان العربية عمومًا، مع حرصها على رعاية مشاريع معرفية متعددة، بيد أن النتائج التي توصلت إليها الدراسة في مسحها للمحتوى الرقمي كانت مغايرة إلى حد كبير؛ فكان نصيب المحتوى الرقمي الإماراتي 1.5 بالمئة من إجمالي المحتوى الرقمي الخليجي، وبقنوات نشر لا تتجاوز 0.6 بالمئة من قنوات النشر الخليجية[16].
وقد لوحظ تركز المستخدم الإماراتي على القنوات النشر الفيديوي وبنسبة تصل إلى 91.5 بالمئة، ثم منصتي التواصل الاجتماعي Facebook & Twitter التي تصل نسبة المشاركة في قنواتهما إلى نحو 5.6 بالمئة، ثم المنتديات بنسبة مشاركة تصل إلى 0.1 بالمئة. وقد توزّع هذا المحتوى بنسبة 53.8 بالمئة على المواقع الإماراتية، وبنسبة 11 بالمئة على موقع التغريدات الرقمية، و12.2 بالمئة في مواقع الملفات الفيديوية، وفي المنتديات بنسبة 10.2 بالمئة، و4.2 بالمئة في شبكات التواصل الاجتماعي[17].
سعينا إلى لملمة الموضوعات التي استوطنت في محتواها الرقمي وأودعناها في الشكل الرقم (3).
الشكل الرقم (3)
توزيع الموضوعات المعرفية
في المحتوى الرقمي الإماراتي

المصدر: أُعد المخطط من البيانات المتوافرة في: التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي الخليجي: الواقع، الدلالات، التحديات، ص 104.
4 – الغلَة المعرفية البحرينية
يحتل المحتوى الرقمي البحريني المرتبة الرابعة بين بلدان المحيط المعرفي الخليجي، وبنسبة لا تتجاوز 1.3 بالمئة من المحتوى الرقمي الخليجي. وتتوزع مادة المحتوى المعرفي التي تنتج في فضائه الرقمي بنسب مختلفة على قنوات النشر الرقمي، فتبلغ نسبتها 38.2 بالمئة في مواقع الويب، و34.2 بالمئة في فضاء منصة التغريد الرقمي، و6.3 بالمئة في المنتديات، و7.4 بالمئة في فضاء شبكات التواصل الاجتماعي، و5.4 بالمئة في مواقع شبكات الصور، و5.9 بالمئة في شبكات الفيديو، و2 بالمئة في فضاء المدونات الرقمية[18].
يلاحظ من الشكل الرقم (4) أن الموضوعات الثقافية تمثل الحصيلة الكبرى في المفردات المعرفية للمحتوى الرقمي البحريني، ثم تليها القضايا السياسية، بينما تستقر مفرداتها الأقل في فضاء التواصل الاجتماعي Facebook.
الشكل الرقم (4)
توزيع الموضوعات المعرفية في المحتوى الرقمي البحريني

المصدر: أُعد المخطط من البيانات المتوافرة في: التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي الخليجي: الواقع، الدلالات، التحديات، ص 105.
5 – الغلَة المعرفية القطرية
يحتل المحتوى المعرفي القطري المرتبة الخامسة بين بلدان المحيط المعرفي الخليجي، وتمثَل مادته 1.1 بالمئة من مادة المحتوى الرقمي الخليجي. وتستأثر المواقع بنسبة 61.6 بالمئة من مادته المعرفية، وتأتي بعدها شبكات الفيديو بنسبة 9 بالمئة، ثم فضاء التغريد الرقمي بنسبة 8.7 بالمئة، ثم شبكات الصور بنسبة 7.7 بالمئة، فالمنتديات بنسبة 5.7 بالمئة، ومنصات التواصل الاجتماعي بذات النسبة، ولا تزيد نسبة حضورها في فضاء المدوَنات على 1.1 بالمئة[19].
وتستحوذ قضايا الثقافة على مكان الصدارة بين المفردات المعرفية التي تسود هذا الخطاب، ثم القضايا السياسية بالمرتبة الثانية، بينما تستقر في ذيل الاهتمامات المفردات ذات الصلة بالتربية والتعليم (انظر الشكل الرقم (5)).
الشكل الرقم (5)
توزيع الموضوعات المعرفية في المحتوى الرقمي القطري

المصدر: أُعد المخطط من البيانات المتوافرة في: التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي الخليجي: الواقع، الدلالات، التحديات، ص 106.
6 – الغلَة المعرفية العمانية
يأتي المحتوى المعرفي العماني في نهاية قائمة المحتوى المعرفي الذي يستوطن المحيط المعرفي الخليجي، ويستأثر بالمرتبة السادسة، وبنسبة لا تتجاوز 0.9 بالمئة من مادة المحتوى الرقمي الخليجي؛ وتتوزع مادته النزرة بنسب متفاوتة في فضاء المعلومات، فتستقر 60.7 بالمئة من مادته في المواقع، و22.7 بالمئة في المنتديات، و7.4 بالمئة في منصات شبكات التواصل الاجتماعي، و2.7 بالمئة في فضاء المدوَنات الرقمية، و1.7 بالمئة في فضاء التغريدات الرقمية، وبالنسبة نفسها في مواقع الفيديوية، بينما لا يتجاوز حضورها نسبة 0.9 بالمئة في شبكات الصور الرقمية[20].
تستحوذ المفردات الثقافية المرتبة الأولى في مادة المحتوى الرقمي العماني، وتأتي بعدها القضايا الإنسانية، بينما تستقر مفردات المسائل الأمنية والعسكرية في نهاية القائمة (انظر الشكل الرقم (6)).
الشكل الرقم (6)
توزيع الموضوعات المعرفية في المحتوى الرقمي العماني

المصدر: أُعد المخطط من البيانات المتوافرة في: التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي الخليجي: الواقع، الدلالات، التحديات، ص 106.
يبدو واضحًا لنا من مراجعة محاور المفردات بالغلّة المعرفية لبلدان الخليج العربية التي أودعت في الجداول السابقة أن هناك تباينًا في مادة المحتوى المعرفي بين هذه البلدان، التي تعكس لنا توجهات المواطنين والمؤسسات في توليد المحتوى بمختلف أشكاله.
بصورة عامة تمثل مفردات الثقافة والعلوم الإنسانية النسبة الأكبر من الغلّة المعرفية الخليجية (تحتل الثقافة المرتبة الأولى لدى كل من السعودية، والكويت، وقطر، والبحرين وعمان، بينما تحتل المرتبة الثانية لديهم العلوم الإنسانية. بينما تنفرد الإمارات بالعلوم الإنسانية في المرتبة الأولى، وتأتي مفردات الاقتصاد والمال بالمرتبة الثانية كونها تمثل المركز المالي الأهم بين بلدان الخليج العربية). تؤكد هذه النتائج أن المحتوى الرقمي الخليجي لا يزال رهينًا بمفردات الثقافة والعلوم الإنسانية، بينما لا تزال مفردات العلوم، والتربية والتعليم متراجعة ولم تلقَ اهتمامًا يوزاي أهميتهم.
كذلك يلاحظ أن لمفردات السياسة والقانون في الغلّة المعرفية لكل من قطر والبحرين مكانة جيدة (تحتل المرتبة الثانية) التي تشير إلى وجود إنتاج للمحتوى القانوني والسياسي في محيط المعلومات لديهم مقارنة ببقية البلدان الخليجية. في المقابل تكاد تتفق هذه البلدان مجتمعة بضآلة المحتوى الذي يعالج مسألتي الجيش والأمن، التي تؤشر إلى عدم إقبال المواطن الخليجي على مناقشة هذه المسائل، وعدم ميل المؤسسات الأمنية إلى إنتاج محتوى بهذه الموضوعات ونشرها في فضاء المعلومات المفتوح.
إن عملية قياس وتقييم المحتوى المعرفي الذي ينتج في فضاء محيط المعلومات، بصورة عامة، والخليجي بصورة خاصة، ليست بالعملية السهلة، كونها تعتمد إلى حد كبير على مادة المحتوى والغاية التي من أجلها أنتجت الموارد المعرفية. لكن هذا الأمر لا يمنع من اعتماد مجموعة من المعايير والضوابط التي تعد حاكمة في تقييم جودة المنتج المعرفي، الذي يمكن أن ينتج في فضاء المحيط المعرفي.
ولعل من أهم هذه المعايير:
معيار مستوى دقة المورد المعرفي في وصف الواقع أو تحليل عناصر الحقيقة التي يبحث في مضامينها.
معيار مستوى العلاقة التي تربط بين المورد المعرفي الذي أنتج ومدى توافقه وملاءمته للواقع الذي يفتقر إلى محتواه لحل الإشكاليات، وإعادة إنتاج موارد معرفية جديدة.
معيار شمولية المورد المعرفي لجميع عناصر وتفاصيل المسألة أو الإشكالية التي أنتج لوصفها ومعالجتها. لأن محدودية عناصره ستؤدي لا محالة إلى سوء تقدير الحالة وعدم القدرة على معالجتها وفهم مضامينها.
معيار وضوح مادة المحتوى المعرفي، ودقة المضامين التي يحتويها، وسهولة فهمه، ووجود فرصة لترجمة مادته إلى ممارسات وإجراءات واقعية.
معيار حداثة مادة المحتوى من حيث استمدادها من بيانات ومعلومات حديثة، وواقعية بحيث يمكن أن تصف الأنماط السائدة حاليًا وتتوافق مع التحديثات ذات الصلة بتوجّه المتغيرات التي يفرضها الواقع الآني.
تختلف أوزان تأثير كل معيار من هذه المعايير بحسب هوية وتوجهات الجهة التي ستستثمر الموارد المعرفية في محيط المعلومات، فتقلّ أوزان البعض أو يرتفع البعض الآخر بحسب توجهات صناع القرار الذين يستثمرون الخلاصة المعرفية التي نتجت عن المعالجات المعرفية في محيط المعلومات.
أما بالنسبة إلى الثمار التي يمكن أن تجنيها بلدان الخليج العربية من عملية التحوّل نحو محيط المعرفة، على المستوى القريب، فيمكن إجمالها بما يأتي:
القدرة على صناعة قرارات تتسم بالعمق والشمول، نتيجة لما توفره بيئة المحيط المعرفي من قدرة على تثوير مادة البيانات والمعلومات، وتتبع الأنماط والتوجهات التي تجعل من عملية صناعة القرار، أشد التصاقًا بمتطلبات الواقع، وأكثر دراية بطبيعة الإشكاليات المقيمة فيه.
حصول طفرة على صعيد حل الإشكاليات وتجاوز العقبات التي يفرضها الواقع نتيجة لتوافر مادة معرفية خصبة، ونماذج ذكية قادرة على التحليل المعمّق، وتوظيف أدوات تستثمر القدرات التي أدوات الذكاء المحوسب، التي ستؤدي إلى بلوغ مستوى متقدم على صعيد انتخاب المعالجات، وتجاوز التحديات، وابتكار حلول ذكية.
ستثمر عملية تكثيف الاهتمام بالبعد المعرفي لمحتوى البيانات والمعلومات إلى بناء القدرات الوطنية في مجال إنتاج المعرفة، وإدارتها، واختراع طرائق مبتكرة في التعامل مع إشكاليات الواقع ومتطلبات حلولها.
أما على المدى البعيد، فيمكن إجمال أهم الثمار في ما يلي:
ترسيخ التحوّل من مجتمع المعلومات في اتجاه مجتمع المعرفة، وإرساء أسس متينة نحو تحوّل دائم.
السعي إلى توفير متطلبات الالتحاق بمحيط المعرفة عن طريق تشجيع الابتكار، وتبنّي تقنيات جديدة، واعتماد آليات الذكاء الاصطناعي ونماذجه الجديدة في إدارة جلّ الأنشطة التي تسود المجتمعات الخليجية، واستكمال خطط إنشاء المدن الذكية التي يمكن أن تستثمر بيئة المحيط المعرفي في تسيير دفة أنشطتها.
بلوغ مستوى متقدم على صعيد النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة نتيجة لاستخدام المعالجات الذكية، التي ستسهم في زيادة الإنتاجية، والارتقاء بالقدرات التنافسية، وزيادة فرص عمل الموارد البشرية الخبيرة، وتعزيز الاقتصاد الوطني.
ضمان حصول نمو على مستوى ثقافة أفراد المجتمع، وتطوير مهاراتهم لكي تلبي حاجات محيط المعرفة، مع تطوير طرائق التعليم، وحصول طفرات في مجال البحث العلمي، وبث ثقافة الابتكار والسعي إلى نيل المعرفة وتطوير المهارات لدى المواطن الخليجي.
تعزيز مكانة البلدان الخليجية والمراتب التي ظفرت بها على مستوى الجاهزية الإلكترونية، وبلوغ مكانة متقدمة بين البلدان التي نجحت في التحول إلى محيط المعرفة.
هذه الخصائص التي ستنصبغ بها التحولات المستديمة من مجتمعات ترتكز على المعلومات وتقيم في البيئة الإيكولوجية لمحيط المعلومات، في اتجاه مجتمعات خليجية ينصبّ اهتمامها على استخلاص المعرفة، وإعادة إنتاجها بمعالجات ذكية من الموارد التي تزخر بها البيئة الرقمية الخليجية، ستتطلب المزيد من التركيز على البيئات الحاضنة لمنتجي المعرفة، والسعي إلى معالجة البيانات الضخمة لإنتاج خلاصة يمكن أن تمثل حاضنة لتنمية مستدامة تستثمر المخرجات الرقمية لتوليد قواعد وسياسات رشيدة تدعم التنمية، وتوجّه مساراتها نحو الغايات المرجّوة.
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
حسن مظفر الرزو: مستشار حكومي سابق، وعضو عامل في المعهد العالمي لحوسبة القرآن الكريم
والعلوم الإسلامية – الولايات المتحدة.
[1] تمثل هذه الدراسة خلاصة الكتاب الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية تحت العنوان نفسه.
تفضلوا الرابط للحصول على الكتاب (ورقي أو الكتروني):
المحيط المعرفي الخليجي: نحو فضاء معرفي جديد
[2] للتوسع في هذا الموضوع يمكن أن يراجع كتابنا الفضاء المعلوماتي الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2007، والذي يعد أوّل دراسة تناولت جميع المسائل ذات الصلة بهذا الفضاء المتخيّل، مع مناقشة خطاطته المعرفية، والتحديات التي صاحبت استيطانه في النسق المفاهيمي المعاصر.
[3] Luciano Floridi, Fourth Revolution: How the Infosphere Is Reshaping Human Reality (New York: Oxford University Press, 2014), pp. 26-31.
[4] على سبيل المثال، يمكن قرصًا صلبًا أن يستوعب حجمًا هائلًا من الكتب الرقمية التي تناظر المساحة التي تمتد عليها بضعة مكتبات تقليدية.
[5] Luciano Floridi, “The Future Development of the Information Society,” (2007), <https://www.researchgate.net/publication/228719883_The_Future_Development_of_the_Information_Society> (accessed on 6 November 2020).
[6] تنهض بهذه المهمة كل من: الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات في الإمارات/هيئة تنظيم الاتصالات في البحرين/هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية/هيئة تنظيم الاتصالات العمانية/ هيئة تنظيم الاتصالات القطرية/ الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات في الكويت.
[7] «أحدث ترتيب للدول العربية من حيث سرعة الإنترنت الثابت،» سبوتنيك، 31 كانون الثاني/يناير 2020، <http://rb.gy/yhcsj> (accessed on 19 January 2021).
[8] تبلغ مرتبة هذه الدول على المستوى العولمي: 30، 40، 44، 53، 68، 95 على التوالي وهي مرتبة متقدمة عندما تقارن ببقية البلدان النامية.
[9] «Wikinomics,» Wikipedia, <https://en.wikipedia.org/wiki/Wikinomics> (accessed on 5 November 2020).
[10] Marc Prensky, «Digital Natives, Digital Immigrants Part 2: Do They Really Think Differently?,» On The Horizon, vol. 9, no. 6 (2001), p. 3, <https://www.emerald.com/insight/publication/issn/1074-8121/vol/9/iss/6>.
[11] Marc Prensky, «Digital Natives, Digital Immigrants Part 1,» On The Horizon, vol. 9, no. 5 (2001), p. 3.
[12] Hootsuite, «Digital 2020: Global Digital Review,» (2020), p. 8, <https://datareportal.com/reports/digital-2020-global-digital-overview>.
[13](1) مؤشر المعرفة العالمي 2020 (دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، 2021)، ص 29.
(2) المصدر نفسه، ص 30.
(3) المصدر نفسه، ص 47.
(4) المصدر نفسه، ص 119.
(5) المصدر نفسه، ص 130.
(6) المصدر نفسه، ص 44.
[14] التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي الخليجي: الواقع، الدلالات، التحديات (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2013). ص 100.
[15] المصدر نفسه، ص 102.
[16] المصدر نفسه، ص 103-104.
[17] المصدر نفسه، ص 104.
[18] المصدر نفسه، ص 105.
[19] المصدر نفسه، ص 105.
[20] المصدر نفسه، ص 106.
حسن مظفر الرزو
عضو أقدم في المعهد العالمي لحوسبة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في الولايات المتحدة. تنصبُّ اهتماماته البحثية في مجالات التخطيط الاستراتيجي، واقتصاد المعرفة، وتطبيقات الحوسبة الذكية في العلوم الإسلامية، وتحليل النصوص. أعدَّ أكثر من مئة دراسة وتقرير تقني لحساب منظمات دولية وعربية، وجهات حكومية، إضافةً إلى عشرات دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية لمشاريع استراتيجية. شارك في أكثر من مئة بحث علمي في مؤتمرات دولية وعربية ووطنية، وله أكثر من مئة وخمسين بحثًا علميًا ومعلوماتيًّا وإسلاميًّا منشورة في مجلات علمية محكَّمة دولية وعربية. كما شارك في أربعة مشاريع دولية وعربية متخصصة في مجالات اقتصاد المعرفة، والحفاظ على اللغة العربية، وسلاسل القيم الاقتصادية. صدر له 27 كتابًا في مجالات اقتصاد المعرفة، وتطبيقات الحوسبة الذكية في حقول المعرفة الإسلامية، إلى جانب مجالات معرفية أخرى. وحصل على عشرات الشهادات التقديرية من مؤسسات عربية ودولية.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



