مقدمة

بشّرت الأزمة المالية في عام 2008 بعقد مثير للجدل، ولّد حقبة مظلمة من الحرب، والإرهاب، والتهجير الجماعي، وعودة ظهور القومية البيضاء المعادية للأجانب، التي تهدد بتمزيق الأنظمة الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ثم تنظيم الدولة الإسلامية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والظاهرة الترامبية، والأخبار الكاذبة، والعنف الجنسي… إلى آخر هذه العناوين الرئيسية التي أصبحت تتصدر عصرًا مضطربًا، تظهر تمثلاته في المعايير الجزئية الموجهة للحكم على الظواهر المختلفة، عصر ما بعد الحقيقة، ومعاداة الكوزموبوليتانية. تتفق الصحف اليومية مع المجلات العلمية على أن وسائل الإعلام الرقمية متورطة في الكثير من هذه الحوادث، إذ كيف يمكن إنكار دور وسائل الإعلام الرقمية في ما فعله نشطاء الربيع العربي، وفي ما يقوم به صانعو الأخبار الكاذبة والمغلوطة، وفي الهجمات الإلكترونية على وسائل الإعلام، والطبيعة المتغيرة لمجالات العمل الإعلامي على وجه التحديد، وصناعة الترفيه، وفي مجال التوعية والرعاية الصحية، والتجارة الإلكترونية… وهكذا.

ويبقى السؤال كيف يمكن إنكار الشعور الملموس بأن هذه الأحداث مرتبطة بعضها ببعض، وأن طبقات النسيج الضام لهذه الحوادث تتسع وتنتشر في جميع أنحاء العالم، وتربط القاهرة بنيويورك، ووُول ستريت بالكرملين، وتنظيم الدولة الإسلامية بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومن سورية، حيث تقاتل الفصائل الكثيرة المتمردة «ضد الدكتاتورية»، وحيث يكمن التحدي في قدرتنا على فهم هذه التطورات على أنها أحداث مترابطة، لا حوادث منفصلة[1]، مترابطة بترابط التدفقات العالمية السريعة الخطى في مجال الإعلام والاتصال، التي تصل إلينا باستمرار من كل مكان عبر الهواتف الذكية، وأجهزة الكومبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية، والمنصات التجارية، ومواقع التوصل الاجتماع، مثل فايسبوك وتويتر ويوتيوب، التي هي عبارة عن صحف رقمية تنشر تدفقات عالية السرعة لمعلومات سطحية غالبًا ما يتم استهلاكها بمستويات انتباه قصيرة، ليبقى الهدف هو بيع الإعلانات المستهدفة.

وأدى ظهور أنماط جديدة من الرأسمالية العالمية والرقمية والمتنقلة إلى تسريع وتيرة حياتنا، فنحن ننتج أكثر، ونستهلك أكثر، ونتخذ المزيد من القرارات، ولدينا المزيد من الخبرات. هذا التسارع مدفوع بالمبادئ الأساسية التي مفادها أن «الوقت هو المال»، و«الوقت قوة».

وفي عصر الأزمات الاقتصادية والسياسية المستمرة، والصراع العسكري الذي أدى إلى نزوح الملايين من الناس، وأنظمة الحكم والديمقراطية المعيبة، كان من الأهمية بمكان إعادة تقييم الأسئلة التي تطرحها تخصصات الإعلام والدراسات الثقافية، إذ تتعرض النماذج التقليدية للمعارف والمفاهيم والتصورات النظرية لدراسات وبحوث الإعلام لمزيد من التحدي الناتج من التحولات في بيئة وسائل الإعلام، التي هي بدورها نتاج لنمو الوسائط الرقمية والمتنقلة. هذه اللحظة إذًا لحظة حاسمة في ميدان دراسات الإعلام الرقمي، وربما هي وقت مناسب لإعادة التفكير، وإعادة التقييم؛ حيث ارتبط إنتاج المعرفة الأكاديمية وتطوير مجالات البحث في حقل الإعلام بطبيعة التشكلات الفكرية داخل الحقول الأكاديمية، والتحولات التاريخية، والأحداث المجتمعية الأخرى التي تجرى خارج حقل البحث الإعلامي نفسه، فلطالما كانت دراسات الإعلام جزءًا لا يتجزأ من منظومة الحقول البحثية الأخرى، كما أنها لا تعمل أبدًا في فراغ.

لم تكن المداخل النقدية أيضًا وما تلاها من دراسات ثقافية، ودراسات إعلامية رد فعل على أمراض العصر الحديث فحسب، بل أدت دورًا نشطًا في تسميتها وتحديدها، وبالتالي كانت بمنزلة بوادر للأزمنة المتغيرة، التي تفرز معها تغيرًا في الأطر المفاهيمية والمنهجية المستخدمة في هذه الحقول المعرفية، وبمرور الوقت حاول باحثو الإعلام على مستوى العالم فهم التحولات الأوسع في العمليات التاريخية والثقافية والاجتماعية.

تهدف هذه الدراسة، وما قد تقدمه من أطروحات ترتبط بإشكاليات الإعلام الرقمي، إلى التفاعل بصورة نقدية مع الوضع الحالي للإعلام الرقمي كما عرضت له أحدث بحوثه ودراساته، وكذا مستقبل المجال في ضوء الموجات الأخيرة من الأزمات العالمية، والتطورات الإعلامية الجديدة، بطرائق تتجاوز الثنائيات السهلة للمفاهيم (الدراسات الثقافية في مقابل الاقتصاد السياسي؛ وسائل الإعلام الجديدة في مقابل الوسائل القديمة، وسائل ومضامين الشمال في مقابل الجنوب العالمي…).

تثير الدراسة عدة أسئلة رئيسية، تعرض محاولات الإجابة عنها، ومن أهمها: (1) ما السياقات الاقتصادية ونظريات رأس المال التي تصنع الفارق في بحوث ودراسات الإعلام الرقمي وتؤطره؟ (2) ما الأسئلة التي يجب أن تطرحها بحوث ودراسات الإعلام الرقمي للرد على عالم يمر بأزمة؟ (3) كيف غيَّرت التحولات في تقنيات الإعلام الرقمي طبيعة الأسئلة التي يطرحها علماء الإعلام والدراسات الثقافية، أو الأطر النظرية، أو المنهجيات التي كانوا يستخدمونها؟

تستند الدراسة، بغرض الإجابة عن هذه التساؤلات، إلى تقسيم الفئات البحثية للقضايا والإشكاليات التي يثيرها مصطلح «الإعلام الرقمي»، إلى قسمين متمايزين Thematic Analysis، يرتكزان في مجملهما على رصد وتحليل وتقييم العلاقات المتشابكة بين متغيرات الدراسة الرئيسية: رأسمالية واقتصاديات الإعلام الرقمي، وحوسبة علوم الإعلام ودراساته، والمشهد المتغير للإنترنت، ثم الإعلام الرقمي والحاجة إلى مواءمة العالم المتأزم.

منهجيًا، توظف الدراسة الحالية أسلوب تحليل البيانات الثانوية، الذي يعتمد على مراجعة الدراسات السابقة ذات الصلة بموضوع بحثي محدد.

أولًا: سياقات تحديد الفارق
وصنعه في بحوث الإعلام الرقمي ودراساته

1 – اقتصاديات وسائل الإعلام الرقمي

يتعرض المشهد الحالي من مشاهد واقع بحوث ودراسات الإعلام الرقمي للسياقات التي تفسر كيف تحولت صناعة الإعلام تحولًا هيكليًا في عصر الإعلام الرقمي بطريقة أدت إلى التشظي والانقسام، إلى حد الإفراط في التخصيص البحثي، إذ تشير الدراسات إلى مجموعة من الاستراتيجيات الرأسمالية التي يميل رأس المال الإعلامي إلى استخدامها دومًا في محاولة تعظيم الأرباح، منها استراتيجية استبدال التقنيات القديمة بتقنيات الوسائط الجديدة، وكذا استحداث قنوات نقل جديدة لمنتجات «الوسائط الإعلامية القديمة»، ثم إيجاد صيغ جديدة أيضًا للتعريف بحقوق الملكية المختلفة والمتنوعة لقطاعات وشبكات الإعلام الرقمي المختلفة، وأخيرًا السعي الحثيث نحو خفض تكاليف الإنتاج والمعاملات[2]. يبقى الدافع إلى تحقيق أقصى قدر من الربح هو قلب التحوُّل الهيكلي لصناعة الإعلام نحو عالمية نظام الإعلام في العصر الرقمي، الذي كان منشأً الكثير من التناقضات الاقتصادية، والنظرية والمنهجية.

يوضح كنوش أن الاتجاه إلى بناء نظام إعلامي دولي يرتبط بالوسائط الرقمية والإنترنت، يأتي بدافع الرغبة في مراكمة رأس المال، وتحقيق الأرباح بالأساس، ولكنه في الوقت نفسه، يتعارض مع هذا الدافع ويخلق إمكان استخدام الوسائط الرقمية غير التجارية التي تجعل من فشل الإعلام الرأسمالي فرضية محتملة؛ فمثل هذا النظام الإعلامي، الذي يتكامل ويندمج فيه إنتاج المعلومات وتوزيعها واستهلاكها عبر وسيط واحد، قد أصبح حقيقة، ولو جزئية، مع ظهور الوسائط الرقمية والإنترنت، وما يسمى اليوم وسائل أو مواقع التواصل الاجتماعي، الذي مكَّن بصورة غير مسبوقة من اندماج وتداخل إنتاج المعلومات واستهلاكها، تداخل وقت العمل ووقت الفراغ، وحتى اختلاط وتداخل المجال الخاص والمجال العام[3].  وفي ظل رأسمالية الإعلام الجديد، تظل عولمة وسائل الإعلام التي أفرزها تطور تقنيات الإعلام الرقمي، بما استهدفته من دعم للتواصل، تعمل في الاتجاه العكسي، الشديد العدائية للأقطاب المختلفة؛ كالعداء بين صناعة الوسائط الإعلامية التقليدية وصناعة الانفتاح على العالم لدى غوغل وفيس بوك وغيرهما من الشركات عبر الإنترنت، تلك التي تعزز التوزيع المفتوح للمحتوى عبر الإنترنت، وتحقق أرباحًا من خلال الإعلانات التي تعلم جمهورها جيدًا، والتي تثير الأسئلة حول مستوى الأرباح التي تحققها الإعلانات التقليدية في الإعلام التقليدي، ثم العداء بين الطرائق التقليدية لإنتاج المحتوى الثقافي، وبين تسليع المحتوى الثقافي الذي يمكن بسهولة رقمنته وتوزيعه عبر الإنترنت على مستوى العالم. أدى هذا «الاكتساح» الرقمي للبيانات والمعلومات إلى تبلور الصراع في مجال صناعة الإعلام بين استراتيجيات تراكم رأس مال الوسائط «القديمة» في مقابل تلك «الجديدة».

ووفق أنابيل سريبيرني(Sreberny)  أنتجت عقود الثلاثينيات، والخمسينيات، ثم الثمانينيات من القرن الماضي، مناهج نظرية وسياسية جديدة أصبحت تضغط علينا جميعًا لإعادة النظر في المتغيرات الإعلامية ذات الصلة بالمجال، فضلًا عن ضرورة تضمين متغيرات أخرى من تخصصات علمية مختلفة، طالما كانت وسائل الإعلام الرقمي الجديد تعيد إنتاج النظام الاجتماعي السائد بما تفرضه من تحولات[4].

وبالعودة إلى ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يمكننا أن نتتبع كيف وعدت الليبرالية الجديدة بتغيير تاريخي، ركيزته سياسات اقتصادية جديدة تمامًا، ورأسمالية عالمية كان من شأنها أن توحد العالم وفق سيناريو ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. ومع هذا، وبعد ما يقرب من ثلاثين عامًا من إعلان فرانسيس فوكوياما (1992) في شأن نهاية التاريخ، لم يجلب العقد الاجتماعي الجديد، الذي تأسس من دون بديل، الازدهار الموعود بتحويل العالم إلى قرية عالمية تعززها سوق عالمية، ولم ينتهِ الصراع الطبقي، ولم تلغ الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ وإنما تناست النيوليبرالية تعهدها وتطورت إلى أشكال مختلفة، ويأتي على رأس هذا التطور بروز أشكال «الرأسمالية المعرفية»، أو «رأسمالية المعرفة»، و«الرأسمالية المعلوماتية». وعلى الرغم من تعدد المفاهيم، فهي كلها تشير إلى رأسمالية عالمية قائمة على وسائل الإعلام العالمية، والخدمات التكنولوجية، والصناعات الثقافية والإبداعية التي تمثل نموذجًا اقتصاديًا مهيمنًا جديدًا يحتضن التنوعات السياسية والأيديولوجية الدولية من ليبراليات ديمقراطية، وديمقراطيات اجتماعية، وديمقراطيات غير ليبرالية، وأنظمة استبدادية، وشعبويات محافظة، وشعبويات قومية، وشعبويات يسارية… إلخ[5].

خلال الحقبة نفسها، تطورت البيئة الجيوسياسية على مستوى العالم، وهو ما دفع بالأطر المؤسسية التي تحكم عمل الجهات الأكاديمية المختلفة، ومؤسسات البحث العلمي، وأغلبية الجهات المعنية بشؤون التعليم، وحتى الجهات ذات الطبيعة الإدارية منها، إلى أن تشهد هي الأخرى الكثير من التحولات، إذ تلاقت مصالح هذه المؤسسات مع ما يتناسب ونظم الإنتاج، والبحث، وحتى النشر المعتمد على أسس الليبرالية، وهو ما وضع هذه المؤسسات في مكانة بارزة ضمن قوائم المؤسسات ذات الطبيعة الإنتاجية الأخرى.

بالتوازي مع السياسات الاجتماعية والقانونية والاقتصادية الأخرى التي مثلت نقطة تحول في الأهداف والمعايير التي تم تطويرها في الأطر النظرية والمنهجية، مثَّل قانون ميدان التعليم العالي الأوروبي (European Higher Education Area (EHEA))، تتويجًا لنموذج العولمة الأكاديمية المهيمنة، التي تسعى لبناء نموذج عالمي وموحد للبحث، وممارسات التدريس التي تغيرت لتتوافق مع العقد الاجتماعي للرأسمالية العالمية. حدد هذا المشروع المؤسسي، لا التخصصات العلمية المهيمنة فقط، بل مطالب سوق المعرفة والعلم أيضًا التي يعوزها أصحاب المصلحة من القطاعين العام والخاص. وعلى الرغم من وجود اختلافات بين أنظمة الجامعات المرتبطة بكل مجتمع محلي على حدة، فإن النموذج الأمريكي سيطر على أغلبية هذه الأنظمة والنماذج، ومن ثمَّ طورت معايير مشتركة للنشاط الأكاديمي عبر نماذج الجامعات المحلية المختلفة، وأضحى النموذج الجديد لـ«العلوم الطبيعية» (Natural Sciences) هو النموذج المهيمن على المجتمع العلمي.

كانت دراسات وبحوث الإعلام الرقمي أحد أكثر مجالات البحوث دينامية، وأكثرها تأثيرًا في تطوير الأنظمة السياسية، والاقتصادية، وذلك على مدار القرن العشرين، والعقود الأولى من الألفية الجديدة. مارست هذه البحوث أدوارًا مهمة وحاسمة في التماسك الثقافي للأمم، وخلال حقب النزاع الأيديولوجي أثناء الحرب الباردة.

على مدار التسعينيات، حقق النظام الإعلامي الأمريكي الهيمنة المتوقعة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان انهيار الاتحاد السوفياتي رمزًا من رموز سقوط النظام السياسي والاقتصادي في الصراع مع الرأسمالية، والنموذج الثقافي والرمزي البديل للصناعات الإعلامية الأمريكية، وللمجتمع الاستهلاكي.

سهلت هذه السيادة توحيد محتوى الوسائط الإعلامية وأشكاله وتمثلاته المختلفة من خلال دمج الثقافة السمعية والبصرية المتعددة الوسائط في مجتمع استهلاكي عالمي أكثر تفاعلية، وأكثر قابلية للشخصنة والتخصيص. وهكذا لم تتعرض عولمة سوق الإعلام للتهديد من جانب القوى الناشئة بل على الضد من ذلك. كما لم تترجم التعددية المزعومة في المجالات الاقتصادية والسياسية إلى تعدد الأقطاب في أنظمة الإعلام والصناعات الثقافية والإبداعية، بما يتجاوز منطق الثقافة الزائفة[6].

حفزت التسعينيات أيضًا تقاربًا تدريجيًا بين مجالات الصناعات الإعلامية المختلفة كالمحطات الإذاعية والتلفزيونية، وصناعة الاتصالات من بُعد، وأنظمة البث الفضائي المختلفة، والصناعات المعرفية، والجمع بين الممارسات الإعلامية المختلفة، وكذلك إدخال الصناعات الإبداعية الإعلامية والثقافية مجال سوق المال والأعمال بقوة، لتتوسع الشركات المتعددة الجنسيات، وتنتج محتوى يمثل سلعة استهلاكية يحتاج المستهلك إليها ويتم جمعها وتقديمها إليه عبر مجموعة «أجهزة شخصية» مختلفة، جاء على رأسها أجهزة الكمبيوتر الشخصية، ثم الهواتف الذكية.

يواجه العالم الآن سلسلة من المشكلات العالمية التي تهدد وجوده، بدءًا من الحروب والعنف واللامساوة، وهو ما يتطلب لا نظرية اجتماعية فقط، وإنما عددًا من النظريات النقدية أيضًا التي تتحسب لظروف المجتمعات ومشكلاتها. على سبيل المثال، أظهرت أزمة كورونا التأثيرات المعاصرة للمجلات العلمية المحكمة، فمنذ المراحل الأولى للوباء، أصبحت أزمة كورونا موضوعًا جديدًا للدراسة في مجال الإعلام والاتصال، وعلى الرغم من أن الحدث قد ساهم في تحسين المعرفة حول آثار الوباء في الحياة الاجتماعية والمعلومات والاتصالات، إلا أنه في المقابل، حفّز الكثير من الباحثين على التخلي مؤقتًا عن اهتماماتهم البحثية الرئيسية للتركيز على مثل هذه الموضوعات، حيث تعدّ هذه التخصصات مربحة جدًا من حيث موضوعات ومجالات المناهج الدراسية، والمشروعات البحثية، ما دامت جديدة ومطروحة على الساحة بقوة.

يبدو واضحًا، إذًا، أنه لا «يد خفية» وراء حدوث التحولات الهيكلية في مجال صناعة الإعلام، لا على مستوى آليات السوق الليبرالية والمنافسة، ولا بسبب تغير طبيعة المستهلكين، وإنما تشير الأدلة التجريبية المتعددة المبنية على دراسة حركة رأس المال على المستويين المحلي والدولي، وفي القطاعات المختلفة لصناعة الإعلام، إلى ضرورة أن تتخذ دراسات الإعلام الرقمي نهجًا موجهًا نحو اقتصاديات وسائل الإعلام، التي تركز على تحليل رأس المال بوصفه العامل الرئيسي الواضح في إحداث مثل هذا التحول.

وما يبرر ضرورة وجود منهج بحثي اقتصادي يركز على الأطر النظرية لحركة رأس المال أيضًا، أن عمليات الخصخصة البعيدة المدى، وعمليات الرسملة، وتمتع أصحاب رأس المال في هذا النظام الرأسمالي بشبه حماية دستورية، وذلك بعدما كانت الصناعة تخضع تنظيميًا للدولة كخدمة عامة، قد زاد الحاجة إلى تحقيق انخراط واقعي ومثمر تندمج فيه الدراسات الإعلامية بقوانين حركة رأس المال بوجه عام، وقوانين حركة رأس المال الإعلامي بخاصة.

رغم العلاقة الوثيقة بين السياسات النيوليبرالية وتحرير أسواق صناعة الإعلام، فإن هذه الاستثمارات جديرة بالاهتمام، فقط عندما يكون هناك احتمال آمن نسبيًا بأن معدل الربح في مجالات الإنتاج الجديدة هو أعلى من تلك التي يمكن تحقيقها في مجال إعلامي قائم بالفعل. وهكذا تنتقل الاستثمارات بسهولة من قطاع صناعي إلى آخر بمجرد تحقيق معدل ربح أعلى، أو حين يكون هناك توقع لمثل هذه الزيادة في نوعية أخرى من الاستثمار الإعلامي، وهو ما يفسر حركة رأس المال من الصناعات الأخرى واستثماره في صناعة الإعلام بهدف الهيمنة على جماهير القطاعات الإعلامية الجديدة كبديل لسوق الإعلام التقليدي المشبع إلى حد كبير. وفي هذا السياق، بدا من الأهمية بمكان تطوير تقنيات الوسائط القديمة والجديدة معًا؛ تلك التقنيات المستخدمة في الإنتاج، والضغط، والتخزين، والنقل، والتشفير والاستقبال[7]، بحيث يمكن استخدامها لتحقيق أربعة أهداف استراتيجية أساسية لاستغلال رأس المال المستثمر في مجال الإعلام الرقمي، كالتالي:

أ – استبدال تقنية الوسائط القديمة بوسائط جديدة      

تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل المنتجات التي كانت في الأصل سلعًا استهلاكية مُعدة للاستخدام طويل الأجل إلى سلع قصيرة الأجل ينبغي التخلص منها بعد مُضي مدة من الوقت، وهكذا يحفز استثمار رأس المال شراء أجهزة إضافية أو بديلة من طريق تنويعات المنتجات المطروحة في الأسواق من حيث التصميم، والميزات، وجودة الاستقبال، والتحديثات، وتعديل الوظائف والاستخدامات، وتعدد ملحقات واكسسورات المُنتج… إلخ، ومن خلال دورة حياة المُنتج القصيرة، تصبح التقنية القديمة غير متوافقة مع طرح تقنية جديدة، أو ربما يستخدما معًا في أفضل السيناريوهات! الأمر الذي يضع ضغطًا لازمًا على المستهلكين، كما يخلق أسواقًا جماهيرية جديدة للاستبدال، ولحيازة التقنيات الجديدة أو الإضافية حتى وإن كانت تعرض محتوى قديم في ثوب جديد وبطريقة قابلة للتسويق بنجاح.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 537 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

الأميرة سماح فرج عبد الفتاح: أستاذة في كلية الإعلام، جامعة القاهرة،

عميدة كلية الإعلام، جامعة سيناء.

[1]       Marwan M. Kraidy, «Global Media Studies: A Critical Agenda,» Journal of Communication, vol. 68, no. 2 (April 2018), pp. 337-338, <https://doi.org/10.1093/joc/jqx024>.

[2]    Manfred Knoche, «The Media Industry’s Structural Transformation in Capitalism and the Role of the State: Media Economics in the Age of Digital Communications,» TripleC Communication Capitalism and Critique Open Access Journal for a Global Sustainable Information Society, vol. 14, no. 1 (December 2015), p. 18 <https://doi.org/10.31269/triplec.v14i1.730>.

[3]           Ibid., p. 19.

[4]    Tarik Sabry, «Reframing Media and Cultural Studies in the Age of Global Crisis,» Westminster Papers in Communication and Culture, vol. 12, no. 1 (2017), p. 2, <https://doi.org/10.16997/wpcc.255>.

[5]    Ángel Carrasco-Campos and Enric Saperas, «Neoliberalism and Academia in Communication and Media Studies: A New Institutional Framework,» TripleC Communication Capitalism and Critique Open Access Journal for a Global Sustainable Information Society, vol. 19, no. 1 (2020), p. 195, <https://doi.org/10.31269/triplec.v19i1.1190>.

[6]         Ibid., p. 198.

[7]           Knoche, «The Media Industry’s Structural Transformation in Capitalism and the Role of the State: Media Economics in the Age of Digital Communications,» p. 35.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز