مقدمة
تمثل المعرفة الكولونيالية والإثنومركزية الغربية في البلاد المغاربية إرثًا ثقيلًا، أثَّر بدرجة كبيرة في تمثل النخب الفكرية المحلية لواقع مجتمعاتها، مخلفًا داخلها صراعات أساسها الاستناد، في التحليل وفي بناء المواقف، إلى مرجعيات فكرية ومعيارية يتنافر داخلها المحلي والخارجي (سنعود لاحقًا إلى هذين المفهومين). نعني بالفكر الكولونيالي والفكر الإثنومركزي، بصورة مختصرة جدًا، مجمل المعارف التي أنتجتها القوى الاستعمارية في السياق الكولونيالي بهدف تمثل الآخر المستعمَر والسيطرة عليه، ومحاولة إدماجه في المنظومة الحضارية الوافدة. ونعني بالفكر الإثنومركزي الغربي – بالمعنى العام للعبارة – مجمل المعارف التي أنتجها وينتجها هذا الفكر انطلاقًا من خلفيته المحلية وحمولتها الثقافية الحضارية، مضافًا إليها تطبيقاته خارج بيئته التاريخية استنادًا إلى فرضية كونية المعرفة.
من الناحية التجريبية، وطوال حقبة طويلة نسبيًا، مستمرة حتى اليوم، تكونت أجيال من الباحثين المغاربيين في العلوم الاجتماعية في جامعات غربية (فرنسية وإيطالية وبريطانية وأمريكية)، وأخذت عنها المناهج والنظريات والمفاهيم، ثم عادت لتطبقها على مجتمعاتها. في المقابل ذوَت مؤسسات الفكر الكلاسيكية المحلية المكونة للفقهاء العلماء، وذوَت معها المدونة الفقهية والأدبية الضخمة التي تحوي نماذج التصنيف والفهم التي استخدمها هؤلاء العلماء في الإجابة العملية، من منظور ديني، عن أسئلة مجتمعاتهم.
تولدت من هذا الشرخ نتائج فكرية ذات أبعاد إبستيمولوجية معقدة، تتعلق من ناحية بقضايا الفاعلية الكشفية للنماذج النظرية حين يتم اختبارها خارج السياق الاجتماعي- المعرفي الذي نشأت فيه، ومن ناحية أخرى بالصعوبات الوظيفية الجمّة التي يلاقيها الفكر الكلاسيكي المحلي في الإجابة عن أسئلة مجتمعه بعدما أصبح شبه غريب عنه بفعل التحولات الاجتماعية والثقافية الهائلة التي عرفها.
تاريخيًا يوجد محطتان وضعتا الإرث المعرفي الكولونيالي والإثنومركزي في حالة تأزم. المحطة الأولى كانت الاستقلال السياسي للدول المغاربية في أواسط القرن الماضي. وكان نمط المعرفة الذي قد بلغ مرحلة التأزم في هذا السياق هو تمثل المعرفة الكولونيالية للتاريخ السياسي للمنطقة، وتحديدًا حالة الدولة. ذلك بأن الحالة المعرفية الكولونيالية كانت حالة نفي لوجود الدولة - الأمة في البلاد المغاربية، بالمفهوم الذي نحتته لنفسها من خلال التجربة الفرنسية والألمانية والإنكليزية واعتمدته في قراءة حالة الآخر، ما سوّغ لتحقيق مشروع الاستعمار الاستيطاني في الجزائر ولاحقًا في ليبيا، ولنظام الحماية السياسية في تونس والمغرب. في فجر الاستقلال كان رد المؤرخين وعلماء الاجتماع المغاربيين منصبًّا على سؤال الدولة وذلك بتوجيه باراديغماتي من الدولة المستقلة نفسها[2] التي كانت تبني شرعيتها وتحاول غرسها بعيدًا في الماضي. وفي هذا السياق ظهرت أبحاث كل من عبد الله العروي الذي كتب عن الأصول التاريخية ما قبل الاستعمارية للوطنية المغربية[3]، وكتب محمد الهادي الشريف عن الدولة التونسية في بداية القرن التاسع عشر[4]، وكتب عبد الباقي الهرماسي عن الدولة المغاربية قبل الاستعمار وتحولاتها في فجر الاستقلال[5]، وكتب عبد الله القويري في ليبيا عن معنى الكيان[6]. ويمكن القول إن الموضوع المعرفي الخفي لهذه البحوث هو أخذ المسافة عن المعرفة الكولونيالية التي ركزت على التركيبة الفسيفسائية للمجتمع السياسي المغاربي، نافية بذلك حالة التمركز السياسي المؤسساتي السابق عن الاستعمار في هذه المنطقة أو مقللة من أهميتها، وجاعلة منها فضاءً جيوسياسيًا شبه فارغ وجب ملؤه بالحضارة الجديدة. هذا النقد المبطّن، وأحيانًا المعلن للمعرفة الكولونيالية، رافقته في الحقيقة عملية نقد ذاتية جاءت من المركز في حد ذاته في أكثر من مصدر كان عنوانها الأبرز «ألم المشاهدة»[7].
المحطة الثانية هي «الربيع العربي». والمسألة الأساس في هذه المحطة أكثر تعقيدًا من الأولى، ذلك بأن الأحداث الكبرى للربيع العربي وما ترتب عنها من سقوط أنظمة سياسية، أو حروب أهلية، أو سقوط أنظمة استبدادية وعودتها إلى الحكم بالسرعة نفسها، قد وضع معارف العلوم الاجتماعية الغربية المتراكمة حول المجتمعات المغاربية والعربية عمومًا، أسئلة ومناهج، موضع سؤال من زاويتَي نظر على الأقل: الأولى عجزها عن مشاهدة الأحداث وهي قادمة، بل وترويجها لفكرة الاستثناء العربي الإسلامي غير القادر على استيعاب مفهوم الديمقراطية وأسلوبها في الحكم[8]. أما الثانية فهي محاولة استنجادها، مدفوعة بسياق التدخل الخارجي، بالإرث المعرفي الكولونيالي لفهم تلك الأحداث، وهو ما ساعد الدول الغربية على التدخل فيها، وهو أيضًا ما أعاد إلى طاولة النقاش، وفي إطار واحد، إشكالية الإرث المعرفي الكولونيالي والإثنومركزية الغربية في العلوم الاجتماعية، بوصفهما بنية ذهنية سلطوية واحدة ماضية وحاضرة[9]. وبصيغة أخرى أعادت محاولة إنتاج معرفة بظاهرة «الربيع العربي» إشكالية المحلي والكوني في المعرفة.
سنحاول في هذا البحث: أولًا، تفكيك مركّب المركزية والخارجية والمصلحة العملية في الانتاج المعرفي الكولونيالي؛ ثانيًا، سنبحث في العلاقة العملية بين الحالة الكولونيالية والمعرفة التي أنتجتها من خلال توصيف تجربتين عرفتهما ليبيا، إيطالية وفرنسية، في فزان وفي شمال البلاد؛ ثم سنفحص، في مرحلة ثالثة، الكيفية التي استعاد بها هذا الإرث المعرفي وظيفته في التمثل السياسي الغربي المشوّه لليبيا خلال أحداث «الربيع العربي»، وقصور مفهوم المجتمع الفلاحي، الذي أدخلته الأنثروبولوجيا إلى البحوث المغاربية، في النفاذ إلى مفهوم الكرامة الذي رفعه المتظاهرون في المناطق الداخلية لتونس؛ وأخيرًا سنناقش، في ضوء هذا التحليل، إشكالية استعادة القدرة على طرح السؤال المعرفي من الداخل، أو علاقة المحلي بالكوني في المجال المعرفي.
أولًا: مركّب المركزية والخارجية والمصلحة العملية الكولونيالية
لن نخترع العجلة من جديد إذا قلنا إن المعرفة الكولونيالية، بالمفهوم الذي حددناه لها أعلاه، كانت محكومة بسياقها التاريخي، وإن المصلحة الاستعمارية التوسعية هي التي كانت تقودها. لكن من المهم أن نتعرف إلى الأسئلة التي كانت تطرحها هذه القوى على المجتمعات التي استعمرتها وإلى خلفياتها المنهجية والمعيارية، لأن الإجابة عن هذه الأسئلة سيترتب عنها تكوّن حقول بحثية مولدة لأسئلة جديدة ستتحول بالمراكمة إلى إرث يفرض سلطته المرجعية على العقول.
في الخلفية التي قادت القوى الأوروبية إلى ممارسة الاستعمار خارج قارتها، ومنها البلاد المغاربية، كان هناك مركّب المصلحة الاقتصادية وأيديولوجيا الحداثة والمعرفة الوضعية. والممارسة العملية لهذا المركب الكثيف هي التي صنعت المركزية الغربية. وإذا كانت المصلحة الاقتصادية أكثر مكونات هذا المركب بروزًا وتجسدًا بالملموس الحسي، فإن أيديولوجيا الحداثة والمعرفة الوضعية كانتا الأكثر تأثيرًا على المدى البعيد. فمن منظور أوروبي مثلت الثورة السياسية والثقافية والعلمية التي عرفتها القارة الأوروبية بداية من القرن السابع عشر تحولًا نوعيًا في تاريخ الإنسانية اختصت بها مجتمعاتها من دون غيرها، كما دوَّن ذلك ماكس فيبر في مقدمة كتابه الشهير الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية[10]. ومضمون هذا التحول هو مفهوم الإنسان في حد ذاته، من حيث حريته في السيطرة على الطبيعة من طريق الصناعة والاقتصاد، ومن حيث اكتمال قدراته العقلية والفهمية التي جعلته يطمح إلى تحقيق جنة الأديان الموعودة على الأرض لا في غيب السماوات، وذلك من طريق العلم الوضعي بالأشياء المادية وخصائصها وعلاقة بعضها ببعض وبقوانين تفاعلاتها، لا بالعلوم اللاهوتية والميتافيزيقا. ولأن الإنسان الحداثي بهذا المعنى لم يوجد على نحوٍ نموذجي في غير أوروبا بحسب تمثلها لذاتها، فهو أصبح مثال التطور الإنساني في أعلى مظاهره، ورمز الإنسانية الجديدة في بعدها الكوني. وبناءً على ذلك أصبحت مهمة هذا الإنسان أن ينشر حضارته في الكون، وبالتالي أن ينقل تمثله للعالم ومعاييره الثقافية إلى الإنسان الآخر الذي ما زال لم يبلغ هذه المرحلة من التطور.
تجريبيًا كان الاستعمار، بوصفه حالة قهرية، هو الشرط العملي لتحقيق المصلحة الاقتصادية، ولكن بالأخص لإعادة نحت تمثل الآخر لذاته ولفهمه للعالم في إطار هذه العلاقة السلطوية، بالمفهوم الذي يعطيه ميشال فوكو للعبارة. والنتيجة كانت إعادة تعريف للمجتمعات المستعمَرة من منظور خارجي.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 539 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.
[1] المولدي الأحمر: أستاذ علم الاجتماع، الجامعة التونسية، حاليًا في معهد الدوحة للدراسات العليا.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



