مقدمة

ظلت القضية الفلسطينية، على مدار عقود مضت من الاحتلال الإسرائيلي، في موقع هامشي نسبيًا عربيًا وعالميًا. لم تفلح الجهود الأممية والدولية، برغم كل المساعي، في تجاوز المعضلات التي تمثل جوهر الصراع العربي – الإسرائيلي، ولم تنجح إلا في تقديم تصورات وخرائط لتحقيق عملية السلام المتعلقة بإنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، ولا سيّما بعد التحولات المتسارعة التي شهدها النظام الدولي منذ تسعينيات القرن الماضي، وما تمخّض عنها من اتفاق أوسلو، وما رافق ذلك من إخفاقات قبل إيجاد الحل العادل للقضية الفلسطينية، والصراع العربي – الإسرائيلي على أساس الأرض مقابل السلام أو أسس الشرعية الدولية، وهو ما عقّد مسار حل هذه القضية وأضعفها، وخصوصًا بعد تجاوز الإرادة الفلسطينية.

مع اندلاع الربيع العربي وما صاحبه من عوامل التراجع والانحدار العربي بالتزامن مع تراجع دور السلطة الفلسطينية على نحو كبير من جراء الانقسام الداخلي، في سياق تطورات القضية الفلسطينية التي ترافقت مع مجيء إدارة أمريكية جديدة اتخذت مواقف أكثر تطرفًا من سياسات اليمين المتطرف في إسرائيل، في محاولة منها لتصفية القضية الفلسطينية، وصولًا إلى صفقة القرن في ضوء حسابات أنصار التطبيع العربي مع الكيان الإسرائيلي.

بعد فشل المفاوضات، فضلًا عن الأعمال العدائية المتكررة للكيان الإسرائيلي وحصار غزة وتضييق الخناق على أهلها، لم يبقَ أمام المقاومة الفلسطينية من حل سوى قلب الطاولة على الكيان الصهيوني، إذ تغيرت استراتيجية المقاومة الفلسطينية، ولكن برؤية وآليات تتفق مع مقتضيات العصر سعيًا لانبعاث القضية الفلسطينية وحضورها بقوة كقضية مركزية بعد أن أخذت بعدًا هامشيًا عربيًا ودوليًا، عندما أعلنت المقاومة الفلسطينية وحركة حماس في غزة عن إطلاق عملية «طوفان الأقصى»، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. تأتي هذه العملية تعبيرًا عن انسداد الكثير من الآفاق ومأزق المسار السلمي الذي وصلت إليه السلطة الفلسطينية بتبني خيار المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي، كإطار للتسوية على أساس حل الدولتين، تنصّل فيه الإسرائيليون من أي التزام أو استحقاق تجاه الفلسطينيين وحقوقهم المسلوبة.

لقد أظهرت طوفان الأقصى هشاشة الكيان الإسرائيلي أمنيًا وعسكريًا، وأحدثت انتكاسة لم يسبق لها مثيل في المشروع الصهيوني، أسهمت لاحقًا، في جعل الحرب أمرًا واقعًا وحدثًا لا يمكن تجاوزه، مع ما رافقها من إبادة جماعية وعملية تطهير وتدمير تشنّها إسرائيل ضد قطاع غزة، وما ترتب عنها من ردود فعل، وتداعيات محلية وإقليمية ودولية، أعادت فرض القضية الفلسطينية بواقع جديد. غير أن حجم التغيرات التي خلّفتها آثارها في غزة تظل كارثية بكل المقاييس وعلى كل المستويات.

تكمن أهمية هذه الدراسة في أهمية عملية طوفان الأقصى وخلفياتها ودوافعها وما آلت إليه من نتائج، وكذلك التداعيات التي ألقت بظلالها على القضية الفلسطينية ومستقبل مسار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي ودور المقاومة الفلسطينية المستقبلي في المشروع الوطني الفلسطيني وتحديد مساره ما بعد الحرب.

تهدف الدراسة إلى معرفة الظروف والعوامل التي أسهمت في غياب القضية الفلسطينية عن المشهد السياسي العام، سواء كانت عوامل داخلية فلسطينية أو عوامل عربية وإقليمية ودولية، وكذلك الآفاق المستقبلية التي تتجه نحوها القضية ومساراتها ما بعد طوفان الأقصى وتداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

بناءً على ما تقدم، تطرح الدراسة التساؤل الرئيس التالي: ما خلفيات ودوافع عملية طوفان الأقصى وآفاق المستقبل الذي تتجه نحوه القضية الفلسطينية في ضوء تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة؟

للإجابة عن هذا التساؤل، وبقصد إيجاد رؤية موضوعية وشاملة، سوف يتم تناولها من خلال النقاط التالية: أولًا، خلفيات ودوافع طوفان الأقصى؛ ثانيًا، تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة؛ ثالثًا، آفاق القضية الفلسطينية والسيناريوهات المحتملة.

أولًا: خلفيات عملية طوفان الأقصى ودوافعها

ظل الكيان الإسرائيلي، على مدار العقدين الأخيرين، ينفرد بقطاع غزة ويُحكم قبضته الأمنية والعسكرية عليه، بل ويرتكب أبشع الجرائم في حق الأبرياء الفلسطينيين العزّل من نساء وأطفال وشيوخ، هي الأكثر دموية، أملًا في إسقاط المقاومة الفلسطينية في غزة ولو كان على جثث وأنقاض القطاع بأكمله، في خان يونس، ودير البلح وحي الشجاعية وغيرها. ومنذ ذلك الحين، وبرغم الحصار وتضييق الخنق على أهله، تحول قطاع غزة إلى بؤرة وقاعدة تنطلق منها المقاومة الفلسطينية المسلّحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، انطلاقًا من أن قطاع غزة يمثل المساحة الوحيدة التي تحررت من الاحتلال منذ أيلول/سبتمبر 2005 [2].

بناءً عليه، أطلقت المقاومة الفلسطينية في غزة، ومن دون سابق إنذار عملية عسكرية مباغتة هي الأولى في نوعها، أعلن عنها قائد أركان المقاومة محمد الضيف وسمّاها «طوفان الأقصى». اقتحم المئات من عناصر المقاومة، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، السياج الأمني واجتاحوا المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية المحيطة بشمال قطاع غزة والواقعة تحت الاحتلال منذ عام 1948. أسفرت تلك العملية عن خسائر بالمئات في صفوف الجيش الإسرائيلي بين قتيل وجريح، إضافة إلى أسر عدد كبير من الجنود والمستوطنين، ناهيك بقصف التحصينات ومواقع استراتيجية وحيوية برشقات من الصواريخ في عدة مناطق من سديروت وعسقلان وتل أبيب الكبرى، وتحديدًا مطار بن غوريون، وما يعنيه ذلك من خسائر لا حصر لها على القطاعات الاقتصادية المتنوعة للكيان الإسرائيلي وخصوصًا قطاع السياحة[3].

تأتي عملية طوفان الأقصى تعبيرًا عن المواجهة والتناقض بين المشروع الصهيوني والقضية الفلسطينية، وحالة الانسداد التي اعترت المشروع الفلسطيني والمسار السلمي لإقامة الدولة المستقلة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، حيث اعتمد الكيان الصهيوني منذ إنشائه على سياسة القضم التدريجي للأراضي الفلسطينية التي يستولي عليها بهدف ضمّها، ومن ثم العمل على تهجير سكانها أو قتلهم وهو ما يدل على النزعة الانتقامية، وعلى إمعانهم في ارتكاب أبشع الجرائم ضد الفلسطينيين[4]. وهذا ما عبرّ عنه صراحة وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في تصريحاته، حين أعلن في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن فرض حصار شامل على غزة المحُاصرة فعليًا منذ عام 2007، أن «لا غذاء لا ماء لا كهرباء لا محروقات»؛ وقال «كل شيء مغلق، نحن نحارب حيوانات إنسانية». وفي السياق نفسه، صرح اللواء المتقاعد في الجيش الإسرائيلي، غيورا أيلاند، «نحن بحاجة إلى قصف مستشفى الشفاء وتجويع سكان غزة»، مضيفًا «كان ينبغي لنا فعل ذلك في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، السابعة صباحًا مع بدء حماس هجومها على إسرائيل[5]. بل إن وزير التراث في الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفًا، عميحاي إلياهو، ذهب أبعد من ذلك، عندما قال إن إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة هو أحد الحلول الممُكنة، مضيفًا أن القطاع يجب ألّا يبقى على وجه الأرض، وعلى إسرائيل إعادة إقامة المستوطنات فيه، ورأى أن للحرب أثمانًا بالنسبة إلى من وصفهم بالمختطفين الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية[6].

في سياق الصراع الاستعماري الطويل الذي شهدته فلسطين، هناك الكثير من الأحداث التي سطّرتها المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بيد أن عملية «طوفان الأقصى» تظل استثناءً، حيث وجدت إسرائيل نفسها هذه المرة في تاريخ حروبها مع المقاومة الفلسطينية (2008 و2009 و2012 و2014 و2018 و2021) في حالة تخبّط وشلل تام، لم يسبق لها مثيل، في ظل ما حققته المقاومة من نجاح من خلال قدرتها على التكيّف والابتكار، ومن ثم أخذ زمام المبادرة بالتخطيط والتنفيذ المُحكم، إذ استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تحدث زلزالًا استراتيجيًا مدويًا هزّ كيان الجيش الإسرائيلي وأسُسَه وعقيدته العسكرية، بل وداعميه.

استطاعت المقاومة الفلسطينية من خلال وسائلها المحدودة، وتكتيكاتها البسيطة أن تحطم الهالة الإعلامية المحيطة بجيش الاحتلال الإسرائيلي وتفوُّقه التكنولوجي والعسكري، في ظل دعم متواصل يأتي من الغرب وتحديدًا الولايات المتحدة، حيث بدأت «أسطورة الجيش الذي لا يقهر»، تتحلل وتتلاشى في ساحات المعركة أمام ضربات المقاومة النوعية والمركَّزة التي ضربت في العمق الاستراتيجي، وجعلت جيش الاحتلال يصاب بهستيريا الجنون، حيث اندفع الجيش الإسرائيلي بتهوّر وبرد فعل قوي مستخدمًا القوة المفرطة ومرتبكًا إبادة جماعية ومجازر عشوائية بقصف الأحياء والمباني السكنية والمستشفيات، بحجة تبعيتها لحركة حماس، في مسعى للتغطية على جرائمه وفشله الذريع في كبح جماح المقاومة التي أضحت كابوسًا للمشروع الإسرائيلي المتفرد بقوة الردع، وهيمنة القوة أمام شعب أعزل ومحاصر. وكنوع من ممارسة الضغط على المقاومة لكسر إرادتها[7].

تجدر الإشارة هنا إلى أن مجموعة من العوامل تقف خلف إطلاق عملية «طوفان الأقصى»:

جاءت هذه العملية على خلفية الاعتداءات المستمرة التي تقوم بها حكومة الكيان الإسرائيلي والتي تضم عتاة المستوطنين، ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، مستبيحة بذلك أراضيهم تمهيدًا لمصادرتها وتهويدها، إضافة إلى اعتداءات المستوطنين المتكررة على باحات المسجد الأقصى مدعومة من الجيش وأجهزة الأمن الصهيونية، وتزامنًا مع تصاعد أزمة ملف الأسرى الفلسطينيين وتقلُّص حقوقهم وسوء معاملتهم في السجون الإسرائيلية وقد تجاوز عددهم 5 آلاف، ناهيك برفض الكيان الإسرائيلي القاطع بشأن عقد صفقة لتبادل الأسرى، مستغلة حالة الوهن والضعف العربيين[8].

من كل ذلك، يـأتي مأزق المشروع الفلسطيني بعدما دخلت منظمة التحرير الفلسطينية في اتفاق أوسلو، والمثالب التي عصفت بالقضية الفلسطينية على يد الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية التي لجأت إلى خيار أوسلو كبديل من خيار الكفاح والمقاومة بأوجهها المختلفة، مع استمرار التحاق بعض الدول العربية التي اختارت مسار تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي بديلًا من مسار الرفض والمواجهة، بمعزل عن حقوق الشعب الفلسطيني، وبعيدًا من صيغة الأرض مقابل السلام. وفي الاتجاه نفسه، اجتهدت القوى المناصرة للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي بمعاداتها للمقاومة الفلسطينية في معركتها ضد العدو الإسرائيلي وما نشهده اليوم ليس أكثر من سيناريو لإنهاء القضية الفلسطينية من خلال تصفية الحسابات مع غزة بدكّ مقاومتها، وشلّ قدراتها، بالتزامن مع صمت عربي غير مسبوق، هو الأكثر خذلانًا وإيلامًا في الخاصرة الفلسطينية[9].

تشير جملة هذه العوامل إلى أن كل الطرق سدّت أمام التوصل إلى أي حل سلمي وعادل للقضية الفلسطينية عبر المفاوضات، فإسرائيل قضت على كل الفرص والاحتمالات للتوصل إلى تسوية عادلة ومنصفة يستعيد الشعب الفلسطيني معها أي حق من حقوقه التاريخية، سواء عبر حل الدولتين الذي تلاشى بسبب «أوسلو»، أو عبر حل الدولة الواحدة الذي يفتقد الواقعية ولا سيّما بعد جنوح المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من العنصرية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 542 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 542 نيسان/أبريل 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 542 في نيسان/أبريل 2024.

حقوق الصورة لوكالة الأنباء الألمانية.

[1]محمد عبد الحفيظ الشيخ: رئيس قسم العلوم السياسية، الأكاديمية الليبية – طرابلس.

[2]   «طوفان الأقصى وصراع المقاربات،» تقدير موقف، وحدة التفاكر وتحليل السياسات، مركز دراسات الوحدة العربية، 27 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <https://tinyurl.com/3hhx7t4b> (تاريخ الدخول 30 كانون الثاني/يناير 2024).

[3]   محمد حمشي، «عن الموقف العربي الرسمي من عملية طوفان الأقصى وما تلاها من عدوان إسرائيلي على غزة،» المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، <https://tinyurl.com/2h8djd6y>.

[4]   «طوفان الأقصى وصراع المقاربات،» تقدير موقف، مصدر سابق.

[5]   «الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة: قراءة في موقف القانون الدولي الإنساني،» تقدير موقف، وحدة الدراسات السياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <https://tinyurl.com/2yrht7ed> (تاريخ الدخول 27 كانون الثاني/يناير 2024).

[6]   «وزير إسرائيلي يدعو لقصف غزة بقنبلة نووية وردود فعل غاضبة،» الجزيرة، 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، <https://tinyurl.com/bdz9cjwp> (تاريخ الدخول 27 كانون الثاني/يناير 2024).

[7]   حمشي، «عن الموقف العربي الرسمي من عملية طوفان الأقصى وما تلاها من عدوان إسرائيلي على غزة،» مصدر سابق.

[8]   «عملية «طوفان الأقصى» انهيار الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه غزة،» تقدير موقف، وحدة الدراسات السياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 12 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <https://tinyurl.com/4m82hsfx> (تاريخ الدخول 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2023).

[9]   خديجة صبار، «سياسات التطبيع وأهدافها في بلدان المغرب العربي: حالة المملكة المغربية،» المستقبل العربي، السنة 46، العدد 537 (تشرين الثاني/نوفمبر 2023)، <https://tinyurl.com/599uhry5> (تاريخ الدخول 2 شباط/فبراير 2024).


محمد عبد الحفيظ الشيخ

عميد كلية القانون، جامعة الجفرة- ليبيا، وأستاذ متعاون بالأكاديمية الليبية.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز