مقدمة

فلسطين، هذا الاسم الذي ظل يعبّر لعقود عن الأرض الواقعة بين البحر المتوسط وبين البحر الميت ونهر الأردن. لكن فلسطين بحدودها الجغرافية المتعارف عليها لم تتحدد بدقة إلا في أيام الاحتلال البريطاني لفلسطين. أما المصير السياسي لهذه الأرض فلطالما ارتبط بماجريات ومستجدات الساحة الدولية، فبعد أن كانت نضالًا لمطلب التخلص من الانتداب البريطاني ومن ثم مقاومة احتلال ونيل الاستقلال التام وطرد المحتل، قُزِّم وصُغّر هذا المطلب ليصبح قضية تقاسم أرض وإيجاد حل للاجئين الفلسطينيين تتناولها المحافل الدولية كلما استجد وضع داخل الأراضي المحتلة. وجاءت كل الجهود السياسية والدبلوماسية الدولية لتصب في مصلحة الكيان المحتل تحت مسمى إنشاء «وطن قومي» لليهود على حساب فلسطين وشعبها.

تَمَثّل هذا الجهد الدولي بلجنة كينغ – كراين الأمريكية (1919)، وصولًا إلى قرار الأمم المتحدة الرقم 181، عام 1947، الذي أقرّ تقسيم فلسطين وإقامة «دولة إسرائيل». كانت اتفاقيات كامب دايفيد نقطة انطلاق محاولات تصفية القضية الفلسطينية وتحويلها إلى قضية محلية بين دول متجاورة، لكنّ ضربات المقاومة أسقطت الحل المحلي، سواء عبر إسقاط اتفاق 17 أيار/مايو في لبنان، أو من خلال الانتفاضة الثانية ومعركة جنين في فلسطين، وصولًا إلى حرب عام 2006، التي بلورت وجود محور إقليمي مقاوم، تقع قضية فلسطين في قلب اهتماماته وقضاياه[1].

بعد عام 2011 ظهرت على الساحة الإقليمية محاولات تصفية القضية الفلسطينية، عبر ما سُمِّي «السلام الإبراهيمي». كان جوهر تلك الاتفاقيات صناعة سلام اقتصادي، يمنح الكيان مجالًا لاختراق أسواق الدول العربية، وعزل الفعل المقاوم بوصفه معاديًا للتقدم والتطور الاقتصاديَّين.

رغم كل المحاولات لطمس وتغييب مطلب تحرير فلسطين فإن المقاومة المسلّحة أبقت دائمًا هذا المطلب مرفوعًا بتحركاتها وتوجيه رسالة مهمة مفادها أنه لا يمكن أن تستقر الأمور في المنطقة من دون حل نهائي وعادل لمسألة فلسطين، وهو ما ترجمته عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تلاها من تهديد بعض الدول الإقليمية الداعمة للمقاومة بالتدخل العسكري نظرًا إلى الرد العنيف للكيان المحتل على المدنيين وفرض حصار قاسٍ على القطاع كافة (لا ماء، لا وقود، لا غذاء).

موضوع البحث وحدوده: سنحاول من خلال هذا البحث رصد المواقف وردود فعل الفواعل الإقليمية، وخصوصًا العربية والدولية، من عملية طوفان الأقصى وعملية السيوف الحديدية وتحليلها ومعرفة خلفياتها من خلال إطار نظري منهجي يساعد على تكوين صورة واضحة لكيفية تعامل الوحدات الدولية والإقليمية مع قضية حساسة (الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي) مرتبطة بشكل أساسي بالأمن الإقليمي والقومي في منطقة الشرق الأوسط، وهذا البحث يقوم على فكرة أساسية وليس انحيازية وهي أن القضية الفلسطينية هي قضية احتلال وإسرائيل كيان محتل.

أسئلة البحث: انطلاقًا مما سبق، ونظرًا إلى الارتباط الشديد بين التطورات الحاصلة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ومسألة استقرار الشرق الأوسط والمخاوف من نشوب حرب إقليمية، وهي مسائل مرتبطة بشكل أساسي بالأمن القومي لدول المنطقة وحتى بمصالح الدول الكبرى يثار السؤال: هل كانت المواقف الإقليمية والدولية وخيارات تحقيق مصالحها (الخيار السياسي أو العسكري) من عملية طوفان الأقصى تعكس توازنًا بين مراعاة الحق الفلسطيني والمحافظة على مصالحها؟

الأسئلة الفرعية: ما حيثيات عملية طوفان الأقصى؟ ما ردود الفعل الإقليمية والدولية من عملية طوفان الأقصى؟

منهجية البحث: للوصول إلى إجابة علمية عن إشكالية البحث اعتمدنا على المنهج الوصفي ومنهج دراسة الحالة.

فرضية البحث: هناك علاقة طردية بين أنانية سعي الوحدات الإقليمية والدولية عبر عقلانية مواقفها من عملية طوفان الأقصى، لضمان مصلحتها والنأي بعيدًا من تحول الصراع إلى صراع إقليمي في المنطقة وتنامي العنف الإسرائيلي وتعدّيه على حقوق الشعب الفلسطيني وخصوصًا في قطاع غزة.

الإطار النظري: السياسة الخارجية لبلدٍ ما هي جملة من الأهداف السياسية التي تتحدد من خلالها كيفية التواصل بين هذه الدولة ومحيطها، وتتمحور هذه الأهداف بصورةٍ عامة حول حماية أمن الدولة وتحقيق مصالحها الوطنية، والفكرية، والاقتصادية[2]. وعلى هذا الأساس تبدو النظرية الواقعية الأكثر قربًا لفهم وتفسير طبيعة ومواقف الوحدات الدولية نظرًا إلى اعتمدها على مفاهيم خاصة لاستيعاب تعقيدات السياسة الدولية وتفسير السلوك الخارجي للدول.

جاءت المدرسة الواقعية الجديدة نتيجة لتطور مسارات الواقعية التقليدية، وقد حاولت تقديم تفسيرات مقبولة لما يحدث في العلاقات الدولية، ونقطة الاشتراك بينها هي القول بتأثير معطيات البيئة الدولية في سلوكيات الفواعل الخارجية[3].

يفترض كنيت والتز أن الدول تتصرف دائمًا بعقلانية في استجابتها لفرص وقيود النسق الدولي الفوضوي، وهي مدركة لمثل هذا الخطر ومهتمة أساسًا ببقائها[4]. تبنّي الواقعية نموذج الفاعل العقلاني كنموذج لسلوك الدول الخارجي، ينتهي بها إلى التسليم بالطبيعة الأنانية للأهداف التي تسعى لتحقيقها، وتقترح أن يكون سلوك السياسة الخارجية المناسب للدولة كفاعل عقلاني هو الدفاع باستمرار عن أهداف المصلحة الوطنية. وتعَدّ المسألة الأكثر أهمية لأي مصلحة وطنية هي تحقيق البقاء وضمان الأمن القومي في صورة السلامة الترابية والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي في بيئة دولية تنافسية[5].

تفترض الواقعية، في سعيها لتأمين بقائها، أن الدول مجبرة في ظل نسق يميزه الاعتماد على الذات، أن تضمن إلى أقصى حد متاح تقليص أي خطر خارجي يمكن أن يهدد أمنها مصدره هذه البيئة. وهذا ما يربط قيمة البقاء بالأمن كهدف رئيس. صحيح أن الواقعية لا ترى أن الأمن هو مصلحتها الوطنية الوحيدة، ولكنها ترى أنه يبقى المصلحة الأساسية. تحصيل الأمن هو المصلحة الأساسية لجميع الدول، وهو الذي يحدد ويعرّف باستمرار سلوكياتها الخارجية[6].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 542 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 542 نيسان/أبريل 2024

كتاب ذات صلة:

طوفان الأقصى: دراسات في الصراع والمصير

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 542 في نيسان/أبريل 2024.

محمد زيتوني: أستاذمحاضر، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد بوضياف «المسيلة» – الجزائر.

عبير بوعكاز: باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية – الجزائر.

[1]   عماد الحطبة، «الأبعاد الدولية لمعركة طوفان الأقصى،» الميادين، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <https://2u.pw/Roq0wvn> (تاريخ الاطلاع 10 كانون الأول/ديسمبر 2023).

[2]   مروان محمد حج محمد وفيصل براء متين المرعشي، «نظرية السياسة الخارجية  Theory of Foreign – Policy،» الموسوعة السياسيّة، 25 آذار/مارس 2018، <https://2u.pw/9ag9pgO> (تاريخ الاطلاع 21 كانون الثاني/يناير 2024).

[3]   منعم خميس مخلف، «الواقعية الجديدة في العلاقات الدولي الافتراضات والتصنيفات والأسس: رؤية تحليلية،» مجلة دراسات دولية، العدد 59 (2014)، ص 214 – 215 <https://2u.pw/wzRtMaq> (تاريخ الاطلاع 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2023).

[4]   رابح زغوني، «الفوضى وسياسة القوة: الواقعية البنيوية كنظرية عقلانية للسياسة الخارجية،» المجلة الجزائرية لدراسات السياسية، العدد 1 (2022)، ص 449 <https://2u.pw/VyjGj3P> (تاريخ الاطلاع 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2023).

[5]    المصدر نفسه، ص 452 – 453

[6]   المصدر نفسه، ص 452-453.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز