«من الممكن أن أهرب،
غير أنني أبحث طوال هروبي عن سلاح»

جورج جاكسون

مقدمة

يختبر الشعب الفلسطيني حالة من الموت السياسي[1]، الذي نستطيع تأطيره تحت مفهوم مستوحى من كتابات فرانز فانون، أُطلق عليه «السبات الاستعماري»، الذي يدفع بالأفراد والجماعات إلى البقاء ككائن غير مولود بالمعنى الثقافي والاجتماعي[2]، فعمل الاستعمار الإحلالي ممثلًا بأدواته على استلاب قدرة الفلسطيني (بصيغة الجمع) على الفعل والفاعلية بالمعنى السياسي الوطني الشامل.

لقد سعت الجماعة المهيمنة محليًا واستعماريًا على نحوٍ حثيث عبر ثلاثة عقود من الزمن إلى نزع القدرة التوليدية للأفراد والجماعات، بحيث يعجز الأفراد عن إعادة وضع الشروط التي تخضع لها، والتمثل والتشرب الاجتماعي بالشروط الموضوعية المانعة لتوليد ممارسات سياسية جديدة، لتعيد إنتاج الثقافة المهيمنة[3]، ليضحي الفلسطيني وكأنه منزوع الإرادة.

يتعرض المجتمع الفلسطيني – كما هي حال المجتمعات كافة – لاستهداف البنية الجمعوية للفعل ضمن سياق نيوليبرالي، ولكن في خضم منظومة استعمارية في الوقت نفسه، فتتعرض المجتمعات للإضعاف والتفكيك بفعل تغول السلطة والشركات[4]، والجماعات الاقتصادية والتكنوقراطية المتنفذتين، وإلحاق المجتمعات بالمنظومة المهيمنة عالميًا، والتشديد على الفصل بين السياسي والاقتصادي، والتشديد على القيم الفردية في تضادٍّ مع القيم الجمعوية.

إن عدم توافر بنية تحتية مقاومة وغياب المشروع الوطني الفلسطيني، وتراكم الإشكاليات الاجتماعية – الاقتصادية – السياسية[5] ضمن السياق التاريخي الاستعماري، خلق حالة من التشظي؛ ما بين الفعل الفردي والفعل الجمعي، والمصلحة الشخصية والمصلحة الوطنية، وما بين الكلمة والفعل، وما بين الاجتماعي والنفسي، وما بين المثقف والمناضل، وما بين السياسي والاقتصادي. على الرغم من ذلك، يظهر الفلسطيني «داخل السياسة وخارجها في آن، بحيث تدفعه قضيته الوطنية إلى اللغة السياسية والتعامل اليومي معها، وتدفعه السياسة بعيدًا من السياسة التي ليست من اختصاصه»[6]، ليعيش الفلسطيني في حالة غربة واغتراب واستلاب.

في خضم النكوص السياسي للفلسطيني وتهدُّم خياراته، يسعى جاهدًا للتعبير عن نفسه إما بالصفة الفردية وإما بصفة حراكات وحركات لم تنتظم وتتهيكل على النحو المطلوب بعد، أو عبر أفعال جماعية انفعالية على الصعيد الوطني لم تتبلور أنويتها على النحو المفترض، لتتجاوز حالة الانطفاء السياسي عبر فعل جمعوي تكاملي[7] لتصبح السياسة شأنا فلسطينيًا جماعيًا. وعليه، تناقش هذه الورقة كيفية ارتقاء الفعل (الفردي والجمعي) والنضال الاجتماعي والثقافي والوطني والاقتصادي بصورة اختزالية ومجزأة إلى صورة شاملة ومتكاملة عبر منظور وطني تحرري قادر على استعادة الكرامة الشخصية والوطنية للفلسطيني، من خلال الاعتماد على النظرية الجذمورية لجيل دولوز[8] والمقاومة الجذمورية في مجتمع التحكم.

في المنهج والمنهجية

تنطلق الورقة من رفض التقسيم الإبستيمولوجي الديكارتي ما بين الموضوعية والذاتية، أو بالتعبير بالبوردياني التعارض اللامنطقي بين الفردي والجمعي، بمعنى كيف تتمثل الذات الفاعلة بالشروط الموضوعية عبر الهابيتوس «الطبع» أو نظام الاستعدادات، وكيف تؤثر الذات في تلك الشروط عبر المجال، فالممارسة الفردية وكذلك الجمعية لا تتمّان إلا في إطار علاقات القوة وصور الصراع والعنف الرمزي، بوصف موضوع هذه الصور يكون عبر الحيازة أو الإزاحة، بصورة جزئية أو كلية[9].

فكل فعل كان، هو حركة انتقال من الفردية إلى الجمعية، من الخاص بارتباطه مع العام، من الاجتماعي إلى السياسي، من الثقافي وعلاقته بالاقتصادي، ونحاول فهم الأسباب البنيوية للتحولات التي أثرت في الفاعل الاجتماعي الفلسطيني لتدفعه إلى النضالات والأفعال التي وسمت «الفردية» والمجالات القطاعية المنفصلة والمتشظية (اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي أو حقوقي، أو نقابي) وغير متكاملة ضمن خصوصية شعب يرضخ تحت الاستعمار الإحلالي.

فكما أن المنهج الكلياني يتعامل مع الظواهر الاجتماعية بصورة تبرز العلاقات السببية بينها، فإن المنهجية الفردانية على خلاف ذلك، هي منهج يحاول فهم الظواهر بإرجاعها إلى الفاعلين والأفعال التي يمثلها الأفراد[10] والمعاني التي يضفونها على سلوكهم، فلا يوجد فهم بمخيال سوسيولوجي يخترل المعرفة في بُعد واحد، وإنما بصورة تذهب إلى أبعد من الفرد وأشمل من المجتمع.

تعتمد الورقة على مفهوم قام الباحث بتطويره ونحته في مقالة سابقة[11] حول الفاعل الاجتماعي: للعاملين في الحقل الاجتماعي والثقافي وخلق هويات متعارضة وحتى متناقضة في بعض الأحيان ما بين الاختصاصي والباحث والعامل الاجتماعي والنفسي، لترتقي طبيعة خدماته من الحالة (مرضية أو بحثية أو خدماتية) إلى قضية وطنية ضمن سياق استعماري يستدعي الفهم والعمق والرؤية ضمن رؤية تحررية، وتحاول الورقة الحالية تصعيد الأفكار، من دون أن يعني ذلك اجتراراها، في سبيل قادر على التغيير وذات فعالية على صنع القرار والتأثير في البنية الاجتماعية والسياسية المحيطة به.

على هذا الأساس، لا يكفي الفاعل الاجتماعي إنتاج المعرفة أو تقديم خيارات واقتراحات للمجتمع، وإنما المساهمة في تطبيق هذه المعرفة ميدانيًا، وهو ما يشير إلى منهجية التدخل السوسيولوجي لحرفة عالم الاجتماع، الذي يتجاوز دور المستكشف للواقع نحو الانخراط في تغييره[12]، وصوغ وعي يساعد على تجاوز الإشكاليات البنيوية التي تقوم على قهر الإنسان واستلاب كرامته وحريته.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 537 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023

دراسة ذات صلة:

الفاعل الاجتماعي: رؤية نقدية في ضوء تحديات المشهد الفلسطيني

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

بلال عوض سلامة: محاضر في جامعة بيت لحم.

[1]  يعود استخدام هذا المفهوم من جانب المناضل مالكوم أكس والمعروف بالشيخ تشاباز، حينما وصف السياسيين المصنفين ضمن العناصر غير الفاعلة سياسيًا، الذين لا يمتلكون معرفة بالتاريخ ولا باللغة للأمريكيين من أصول أفريقية.

[2]  بلال عوض سلامة، في معنى الأرض: استعادة الذات الفلسطينية (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص 92.

[3]  أحمد موسى بدوي، «ما بين الفعل والبناء الاجتماعي: بحث في نظرية الممارسة لدى ببير بورديو،» إضافات، العدد 8 (2009)، ص 14.

[4]  إبراهيم غرايبة، «من المجتمعات إلى الذات الفاعلة،» موقع مؤمنون بلا حدود، 4 أيار/مايو 2018، <https://rb.gy/6d13g> (شوهدت بتاريخ 1 تشرين الأول/أكتوبر 2022).

[5]  استخدم التركيب «اجتصاسية» لتلافي التكرار للمجالات: اجتماعية، اقتصادية، وسياسية.

[6]  فيصل دراج، بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية (بيروت: دار الآداب، 1996) ص 41.

[7]  استخدم مفهوم فعل جمعوي بدل من فعل جمعي لتمييزها من حيث تأكيدها على أنها مجمعًا لتعددية في المواقف والتصورات والمرجعيات والأفعال وحتى في الرؤى والأنشطة، لأن التعددية تعني الخليط المجتمعي، وتعزز مبدأ الشراكة التي تختلف من شخص إلى آخر ومن جماعة إلى أخرى، وتكاملي من حيث إن الجهود والأفعال تصب في النهائية في خدمة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.

[8] نظرية الجذمور لجيل دولوز هي بديل فلسفي ومعرفي ووجودي عن نموذج الشجرة ذات الجذر الممتدة عموديًا، ويقدم ضمن فلسفته نموذج الجذمور للنباتات التي تمتد أفقيًا لتعبر عن التداخل والعلائقية بين الأشياء والظواهر، بحيث تظهر على السطح على أنها فردية، في حين أنها في العمق تعبر عن الجمعوي والترابط والتداخل، وهذا ينطبق على الفعل الوطني والاجتماعي الفلسطيني الذي قد يظهر على أنه فردي في حين أنه في العمق بالفهم الجذموري يعبر عن التداخلات والعلائقية على نحوٍ جمعوي في مجتمع التحكم في السياق الاستعماري.

[9]  بدوي، «ما بين الفعل والبناء الاجتماعي: بحث في نظرية الممارسة لدى ببير بورديو».

[10]  محمد نعيمي، «محدودية نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية: حالتا حركة «20 فبراير» وحراك الريف في المغرب،» عمران، السنة 8، العدد 31 (شتاء 2020)، ص 91.

[11]  بلال عوض سلامة، «الفاعل الاجتماعي: رؤية نقدية في ضوء تحديات المشهد الفلسطيني،» المستقبل العربي، السنة 37، العدد 431 (كانون الثاني/يناير 2015)، ص 54-69.

[12]  جهاد الحاج سالم، «حوار مع عالم الاجتماع آلان تورين عن كتابه الأخير «نحن، الذَّوات البشريَّة»،» موقع سودارس، 14 آذار/مارس 2017، <https://www.sudaress.com/hurriyat/219852> (شوهدت بتاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2022).


بلال عوض سلامة

أستاذ مشارك في دائرة العلوم الاجتماعية في جامعة بيت لحم، فلسطين، وعضو مؤسس في الجمعية الفلسطينية لعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، حائز على شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع من جامعة غرناطة – إسبانيا في عام 2011، ودبلوم عالٍ في الأنثروبولوجيا الثقافية في عام 2009 من الجامعة نفسها. تتركز اهتماماته البحثية على الثقافة المدنية ومقاومة الاستعمار الإحلالي واللاجئين الفلسطينيين، وله مساهمات بحثية كثيرة في مجلات علمية محكّمة.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز