توطئة

حين نتناول موضوع التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، نظريًا، فإننا نكون في الاتجاه الصحيح نسبيًا حين يتعلق الأمر ببلد مثل الصين، وأمريكا وروسيا، استنادًا إلى البحث والدراسة وتقليب الأرقام وتفسير واقعها والمؤشرات العلمية من حيث القوى الفاعلة في هذه البلدان وانعكاس سيطرتها على مفاتيح التشريع والتنفيذ بما يحقق العدالة الاجتماعية بكل أوجهها. كما أن السلطات الثلاث في استقلالها وتفاعلها وتعاونها ونتائج أعمالها سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، تساعد الباحث على الحكم على سلامة التنمية، في هذا البلد وذلك القطر. في حالتنا العربية، وانعكاسًا للتجزئة التي فرضها الاستعمار على وطننا، يصبح الأمر أكثر صعوبة في قراءة المشهد الذي تديره الدولة العميقة، لكنها ليست مستحيلة، وتصبح الدراسة تقديرية أكثر حين لا تكون فاعلًا كصاحب قضية، لا بل تكون دائمًا مفعولًا به، وهو ما يحدّ من القدرة على وضع الحلول والبرامج التي تساعد علماء وطننا أو حكوماتنا العربية على وضع أسس التنمية المستقلة التي يجب أن تعكس نتائج يمكن تعريفها بأنها العدالة الاجتماعية.

فالتنمية المستقلة في التعريف الجامع، هي التي تحقق مؤشرات إيجابية في نسبة النمو، بحيث تكون أكبر من نسبة الزيادة في السكان أولًا، وفيها وفر في الميزان التجاري ثانيًا، حيث تكون الصادرات أكبر من الواردات السلعية، وتكون نِسب البطالة والفقر في حدودها الدنيا ثالثًا، حيث يعكس هذا كله عدالة اجتماعية توفر الحقوق الأساسية لحياة كريمة بالمسكن، والملبس، والتعليم، والصحة، إضافة إلى النقل الميسّر والسهل وغير المكلف، وفي النتيجة فقر أقل. تعكس هذا كله السياسات المالية الضريبية والنقدية كعوامل مساعدة على تحقيق كل ما ذكر آنفًا، التي تجعل من مكونات الناتج المحلي الإجمالي، أو هيكل الاقتصاد الوطني، متوازنًا ويحقق ما تقدم من مؤشرات إيجابية على صعيد النمو والميزان التجاري والبطالة.

من هنا، وبقراءة لما سبق على بلد ما، يسهل الحكم على أنه يسير في التنمية المستقلة من عدمه، انعكاسًا لمعدلات هذه المؤشرات. اتفق الباحثون في وطننا العربي على تقسيم أقطارنا العربية إلى منتجة للنفط وغير منتجه له، بحيث يتجلى الفارق الحقيقي بين هذا القطر وذاك بملكية النفط والغاز وانعكاسًا لوارداته النفطية على مالية الدولة، وفي المقابل عبئه الكبير على البلدان العربية المستوردة له.

جدير بالإشارة هنا أن مساحة الوطن العربي تقترب من 10 بالمئة من مساحة الكرة الأرضية، وأن عدد سكانه في سنة 2022 زاد على 448 مليون نسمة وبنسبة 5.6 بالمئة من سكان العالم، وأن الناتج المحلي الإجمالي لأقطاره تزيد على 3 تريليونات و448 مليار دولار ويقع في الترتيب الخامس بعد أمريكا، والصين، واليابان، وألمانيا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بلغ 7690 دولارًا، وفائض الموازنة لسنة 2022 بلغ 120 مليار دولار، وأن إجمالي الدين الحكومي بلغ 1663 مليار دولار بنسبة تزيد قليلًا على 48 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. أما الدين الخارجي فقد بلغ 1849 مليار دولار وبنسبة تقترب من 54 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغ إجمالي الاستثمار 606.5 مليار دولار بنسبة 17.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت الصادرات 1771 مليار دولار، وواردات السلع والخدمات 1310 مليارات دولار؛ مسجلة زيادة بالصادرات بلغت 461 مليار دولار، وبلغ احتياطي العملات الأجنبية 1183 مليار دولار وهو يغطي حاجة الوطن العربي إلى الاستيراد لمدة تزيد على 10 شهور.

هذه مؤشرات إيجابية نظريًا، وتعكس كم نحن بحاجة إلى الوحدة العربية التي حلم بها شعبنا العربي منذ تفكك الدولة العثمانية، فرغم ما تحمل هذه الأرقام من معانٍ، رغم انتشار الفساد في مختلف الأقطار العربية، فإن نسب النمو تبقى متواضعة للكثير من البلدان المستوردة للنفط إضافة إلى العجز الدائم في الميزان التجاري والموازنة الحكومية ورصيد العملة الأجنبية، فضلًا عن نسب البطالة والفقر التي تعانيها هذه الدول وبعض الدول المنتجة للنفط كما في الجزائر وليبيا والعراق… إلخ.

يمكن أن تكون التنمية العربية في الاتجاه الصحيح نسبيًا حين تتوافر الإرادة السياسية كمدخل لتحقيق النمو الذي نريد، والذي تواكبه معالجة حقيقية لهيكل الاقتصاد الوطني من حيث تحويله من اقتصاد خدمي ريعي إلى اقتصاد إنتاجي تزيد حصة الصناعة والزراعة والسياحة فيه على 70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، لا العكس، كما هي الحال الآن بحيث لا تزيد حصة القطاعات الإنتاجية فيه على 40-45 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن الحصة الكبرى هي من عوائد النفط والغاز، انعكاسًا لسياسات مالية وضريبية ونقدية متبعة من أغلبية الدول العربية خدمة لطبقة السياسيين وكبار الرأسماليين، الذين يتحكمون في صناديق الاقتراع ومخرجاتها في تأليف المجالس التشريعية التي تنتج تشريعات اقتصادية على وجه الخصوص وسياسية واجتماعية عمومًا تؤثر جوهريًا في مستقبل التنمية الاقتصادية وتحول دون تحقيق هذه الدول لتنمية مستقلة، أهم تجلياتها توفير عدالة اجتماعية للمواطن العربي.

يعكس الخلل في هيكل الاقتصاد العربي الذي يتكوَّن من الصناعة والزراعة والخدمات سيطرة طبقة السياسيين وتحالفهم مع هؤلاء الذين يملكون المال، الذين نجحوا من خلال المجالس التشريعية في سَن قوانين تعكس سياسات مالية وضريبية ونقدية خدمةً لمصالحهم، حيث تصبح الأعباء التشريعية على قطاع الصناعة والزراعة في وطننا كبيرة ومؤثرة ومعززةً  لقطاع الخدمات الذي يحقق – بسبب هذه السياسات – مكاسب أكبر تعزز هذا التحالف الطبقي الذي يتحكم في القرار المستقل في وطننا، مترافقًا مع ضرائب غير مباشرة على السلع والخدمات، وضرائب مبيعات، وتراجع في تحصيلات ضرائب الدخل؛ بما يؤدي إلى تحصيلات أقل للخزينة من الأغنياء وأكبر للخزينة من الطبقتين الدنيا والوسطى.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 539 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 539 كانون الثاني/ يناير 2024

أوراق ذات صلة:

العدالة الاجتماعية في الوطن العربي في ضوء الإخفاق التنموي والديمقراطي والأمني

ملامح من النضال السياسي المشترك للنقابات العمالية المغاربية خلال مرحلة الكفاح الوطني

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.

محمد أحمد البشير: محاسب قانوني، باحث ومحلل اقتصادي.

[1] في الأصل ورقة قدمت إلى المؤتمر القومي العربي الثاني والثلاثين بتاريخ 30 – 31 تموز/يوليو 2023.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز