هل الشعر إلهام، ضرب من الوحي، حماس خلّاق ينبثق من أعماق نفس الشاعر وهي متأثّرة مباشرةً بقوة خارقة، فوق طبيعية؟
أو الشعر صناعة، فنّ وحذق، عمل صبر وصقل وإتقان وفقًا لقواعد جمالية مطلٍقة أو نسبية؟
هل الشعر نوع من الحلول، ينزل في الشاعر نطفة خلق، فليس له منها إلّا المخاض، في جوّ من الغثيان النفسي والا الوضع، في بهجة الخلاص وإشراق الحنان؟
أو الشعر صياغة، نحت ووصف وتركيز، يكيّفه الشاعر على هوى الخطّة التي رسمها في صفاء الوعي وحكم العقل وسيطرة الإرادة، ويسوقه للناس كلامًا سويًّا؟..
وبعبارة أخرى، هل الشاعرية فطرة أو اكتساب؟ وهل الشاعر، بالنسبة إلى الشعر، منفعل أو فاعل؟
في الأساطير الهندية أن الآلهة ” ساراسـﭬاتي ” تنسّكت على جبل الثلوج تستوهب صبيًّا. فرضي عنها الإله “ﭬيرنسي” وأثاب نسكها. وانتصب الوليد، ولمس قدم أمّه، وأنشد: ” كلّ ما هو من كلام، ويتّخذ المظهر الوهمي للشيء، فهو أنا…”
هكذا ولد الإله الشعر، إبن الإلهة الكلمة، هبة الإله الأكبر!
هذه الأسطورة الجميلة تهدف إلى بعيد، إلى أقصى ما يمكن من البعد: عمقًا وارتفاعًا واتّساعًا. كأنّ الفكر عقيمًا، كالآلهة ” ساراسـﭬاتي “، لا يولد إلّا أفكارًا مجرّدة فكان بذلك مهيض الجناح، معقولًا بفعل العقل العاقل. فتسلّق جبل الثلوج ليسمو ويطّهر، وتنسّك طويلًا يلتمس في أعماقه أعماق الأشياء ويبتهل طالبًا جناحين خفيين يحملانه إلى حيث يودّ، إلى القمم وإلى الأغوار، إلى المدى في جميع أبعاده، إلى جوهر الأشياء مباشرةً بطريق الحدس، طليقًا من قيود المنطق المتزمّت. وما زال يتنسّك على قمّة الجبل، في صفاء السموّ يتيمّم بالثلوج الناصعة، ويتهجّد في خلود الظلماء الدياجي، حتى أثابت الروح نسكه فوهبته الخيال الخلّاق – الجناحين الخفيين – فتفتّحت عيناه على الأشياء من جديد، وعرف أنّه، بشكله الشعري ” يتّخذ المظهر الوهمي للشيء “…
ولئن خلت أساطير معظم الأمم من أسطورة بهذه الروعة، فإنّها لم تخل من أسطورة بهذا المعنى. جميع الشعوب، منذ القدم، إعتبرت الشعر كلامًا غريبًا، واعتبرت الشاعر مخلوقًا عجيبًا.
شُبّه الشعر بالسحر. ألا يستعير السحر من الكلام رقىً وتعاويذ؟ أليس السحر أمرًا مستعصيًا على الفهم من باب الإدراك العقلي؟ ألا يلوذ السحر بقوىً خفية تُنسب إليها العجائب؟
وشُبّه الشاعر بالساحر، وبالمجنون، كما شبّه بالنبي.
والغرض من كلّ ذلك الدلالة على أنّ الشعر كلام غريب عن المألوف، له قوة تفوق طاقة الكلام المألوف، وعلى أنّ الشاعر غير البشر، وإن كان في مظهره الخارجي واحدًا منهم.
والشعراء أنفسهم كانوا يشعرون بغربتهم عن الناس، وكان الناس يُشعرونهم بهذه الغربة، سواءً في مظاهر التكريم أم في مظاهر الإضطهاد. إنهم كانوا، وما يزال معظمهم، خارجين عن المجتمع، خارجين بالفطرة عليه. ولذلك حرصوا منذ القدم وحرص الناس معهم على أن يكون لهم موطن غير الموطن الذي يسكنون، موطن وهمي، تسكنه شياطينهم، أو آلهة الشعر وربّاته. فكان عند العرب عبقر، وكان عند اليونان جبال ثلاثة: الهيليكون في الشرق، والـﭘرناس في الجنوب الشرقي، والـﭘند في الشمال، كلها لأﭘولّون، إله الشعر!
وحرص الشعراء ورجال الفنّ عمومًا، على أن يكونوا غير الناس، حتى في مظهرهم الخارجي. فكانوا يلبسون المسوح، ويطلقون شعورهم ولحاهم وأظافرهم، ويمشون سادرين ساهمين، كأنّ أنظارهم قد شُدّت إلى الآفاق بخيوط الغيب. ومنهم مَن كان يغرق في إهمال هندامه إغراقًا في تمييز نفسه عن الآدميين. يحدّثنا هوراس، الشاعر اللاتيني الكبير، أنّ كثيرًا من الشعراء، وقد علموا أنّ ” ديموكريت” يفضّل العبقرية على الحذاقة، أخذوا يرسلون أظافرهم ولحاهم، وينشدون الوحدة ويتجنّبون الإستحمام!..
كان الشاعر في نظر الأقدمين مخلوقًا عجيبًا.
وكان الشعر كلامًا غريبًا.
سقراط، وأفلاطون، وحتى أرسطو الذي فلسف كلّ شيء على نظام عقلي، لم ينكروا وحي الشاعر. ولا أنكره بعدهم فيلسوف ولا ناقد، وإن كان معظم فلاسفة العقل قد أرادوا أن يخضعوا الشعر لسلطان صاحبهم.
ونقّاد العرب على العموم، من إبن قتيبة إلى إبن الأثير مرورًا بقدامه والآمدي والجرجانيين والعسكري وإبن رشيق، جميعهم إلّا واحدًا، يعالجون جمالية الشعر اللفظية والمعنوية، ولكنّه مسلّم بين سطورهم أنّ الشعر موهبة لا تُكتسب، وأنّ الشاعر يجب أن يكون ” مطبوعًا “، وأنّ الشعر المصنوع إن هو إلّا نتيجة إشتراك الصنعة والطبع معًا، تحقيقًا للجمال الفنّي.
جميعهم إلّا واحدًا. وهذا الواحد هو إبن خلدون. ويستحقّ صاحب ” المقدمة ” أن نخصّص لرأيه جانبًا من البحث لا لأنّه يكاد يتفرّد بهذا الرأي بين الباحثين، في الشعر، في جميع اللغات، خلال الزمان والمكان. لا لهذا وحسب، بل لأنّ مناقشة رأيه تخدم الموضوع الذي نحن بصدده.
الشعر، بنظر إبن خلدون، جزء من اللغة. واللغة ” ملكة صناعية ” تكتسب بالحفظ والمراس. يقول في مقدمته:
” أعلم أنّ اللغات كلّها ملكات شبيهة بالصناعة. إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها، بحسب تمام الملكة أو نقصانها. وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنّما هو بالنظر إلى التراكيب. فإذا حصلت الملكة التامّة في تركيب الألفاظ المنفردة، للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبّق الكلام على مقتضى الحال، بلغ المتكلّم حينئذٍ الغاية من إفادة مقصودة للسامع وهذا هو معنى البلاغة. والملكات لا تحصل إلّا بتكرار الأفعال... ” (1) أي بالإرتياض في أساليب العرب وحفظها:
” فالكلمة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر. وملكة الكتابة بحفظ الإسجاع والترسيل… ” (2)
يعتقد إبن خلدون أنّ اللغة ملكة تكتسب، وأنّ كلّ فرع من فروعها، كلّ لون كما نقول اليوم، له ملكته الخاصّة تكتسب بحفظ أساليب هذا الفرع والإرتياض فيها. فالذي يريد إكتساب ملكة الفقه، يجب أن يدرس أساليب الفقهاء ويحفظها، وكذلك في العلم والتصوّف وما إليها…
ولنترك له الكلام:
” والملكات اللسانية كلّها إنّما تكتسب بالصناعة والإرتياض في كلامهم ” (3). (كلام العرب).
على أنّه يميز الشعر بدرجة من الصعوبة:
” والشعر من بين الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخّرين… ”
لماذا؟ ألأنّ فيه، إلى جانب الصناعة، شيئًا لا نقول من الوحي، فالكلمة كبيرة جدًا، ولكن شيئًا شخصيًا، لاصقًا بالشاعر، من حيث طبعه وفطرته؟
لا، بل:
” الإستقلال كلّ بيت منه بأنّه كلام تامّ في مقصوده، ويصلح أن ينفرد دون ما سواه، فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب، ويبرزه مستقلًا بنفسه، ثمّ يأتي ببيت آخر كذلك، ثمّ ببيت، ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده ثمّ يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض، بحسب إختلاف الفنون التي في القصيدة. ” (4)
صعوبة إكتساب الملكة الشعرية عائدة إذن، في نظر إبن خلدون، إلى صعوبة الشعر بالنسبة إلى النثر. وصعوبة الشعر قائمة، أولًا وآخرًا، في أنّ كلّ بيت معنى قائم بذاته مفرغ في وعاء الوزن ومختوم بختم القافية.
ويمكنك أن تقرأ إبن خلدون وتعيد، في الفصول الأخير من المقدمة، وهي التي تعالج شؤون اللغة عمومًا، والفنون الأدبية ومنها الشعر بشكل خاصّ. ويمكنك أن تفكّر وتتأمّل وتحاول أن تجد لهذا المفكّر الكبير مخرجًا، فلن تجد ! الشعر في نظره، ملكة تُكتسب بالصناعة والإرتياض، بحفظ أساليب الشعراء العرب، والإسلاميين منهم على الأخصّ، وبالنسج على منوالهم.
وكيف تريد أن تجد له مخرجًا، وهو قد عنون الفصل: ” في صناعة الشعر ووجه تعلُّمه “. لم يقل ” تعلمها ” فيعود الضمير إلى الصناعة، لنقول أنّ للشعر قواعد فنّية يمكن الشاعر أن يتلمّسها إغناءً لفنّه وتثقيفًا لذوقه؟
بل كيف تريد أن تجد له مخرجًا، وكلّ شيء بنظره ملكة تكتسب مراسًا، حتى الذوق؟
” أعلم أنّ لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان ومعناها حصول ملكة البلاغة وأنّها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه… ” (5)
لا شيء فطري في نظر إبن خلدون، كلّ شيء ملكة يمكن إكتسابها بالتكرار، حتى تصبح ” فطرة وجبلة “.
عندما يتكلّم ” في علوم السحر والطلسمات ” يضطرّه كلامه عن السحر إلى تصنيف خواصّ النفوس، فيقول:
” إنّ النفوس البشرية، وإ كانت واحدة بالنوع، فهي مختلفة بالخواصّ، وهي أصناف، كلّ صنف مختصّ بخاصّية واحدة بالنوع لا توجد في الصنف الآخر، وصارت تلك الخواصّ فطرة وجبلة لصنفها. ” (6)
قرأت ذلك فاستأنست. وقلت: هنا! هنا المخرج الأكيد. هنا سيعطي إبن خلدون للشاعر حقّه. سيقرّر أنّ للشاعر ” خاصّية ” نفسية هي عنده فطرة وجبلة، تميّزه عن سواه. وأكملت قراءتي:
” فنفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لها خاصّية تستعدّ بها للمعرفة الربّانية ومخاطبة الملائكة عليهم السلام عن الله سبحانه وتعالي… ونفوس الكهنة لها خاصّية الإطلاع على المغيبات بقوىً شيطانية. وهكذا كلّ صنف مختصّ بخاصّية لا توجد في الآخر. ” (7)
وتألّمت! لِمَ لمْ يذكر خاصّية نفوس الشعراء؟ لِمَ لم يمنحهم خاصّية ” الإطلاع على المغيبات ” بقوى لفظية كشّافة؟ لِمَ تركهم في العبارة الأخيرة العامة: ” وهكذا كلّ صنف مختصّ بخاصّية لا توجد في الآخر ” فترك لنا بحال الجزم في أنّه لا يميّز الشعراء عن سواهم إلّا بقدر ما يميّزون هم أنفسهم من حفظ أشعار العرب والجري على أساليبهم؟
مرّتين لاح لي بارق أمل وأنا أقرأ ” في صناعة الشعر ووجه تعلّمه “. البارق الأول كلمة قريحة التي استعملها المؤلّف ستّ مرات في هذا الفصل.
قريحة؟ لعلّها مفتاح السرّ! أيكون لكلّ شاعر قريحة، ولا تكون القريحة إلّا للشاعر، وهذه القريحة، هذه ” الخاصّية ” يعنيها إبن خلدون بحفظ الفحول من شعراء العرب، ويذكّيها بالإرتياض في نظم الشعر؟ أتكون القريحة في نظره إذن إستعدادًا فطريًا، قابلية أولى لتلقّي شيء خارجي، غير المحفوظ من الشعر، ولصهره في بوتقة النفس وإخراجه شعرًا، أي عمل خلق شخصي، ولو مقولبًا في قالب الشعراء ومنسوجًا على منوالهم؟ أتكون القريحة آخر الأمر هي الإلهام، مصدر القوة الخارقة، أو مخمر القوة الخارقة؟
والبارق الثاني كلمة ” الخاطر “.
ولكنّي ما عتمت إن أعتمت وانطفأ البارقان. فالقريحة بنظر إبن خلدون إستعداد الذهن لإدرار الشعر بعد أن يكون ” إمتلأ ” حفظًا، وارتاض مراسًا، واستنار ” بملاذ السرور ” (8) التي تستجمع النفس وتنشّطها. والخاطر صفاء الذهن ليس إلّا.
قلت أنّ القريحة إستعداد الذهن ” لإدرار ” الشعر. والكلمة ليست من عندياتي. إسمعوا إبن خلدون:
” وإذا تعذّر الشعر بعد هذا كلّه (بعد عدّة نصائح علمية وعملية وعاطفية وفنّية ولغوية) فليراوضه ويعاوده، فإنّ القريحة مثل الضرع يدرّ بالإمتراء ويجفّ بالترك والإهمال. ” (9)
الشعر، في نظر إبن خلدون، حفظ أولًا. حفظ ربّما أدّى إلى وجوب النسيان، ولكنّه حفظ حتى الإمتلاء، لترسخ الملكة. وبعد ذاك، فالشعر مراس، لتصقل الملكة. وما روى هذين فلا قيمة له. ألا تصدّقون؟ إسمعوا:
” فمن قلّ حفظه أو عدم لم يكن له شعر، وإنّما هو نظم ساقط، واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ.”(10) وهذه هي المرة الوحيدة التي ينصح فيها إبن خلدون إجتناب الشعر!
عندما يتكلم إبن خلدون، في المقدمة السادسة للفصل الأول من الكتاب الأول، عن الوحي والرؤيا، وعن الإدراك بالفطرة، يصنف البشر ثلاثة أصناف: صنف ينتهي إدراكه بالفطرة إلى الأوليات ولا يتجاوزها، وهو مؤلف من سواد الناس. وصنف يتجاوز إدراكه الأوليات إلى ” فضاء المشاهدات الباطنية ” وهم ” العلماء الأولياء، أهل العلوم الدينية والمعارف الربانية “، والصنف الثالث ” مفطور على الإنسلاخ من البشرية جملة جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملاكًا بالفعل “، وهم الأنبياء. الأنبياء ” يتوجّهون إلى ذلك الأفق بذلك النوع من الإنسلاخ متى شاؤوا، بتلك الفطرة التي فطروا عليها، لا باكتساب ولا صناعة. ” (11)
فطرة إدراك الجسمانيات لسواد الناس.
فطرة إدراك الروحانيات للعلماء الأولياء الربانيين.
وفطرة الإنسلاخ من الجسمانيات والروحانيات معًا، من البشرية إلى أفق الملائكة الأعلى، للأنبياء.
لا مكان للشعراء إلّا بين سواد الناس!
وبعد أن يسترسل إبن خلدون في جلاء حقيقة النبوءة، يصل إلى الكهانة، فيقرّر أنّها ” أيضًا من خواصّ النفس الإنسانية ويرى فيها ” صنفًا من البشر ناقصًا عن رتبة الصنف الأول (الأنبياء) نقصان الضدّ عن ضدّه الكامل… مفطورًا على أن تتحرّك قوّته العقلية حركتها الفكرية بالإرادة عندما يبعثها النزوع لذلك…” ولكون هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور عن الكمال، كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكلّيات، ولذلك تكون المخيلة فيهم غاية القوّة لأنّها آلة الجزئيات… ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لأنّ وحيه من وحي الشيطان، وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواسّ ويقوى به بعض الشيء على ذلك الإتّصال الناقص، ينهجّس في قلبه عن تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذفه عل لسانه فربّما صدق ووافق الحقّ، وربما كذب… ” (12)
مقطع مهم، إختصرت منه بعض الأسطر على كره منّي، لأنّها تكرار لمعنى قد سبق، ولكنّه مقطع رائع مؤلم. وآلم ما في روعته أنّه يكاد يكون وصفًا للشعر وللشاعر، تحت ستار الكهانة، ولكن إبن خلدون يأبى إلّا أن يكون الشعر قالبًا ومنوالًا.
في هذا المقطع جميع الكلمات التي تهمّنا، جميع الصوى التي تشير إلى الشعر: الجزئيات، قوّة المخيلة، الشيطان، ذلك الأجنبي، الإتّصال، وخصوصًا السجع والموازنة. أين كان إبن خلدون من الشعر أو أين كان الشعر من إبن خلدون عندما كتب هذا الفصل؟
ولو عرفتم مَن هم الكهّان الذين يمنحهم إبن خلدون – على درجات متفاوتة – بعض علم الغيب ! العرّافون – الناظرون في الأجسام الشفّافة كالمرايا وطسّاس الماء – الناظرون في قلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها – أهل الرجز في الطير والسباع – أهل الطرق بالحصى والحبوب من الحنطة والنوى – المجانين ” يُلقى على ألسنتهم كلمات من الغيب يخبرون بها ” – النائم في حلمه – حتى ” الميت لأوّل موته ” يتكلّم بالغيب ! ولا تسلوا عن أهل الرياضيات من المتصوّفة الذين ” لهم مدارك في الغيب على سبيل الكرامة معروفة ” !..
والشاعر، يا صاحب المقدّمة يا مؤسّس علم الإجتماع والعمران؟ ألا يصحّ أن يكون في عداد الكهّان؟ ألا يصحّ أن يكون في عداد العرّافين؟ ألا يصحّ أن يكون في عداد المجانين؟ ألا يصحّ أن يكون في عداد النائمين؟ وإذا لم يكن في عداد المتصوّفين أصحاب الكرامة المعروفة، أفلا يصحّ أن يكون في عداد الأموات أوّل موتهم؟
لا !.. عبثًا نفتّش لإبن خلدون عن مخرج. فهو يعتقد مخلصًا أن الشعر ملكة تُكتسب. وهو في كلّ ما كتب عن الشعر لا يرى إلّا القالب والمنوال. قالب البناء ومنوال الحائك. والشاعر بعد أن يمارس شعراء العرب الفحول، والإسلاميين منهم على الأخصّ، يكتسب قالبهم فيعبّئه، أو يكتسب منوالهم فينسج عليه. الملكة تكتسب بالحفظ والمراس والإرتياض والتكرار – هذه هي كلمات إبن خلدون المفضّلة – وتصبح بفعل ذلك فطرة وجبلة.
وأقلّ ما يقال في هذه النظرية أنّها تبدي جهلًا مثلثًا: لغويًا وفلسفيًا وعمليًا.
فالفطرة، لغةً. ضدّ الإكتساب، وكذلك الجبلة. فطر الله الخلق وجبلهم، أي خلقهم وابتدعهم. والفطرة هي ” الخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمّه “. وفي الكلّيات ” الفطرة هي الصفة التي يتّصف بها كلّ موجود في أوّل زمان خلقته “. “فكيف يمكن أن تكتسب إذا لم تكن خلقة منذ البدء؟
الفطرة فلسفيًا، هي ما طبع المرء عليه، عند ولادته. وقد اختلف الفلاسفة في وجود هذه الفطرة، وعلى الأخصّ في عناصر تكوينها. إلّأ أنّ أحدًا منهم لم يزعم أنّها، إن لم تولد مع المرء، فيمكنه أن يكتسبها بطريقةٍ ما.
أمّا عمليًا، فلو إعتنقنا نظرية إبن خلدون في الشعر، لأصبح شاعرًا كبيرًا كلّ مَن أراد أن يكون شاعرًا كبيرًا. وما عليه، من أجل ذاك إلّا أن يحفظ أجود ما نظم العرب، ثمّ يجري على أساليبهم. لقد جرّب ذلك إبن خلدون نفسه، كما يروي لنا في الصفحات الأخيرة من مقدّمته متحدّثًا إلى أبي عبد الله بن الخطيب وزير الملوك في الأندلس من بني الأحمر، ” وكان الصدر المقدّم في الشعر والكتابة “. واعترف إبن خلدون بإخفاق تجربته مع إعتداده ببصره في الشعر وبحفظه ” للجيد من الكلام من القرآن والحديث وفنونٍ من كلام العرب “. وانتحل لنفسه عذرًا حفظه ” الأشعار العلمية والقوانين التأليفية “، وختم كلامه بهذه السذاجة المفجعة: ” فامتلأ محفوظي من ذلك، وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيّد من القرآن والحديث وكلام العرب”!..
وهكذا نرى المحفوظ عن صاحب المقدّمة كالنقد في علم الإقتصاد وفي الحياة: الرديء منه يطرد الجيد!
———–
أأكون قد ظلمت إبن خلدون عندما قرّرت أنّه يكاد يتفرّد، بين الفلاسفة والباحثين، بهذه النظرة الصناعية إلى الشعر؟ ألم يعرف الأدب الفرنسي، في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، شاعرًا من أكابر الشعراء تنكّر للإلهام وأدار له ظهره، وعزا عبقرية الشعر إلى الصناعة؟ بلى، إنّه بول فاليري! ولكن بين صاحب ” المقدّمة ” وصاحب ” المقبرة البحرية ” فوراق عدّة، فوارق أساسية، لا تجيز المقابلة بينهما إطلاقًا، لولا أنّنا محتاجون، خدمةً لبحثنا، إلى إجراء مثل هذه المقابلة.
1ً- بول فاليري شاعر بملء شخصه، وبملء معنى الكلمة. شاعر عندما نظم الشعر يافعًا وشابًا، سحابة ستّ سنوات. وشاعر عندما ركن إلى الصمت عشرين سنة، كانت تأمّلًا متواصلًا بالشعر والفنّ والعلم والرياضيات وشؤون الحياة العليا، وشاعر عندما عاد إلى الشعر من الباب الضيق، بعد الإنقطاع الطويل، ” الإنقطاع – التأمّل “. بول فاليري شاعر بشعره ونثره، بمحاضراته وتعليقاته، وبتوقّد الإحساس في مصهر فكره. وإبن خلدون بعيد كلّ البعد عن الشعر.
2ً- بول فاليري لا ينكر وجود الإلهام، بل لعلّه يشعر بوطأة وجوده أكثر من أيّ شاعر آخر، ولذلك يريد أن يكبح جماحه، فيقول: ” إذا آمن الشاعر بالوحي قتل الإبداع “. يريد من الشاعر ألّأ يكتفي بما يأتيه عفوًا، بل أن يتعهّده بالصقل والتثقيف، بل يعتقد أنّ الإبداع كامن في دقّة التعبير كما سنرى.
أمّا إبن خلدون، فالحفظ والمراس كافيان في نظره لأن يجعلا شاعرًا من أيّ رجل عادي.
3ً- بول فاليري يتطلّب من كلّ شاعر أن يعيد النظر في لغته، فيكتشفها من جديد، وأن يعيد النظر في ألفاظها، فيدرس قوّتها الصوتية، ومداها الداخلي، وزخمها الشعري… يتطلب من كلّ شاعر ما وجده عند معلّمه مالارميه وما فرضه هو على نفسه: أن يضع الشاعر ” علمًا ” للألفاظ، بالمعنى العلمي العصري، نواميس مشتقّة من طبيعتها. وهذا العلم شخصي طبعًا، يصعب إقتباسه، فتكون بالنتيجة لكلّ شاعر مثل لغة خاصّة.
وإبن خلدون على النقيض من ذلك. فهو يعتقد أنّ اللغة ملكة ” في اللسان للعبارة عن المعاني… وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنّما بالنظر إلى التراكيب “، فحفظ التراكيب يكسب ملكة اللغة، وحفظ أساليب الشعراء يكسب ملكة الشعر.
بول فاليري يتطلّب من الشاعر أن يبتدع الأسلوب وأن يبتدع، إذا أمكن، معاني جديدة للألفاظ غير معانيها السائرة، ويعتبر أنّ الإبداع تفاعل بين معاني الألفاظ الجديدة في صياغتها الفريدة. بول فاليري يريد أن يحطّم القالب والمنوال، صنمي الشعر في نظر إبن خلدون.
4ً- وجه شبه واحد بين صاحب ” المقدّمة ” وصاحب ” المقبرة البحرية “، وجه شبه أعطى نتائج معكوسة. الإثنان تبحّرا في علوم عصرهما. فكان من نتيجة ذلك أن ” خدش وجه الملكة ” (!) عند إبن خلدون، وأن أصبح بول فاليري من أكبر شعراء المعرفة.
———–
وبعد فما هو موقف بول فاليري من ” الإلهام والصناعة “؟
بول فاليري إتمام رسالة وردّة فعل. إتمام الرسالة التي دعا إليها الشاعر الأميركي إدغار بو، فاستولى عليها صديقه الفرنسي بودلير، وازدهرت في شعر مالارميه وتناولها بعده تلميذه فاليري فمثّلها بشعره وفلسفها بأبحاثه. وعلى الرغم من الفوارق الكبيرة بين مزاج الأوّلين وحياتهما، ومزاج الآخرين وحياتهما، وعلى الرغم من الفوارق بين جوهر أدب كلّ من الأربعة، فهم جميعًا زعماء مدرسة واحدة، تعُرف بالمدرسة الرمزية، ولكن ما يهمّنا منها الآن هي أنّها شنّت حربًا شعواء على الشعر النثر، على جميع العناصر النثرية في الشعر، على كلّ ما ليس شعرًا صافيًا. ونظريات الأب بريمون تستند إليهم، وإلى فاليري بشكل خاصّ.
جاء ” البرناس ” ردّة فعل للرومانطيكية، لجامًا لجواد الخيال الجامح، بلورة للفكر في إطار شكل محكم، وطلع بنظرية ” الفنّ للفنّ “.
وتبعته الرمزية تستثمر موسيقى الكلمات لتعبّر عن الحالات النفسية الغامضة التي لا يمكن التعبير عنها بالفكر الواضح. فأغرقت بالغموض وجعلت من مجرّد تزوج الألفاظ ترفًا ذهنيًا هو بنظرها غاية الشعر.
أما بول فاليري، فهو إغراق في التأّمل اللفظي إلى حدّ أنّه اعتبر اللفظ وحده هو الشعر، اللفظ الموقّع. فاللفظ يملي الموضوع إملاءً، ويملؤه، ويحرّكه ويسيّره إلى هدفه، وهذا الهدف ليس إلّا نوعًا من اللعب، رياضة ذهنية ممتعة.
فاليري يحتقر الإلهام ويدوسه. ولا يؤمن إلّا بالعمل، بالصناعة، ولذّته الكبرى ليس في أن ينهي عملًا، بل في استئنافه وإعادة النظر فيه بعد الفراغ من تسطيره. لذّته ليست بالصناعة، وإنّما هي، على حدّ تعبيره، ” بصناعة الموضوع “. ولولا أنّ فاجأه صديقه “جاك ريفيير” سنة 1920 وهو يهمّ بإعادة النظر في ” المقبرة البحرية “، ” ليحذف، ويبدّل، ويتدخّل هنا وهناك “، فانتزعها من يده ونشرها، لما كانت تلك القصيدة الرائعة عرفت الحياة فهي بنظر صاحبها شكل الأشكال ” الممكنة ” للقصيدة التي كانت تختلج في نفسه. كيف كانت تختلج؟: ” صورة توقيعية فارغة، أو مملوءة بمقاطع الحروف التافهة ” !… (13)
بول فاليري لا يأبه للإلهام. فالشاعر يجب أن ينظم ساعة يشاء، بفعل ” إرادته “، لا بفعل سنوح الخاطر.
وهنا يلتقي الشاعر واللاشاعر، يلتقي فاليري وإبن خلدون، على صعيد العمل الكادح. يلتقيان ليفترقا فيجنح إبن خلدون يجرّ وراءه معظم النظّامين، إلى الإرتياض في أساليب الفحول والنسج على منوالهم، ويمضي فاليري في التأمّل والتبصّر بطاقات الكلام، وفي التجريد والهندسة اللفظية حسب نواميس تشبه قواعد الرياضيات، وفي المعادلات المعنوية الخلّاقة، التي قد يكون الغرض الأوّل منها الإبتعاد عن المألوف، تحطيم قالب العبارة التقليدي.
يقول بول فاليري: ” كلّ ما يأتي للدفعة الأولى قابل للإكمال. العفوي ولو ممتازًا، ولو مغريًا، لا يلوح لي أنّه ملكي. “. ويقول في مكان آخر: ” كنت ولا أزال أجد أنّ من غير اللائق أن أكتب بالحماس وحده. الحماس (يعني الإلهام) ليس حالة نفسية للكاتب. ” (14) لماذا؟ لأنّ هدف الكتابة يجب أن يكون الدقّة الكاملة والمتانة الكاملة. يجب أن تتغلّب ” آلة اللغة ” التي يضعها الكاتب على عقبات حقيقية. يجب أن ينقسم الكاتب على نفسه.
وبعبارة أخرى، يريد فاليري أن يكون الشاعر مالكًا نفسه، مالكًا فكره، مالكًا ألفاظه، كابحًا جماح خياله، يسوقه ولا ينساق معه، وأن يعمل التفكير العميق، العقلي الرياضي التجريدي، لإنزال الكلمة منزلتها الفريدة، إبرازًأ لحالة نفسية يعترف أنّها متحوّلة، غير مستقرّة.
وهو يعلم أنّ هناك تناقضًا يجعل الوفاق مستحيلًا بين أن تكون للكلمة، وبالتالي للعبارة، صورتها الفريدة -وعندما نقول الفريدة نقول النهائية – وبين أن تسأل هذه العبارة عن تصوير حالة نفسية متحوّلة، غير نهائية.
يعلم ذلك، ويقدّمه على أنّه مزاجه الشخصي لا ينتصر له ولا يدعو إليه، ولكنّه يعرضه إقرارًا بواقع.
مقدّمته لكتاب الأستاذ جوستاف كوهن – الذي شرح فيه قصيدة ” المقبرة البحرية ” – حاسمة بهذا المعنى. فلا يجب أن نتورّع عن نقل فقرات منها، ولو طالت، لأنّ للموضوع أهمية حاسمة. يقول في مستهلّها:
” لست أدري إذا كان لا يزال مألوفًا طول الأناة في القصائد وتركها بين الوجود وعدم الوجود، معلّقة أمام الرغبة مدّة سنوات، وأن يستثمر الشكّ، والحرص والندامة، حتى يتّخذ العمل (الأدبي) شيئًا فشيئًا بفضل العودة إليه والإعادة فيه، أهمّية مشروع لإصلاح الذات.
” هذه الطريقة لقلّة الإنتاج لم تكن نادرة، منذ أربعين عامًا، عند الشعراء وعند بعض الناشرين. لم يكن للوقت حساب عندهم، كما ليس له عند الله. ولو يكن قد تحطّم صنم الجمال، ولا تهدّمت خرافة الخلود الأدبي. ولم يكن الإعتقاد بالأجيال المقبلة قد زال تمامًا. كان هنالك نوع من أخلاقية الشكل تؤدّي إلى العمل اللامتناهي. والذين كانوا يكرّسون أنفسهم لهذا الأمر كانوا يعلمون أنّه بقدر ما يتزايد النشاط، بقدر ما يقلّ عدد الذين يفهمونه ويقدّرونه. فكانوا يتعبون من أجل نفر قليل، بنوع من القداسة…
” وبذلك يبعد المرء عن ظروف الأدب ” الطبيعية ” أو البريئة، ويصل من حيث لا يشعر إلى أن يخلط بين تأليف عمل فكري، وهو شيء نهائي، وبين حياة الفكر نفسه، والفكر قوة تحول عاملة أبدًا. ويتوصل للعمل من أجل العمل. وفي نظر هؤلاء، هواة القلق والكمال، لا يكون المؤلَّف تامًا أبدًا – فكلمة تام ليس لها معنى عندهم – بل يكون متروكًا. وهذا الترك، الذي يلقي بالعمل الأدبي في النار أو في أيدي الجمهور (وسواء أكان ذلك نتيجة ملل أم تعهّد بالتسليم)، هو بنظرهم نوع من طارئ، شبيه بانقطاع فكرة، يبطلها التعب أو الإنزعاج، أو أي إحساس آخر. ” (15)
ويعترف فاليري بعد ذلك بأنّه، في السن الحرجة التي تتكوّن فيها وتتركّز الشخصية الفكرية، التقط هذا “المرض”، هذا ” الذوق الفاسق” في إعادة النظر الدائمة، التي لا تنتهي، وأنّه، عندما أعادته الظروف، حوالي الخمسين من عمره، إلى التأليف، وجد هذا المرض وهذا الذوق على أشدّ ما يكونان فيه من القوّة. ثم يقول:
” عشت إذن طويلًا مع قصائدي. خلال عشر سنوات تقريبًا، كانت لي هذه القصائد شاغلًا لمدّة غير معيّنة، تمرينًا أكثر ممّا هي عمل، تحريًا أكثر ممّا هي خلاص، صنعًا لنفسي بنفسي أكثر ممّا هي إعداد يتوجّه للجمهور. ويلوح لي أنّ هذه القصائد علّمتني أكثر من شيء.” (16)
ونحن لا نشكّ في أنّ قصائد فاليري، التي عالجها وعالجته خلال عشر سنوات، قد علّمته أكثر من شيء. ولا نشكّ في أنّ ما علّمته من رياضة الفكر والنفس على الصعوبات – وعلى الأخصّ عندما تبلغ الصعوبة درجة الإستحالة – كان له التأثير الكبير في تكوين فكره وشاعريته. ولا نشكّ في أنّ هذه الوضعية تجاه العمل الفنّي هي وضعية قداسة وتقديس، وضعية عبادة. ولا نشكّ في أنّ عرض هذه الأمور على جمهور الأدباء والمتأدّبين من شأنه أن يعيد للأدب حرمته، وللكلمة قداستها، وللفنّ بشكل عام وجهه الأصيل.
ولكن: إذا أخذنا هذه الحالة النفسية – ولا أقول هذه النظرية – قاعدة عامة ودعونا الأدباء، والشعراء بوجه خاصّ، إلى تلبّسها – مع التأكيد أنّ فاليري لا يرغب فرضها على أحد – فماذا نجني منها؟
نجني أحد أمرين: إمّا أن يصرف الشاعر عمره في معالجة أثر واحد – قد يكون قطعة قصيرة من الشعر، بضع أبيات – يتركه ثمّ يعود إليه، تبعًا للحالات النفسية التي تتوالى على المؤلِّف، إلى أن يدركه الموت، فيترك وراءه ركامًا من الأوراق، على سطورها ركام من الكلمات تتزاحم الواحدة مكان الواحدة، ولا يستقرّ بواحدة منها مقام… وإمّا أن يضطر الشاعر، بسبب “طارئ” خارج عن إرادته، إلى “ترك” عمله الفنّي وتقديمه إلى القرّاء.
وفي كلا الحالين لا يكون الأثر الفنّي “نهائيًا”، لا يكون صادرًا بالفعل عن “إرادة” صاحبه، بل يكون “متروكًا”، بسبب “طارئ”، أي خارجي. فأين السيطرة على النفس؟ وأين “الدقّة” و “المتانة” و “الإتقان” ؟ وأين الهرب من “سيطرة الإلهام” إلى سيطرة العقل؟ وأين إرادة بول فاليري من كلّ هذا؟
إذا أخذنا نظرة بول فاليري قاعدة عامّة فاعتنقها جميع الشعراء وطبّقوها تمامًا إنتفى الإنتاج الفنّي أو انقطع حبله – إنقطعت الصلة بين الشعراء والقرّاء – وبقي الشعر نزاعًا في خلد الشاعر ضربًا من “الرياضة النفسية” (بالقياس على “الرياضة الجسدية”)، تقوية “لعضلات” الفكر والروح والخيال بواسطة “حركات” اللسان المختلفة.
نظرة خطرة إذا استنفدت حتى أقصاها، نظرة أكثر من سلبية. إنّها نظرة هدّامة، نافية، كافرة بالفنّ وبالحياة.
أليس لهذا الكفر بالحياة أسباب لاصقة بحياة بول فاليري وإن لم يكن بحياته الشخصية، فبحياة عصره؟ أليس صدىً لانكسار فرنسا ،1871 أي السنة التي ولد فيها فاليري؟ ألم تقوم الجمالية وتنحصر دائرة في نفسها، قبل فاليري غبّ ثورة 1848، وبعد فاليري غب ظفر 1918؟ – في العصور المضطربة، إذ يلوّح النظام للأدمغة الصافية وهمًا مصطنعًا، تنعزل هذه الأدمغة في عالم من صنع وهمها، لتحافظ فيه على القيم الحقيقية للفكر، على الجمالية المطلقة. وهكذا نحن مضطرّون لأن نفسّر عقدة فاليري النفسية بحوادث حياته، وإن كان هو قد ثار على مثل هذه التفاسير وحاول أن يثبّت عدم جدواها. (17)
وكيف يريد فاليري الكمال المطلق للأثر الفنّي، والفنّ عمومًا – والشعر بوجه خاصّ – صورة للحياة، كما يراها الشاعر أو كما يحبّها أن تكون. “إحتفال بالحياة” على حدّ تعبير شاعر البحرين الأستاذ ابراهيم العريض (18).
وطالما الكمال المطلق ليس في الحياة ولا في الشاعر، فكيف نتطلبه في العمل الفنّي، وهو ثمرة زواج الشاعر بالحياة؟
ثمّ – والكلمة مادة الشعر الوحيدة، والكلمة بنت الحياة بعد أن كانت أمّ الحياة – كيف يمكن أن نسلخها من الحياة، وأن نسلخ منها الحياة، حياتها، لنرصفها مدلولًا مجرّدًا في عقد الكلمات المجفّف، ونتركها تتراقص في الخواء، على نغم موسيقاها اللفظية؟ (19)
إنّه لمن الغرابة أن يركّز بول فاليري طبيعة الشعر على أسس محض ذهنية، مخالفة لنواميس الطبيعة.
يريد أن يرقى بالفنّ في معارج التجريد العقلي، ليلمس الحقيقة المطلقة، شأن العلم في اكتشاف نواميسه. ومَن أدرانا أنّ هذا “الرقيّ” إنْ هو إلّا “انحدار” مروّع هيض أجنحة لم تخلق إلّأ للأجواء السحيقة الهائجة، البعيدة عن صفاء الجوهر، المصطخبة بأنواء المرض؟
وهل نجح فاليري في تطبيق نظرته على نفسه؟ هل قتله “المرض” الذي ابتلي به، وهل أفسده “الذوق الفاسق” الذي التقطه يوم كانت شخصيته الأدبية في طور التكوين؟
كلا ! ولو كان ذاك، لما صدر لفاليري كتاب واحد وهو صاحب العشرات من الكتب.
وهل تمكّن فاليري من خنق الإلهام بسيطرة العقل والإرادة؟
كلا ! وكتبه شاهدة عليه. كلّها شعر وإن كان معظمها غير منظوم. كلّها خروج من صحراء الشعر الصافي إلى واحة الحياة النابضة. كلا انتصار للوحي الخلّاق على “شاعر العدم”(20)، للإلهام على الصناعة، في شاعر قضى حياته حربًا على الإلهام، فاستحقّ تسمية “الشاعر على رغمه”(21)، واستحقّ هذا الحكم القاسي: ” بول فاليري شاعر شهيّ عندما يحقق نقيض ذاته “!.(22)
كلّ هذا القلق حيال طريقة التعبير عن المعنى المقصود، كلّ هذا الإضطراب حيال مدلول الألفاظ الحيوي، كلّ هذا الكبح لجماح الخيال، كلّ هذا الكبت لرقّة العاطفة، كلّ هذا التجنّب لموجة الإلهام، كلّ هذا التسلل في عتمة الألفاظ الشفّافة… كلّه في نظري، تحت ستار الثورة على العناصر النثرية في الشعر، تحت ستار التجريد لاكتشاف الحقيقة العارية… كلّه خوف وهلع وذعر من تهمة التوجيه، من تهمة الشعر التعليمي، من تهمة الأدب الهادف كما نقول اليوم.
ومع ذلك، فلم يخلص بول فاليري من تهمة الأدب الهادف. فقد دعي “شاعر العدم” وقد دعي “شاعر الذكاء المفجوع”(23) وقد دعي شاعر المعرفة، ولكنّه قبل كلّ شيء داعية الإنعزال الفكري، في نغم اللفظ، والتأمّل الصوفي، على نغم اللفظ.
وإذا كان لم ينجح في دعوته – ولحسن حظّ الشعر – فذلك يدلّ:
– على أنّ الحياة أقوى من العدم
– على أنّ الإنسلاخ من الحياة رجوع إليها وتمجيد لها
– على أنّ الفنّ وليد الحياة ولو ثار عليها
– على أنّ الحياة لا تنجب إلّا الحياة.
وإذا كان بول فاليري قد بدأ كردّة فعل على الحياة النابضة في شعر الرومانطيكيين – مهما كانت عكره – فقد انتهى كردّة فعل على نفسه، وأرانا، بهذه الحلقة المفرغة التي رسمتها خطاه، في صحراء الشعر الصافي، أنّ لا صحراء بلا واحة، وأنّ لا بدّ لقاطع الصحراء من اللجوء إلى الواحة كلّما هبّ عليه هبوب الظلال الندي.
وأرانا بالنتيجة أنّ الإلهام، أنّ القوّة الخلّاقة إنّما هي قوّة خارقة، خارجية، تفرض على الشاعر، فإذا سدّ عليها الآفاق بسور كسور الصين، قفزت إليه من الأعالي أو تسرّبت من خروق الرتاج !
بول فاليري أكبر مثل يمكن أن يُعطى على أنّ الشاعر، بالنسبة إلى الشعر، منفعل لا فاعل!
———–
إلى أي درجة يكون الشاعر منفعلًا، بالنسبة إلى الشعر؟ وبتعبير آخر، كيف يتفاعل الإلهام والصناعة؟
هنا، أيضًا، أغرق المغرقون.
الشاعر اللبناني الياس أبو شبكة، الذي فقدناه منذ سنوات، يختصر نظرية المعتمدين على الوحي، أولئك الذين حاربهم بودلير، ومن بعده فاليري. يقول في مقدّمة “أفاعي الفردوس”:
” وقال فاليري أيضًا أنّ الشاعر الموهوب مَن يختار اللفظة الصالحة لإحداث الرعشة النفسية وإحياء العاطفة الشعرية.
“على أنّ الشاعر الحقيقي لا طاقة له على اختيار اللفظة فله من شعوره الزاخر ما يصرفه عن هذه الألهية. وعندي أنّ الشعر ينزل مرتديًا ثوبه الكامل، وهذا الثوب جزء من الشعور لا يتجزّأ، وقدرما تكون ثقافة الشاعر من الرقيّ والذوق الموسيقي في روحه يكون البيان راقيًا في شعره. وهذه اللفظة التي يريدنا بول فاليري على أن نختارها تتكاتف العناصر الروحبة فينا على اختيارها، فلا تكلّفنا هذا العناء، أو تصرفنا عمّا تراه بصائرنا خلال الأحلام والرؤى. فكلّ ما يكتسبه المرء يصهره جوهر نفسه القدرة الخارقة، فيصير عضوًا فيه.”(24)
الشعر، بنظر الياس أبو شبكة – وآخذ هذا الشاعر ممثلًا لنظرية – “ينزل مرتديًا ثوبه الكامل”. لا تنقيح إذن، ولا تهذيب، ولا صقل ولا إعمال روية لأن اختيار الألفاظ “تتكاتف العناصر الروحية” عليه، بمعزل عن الشاعر الذي يجب أن يبقى منصرفًا إلى ما تراه بصيرته “خلال الأحلام والرؤى.” وفي ذلك نقيض ما قدّم بول فاليري من أنّ حالة الشاعر الحقيقي بعيدة كلّ البعد عن حالة الحلم، وأنّها تحرّيات بفعل الإرادة.(25)
هذه نظرة في الإلهام، تقرّر نتائجه وتحاول التفسير. ولكن أروع وصف للإلهام كلمحة إلهية، ولفعله في النفس، نجده عند نيتشه، فيلسوف القوّة. سأحاول أن أنقله إليكم، بغطرسته العصبية، بجنونه المفتعل، ولو كلّفني ذلك أن أخرج بعض الشيء عن روح اللغة العربية في سمت عبارتها. قال نيتشه:
” هل لأحد، في نهاية هذا القرن التاسع عشر، فكرة واضحة عمّا كان الشعراء، في عصور الإنسانية الضخمة، يسمّونه الإلهام؟ إذا لم يكن فسأقول من هو الملهم. قليلًا ما قلّ احتفاظ المرء في نفسه بأقلّ ذرّة من الخرافة، فلا يمكنه بالحقيقة أن يدفع عن نفسه أنّه ليس إلّا تجسدًا ناطقًا بلسان، وسيطًا لقوىً عُلوية. إنّ كلمة وحي – إذا فهمت بمعني أنّ “شيئًا” يتجلّى بغتة لنظرنا أو لسمعنا، بدقّة لا توصف، وبنعومة لا يحوكها الكلام، “شيئًا” يهزّنا، ينفضنا حتى صميم كياننا – لهي التعبير عن الواقع الصحيح. يسمع (الملهم)، لا يفتّش. يأخذ دون أن يتساءل مِن أين يأتي العطاء. يتفجّر الفكر فجأة كالبرق، لازمًا، دون تردّد أو تنقيح. – لم يكن لي يومًا أن أختار. إنّها حالة سحرية تنفرج فيها نفسنا الشديدة التوتّر بسيل من الدموع حينًا، وتنتقل في خطانا، دون أن نقصد، طورًا مسرعة وطورًا مبطئة. إنّها نشوة تسلبنا كاملًا من أنفسنا، تاركةً لنا إحساسًا واضحًا بألف ارتجاف ناعم (وهذه الإرتجافات) تجعلنا نهتزّ بكلّيتنا حتى طرف إبهام القدم. إنّها امتلاء من السعادة حيث الألم الأقصى والذعر لا يُستشعران كأنّهما نشوز، بل كأنهما جزءان لا يتجزّءان ولا غنى عنهما، كفارق لازم في حضن هذا الخضمّ النوراني. إنّها غريزة الوزن تضم عالمًا من الأشكال. (عظمة الوزن الواسع، والحاجة إليه، تكاد تكون مقياس قوّة الإلهام. وكأنّها تعويض عن زيادة الضغط والتوتّر). كلّ هذا يجري دون أن يكون لحرّيتنا فيه أي نصيب. ومع ذلك فنحن مأخوذون، كما في زوبعة، بشعور تملؤه سكرة الحرّية، والسيادة، والسلطة الكلية، والألوهية. وأغرب ما في الأمر هي صنعة الوجوب التي بها تفرض الصورة نفسها، والاستعارة. ويلوح لك أنّ العبارة الأكثر ملائمة (لطبيعة الموضوع)، الأصحّ، الأسهل، هي التي تتقدّم إليك. ويخال المرء بالواقع، حسب كلمة زاراتوسترا، أنّ الأشياء نفسها تأتي إلينا، راغبة في أن تحوّل رموزًا. (” وكلّ الأشياء تهفو، بمداعباتها السراع، لتجد لها محلًا في خطابك. وهي تبسم لك، متملّقة، لأنّها تريد أن تطير وأنت تحملها. على جناح كلّ رمز تطير أنت نحو كلّ حقيقة. من أجلك تنفتّح من تلقاء نفسها جميع كنوز الكلمة. كلّ كائن يريد أن يصير كلمة. كلّ مصير يريد أن يتعلّم منك الكلام “).
وينتهي نيتشه، على عادته، بهذا الإعتزاز المتحدّي: ” هذه تجربتي في الإلهام. ولا أشكّ في أنّه يجب أن ترقى آلاف السنين إلى الوراء لنجد واحدًا يحقّ له أن يقول: وهذه تجربتي أيضًا.” (26)
لم أتمكّن من الإستغناء عن عبارة واحدة من هذا الوصف الرائع، لا لروعته وحسب، وإنّما لأنّ فيه من التسلسل التحليلي ما يجعل كلّ عبارة منه بمثابة ومضة من ومضات الإلهام، أو عصفة من عصفاته.
وليس يهمنا هنا أن نحلّل النفس الإنسانية إذ تكون تحت تأثير القوّة الخارقة، ولا أن نبدي رأينا بالصورة التي رسمها نيتشه. فذلك خارج عن موضوعنا. وتجارب الصوفيين في هذا الصدد أكثر من أن تعدّ.(27)
وإنّما يهمّنا من تجربة نيتشه “صفة الوجوب” لما يفرض عليه من الصور والإستعارات. وتهمّنا تلقائية العبارة وهي أشدّ ما تكون ملائمة وصحّة وسهولة. ويهمّنا فقدان الحرّية في الإختيار، مع شعور الشاعر أنّه ينعم بغمرة من الحرّية الشاملة، بحيث يصبح الألم الأقصى والذعر عنصرين مكمّلين لا عنصري نشاز.
إذا صدق نيتشه في وصف حاله – وآخر ما يهمّنا في هذا البحث أن نعلم مبلغ صدقه من كذبه – فتلك حال المختارين الأصفياء. تلك حال كبار الملهمين، الذين إذا نفضهم رسيس حمى الخلق، غرقوا في ذهول يخدّر جميع حواسّهم السطحية، لتستفيق النفس العميقة، ويسمع صوتها في صفاء السكون. وعلى درجات متفاوتة، تلك حال جميع الفنّانين، جميع الخلّاقين، جميع الآلهة – البشر!
ولكنّي لا أجد مع ذلك تناقضًا بين حالة الإلهام وبين تهذيب الشعر أو تنقيحه. والتنقيح إنّما هو اختيار اللفظة. وقد تكلّم نيتشه في حديثه الطويل عن “تفجر الفكر” وعن “غريزة الوزن” وعن صفة الوجوب التي تفرض الصورة والإستعارة، وتكلّم عن سهولة مجيء العبارة الطبيعية الصحيحة السهلة، ولكنّه لم يتحدّث عن الألفاظ ولم يقل أنّ كلّ لفظة من ألفاظ العبارة تأتي عفوًا وتحتلّ محلّها فلا تتركه بعد ذاك لسواها.
وطبيعة اللغة وطبيعة الشاعر تنكران هذه العفوية المزعومة بثوبها الكامل وتناكراتها. فاللغة محيط ألفاظ، يحفظ منها الشاعر قسمًا كثر أو قلّ، ويجهل القسم الباقي. ومهما اتّسع نطاق محفوظه، فنطاق الحياة أوسع. وكثيرًا ما يضطرّ الشاعر كسواه، – وليس له هنا ميزة الإلهام على سواه، لأنّه ملهم بالنسبة إلى الشعر لا بالنسبة إلى اللغة – كثيرًا ما يضطرّ إلى التفتيش عن لفظة لا يعرفها تؤدّي معنى يجول في نفسه حالةَ الإلهام. بل كثيرًا ما يضطرّ إلى مراجعة القاموس، ليحقّق معنى لفظة يحفظها ولا يعلم معناها بالضبط.
وفي لغة كاللغة العربية، غنية بالمفردات إطلاقًا، ثريّة بالمترادفات، مشحونة بالأضداد، مترفة بالكلمات ذوات الحدّين، زاخرة بمصادر الأفعال، ثرّةٍ بصيغ الجمع، غزيرة بحالات التثنية، مدرارة بصور المجاز، مري بأنواع الإشتقاق، كأنّ كلّ كلمة من كلماتها شعاع أصيل، إذا اخترق منشور الإستعمال خرج منه وهو أشعة عديدة متعدّد الألوان، – في لغة كاللغة العربية، هي أصلًا مجموعة لهجات لمجموعة قبائل، عمل فيها مقصّ الزمان تشذيبًا وعملت فيها أصابع الإنسان تهذيبًا، وأظلمت فيها كلمات واستنارت كلمات، على دورة شمس الفكر اللولبية الصاعدة، – في لغة كاللغة العربية (وليست العربية وحدها بمثل هذه الصفات) يستحيل إستحالة قطعية على المرء، ولو كان إبن منظور صاحب لسان العرب، أن يجد اللفظة اللازمة دون أن يتحرّاها.
فإذا قال لنا “نيتشه” أو سواه أنّ الإلهام يلقن ويملي، وأنّ الشاعر في ذلك منفعل لا فاعل كالآلة اللاقطة، أجبنا أنّ الإلهام لا يلقّن الشاعر إلّا ما يعرف الشاعر، ما هو في قرارة نفسه العميقة. الإلهام كشف. وليس من الممكن أن يكشف ما ليس موجودًا. ما يشكف الإلهام للشاعر – بالقوّة والضرورة والوضوح التي وصفها نيتشه – إنْ هو إلّا حقيقة شعرية يبقى على الشاعر أن ينقلها من قرارة نفسه إلى القرّاء، من لغة الإلهام إلى لغة قومه.
جميع الذين يتحدّثون في هذا الموضوع يغالون، لا سيما إذا تحدّثوا عن تجربتهم الخاصّة وذلك أمر طبيعي، بشري. والدليل العملي، على هذه المغالاة، في شاعرنا صاحب “أفاعي الفردوس”، في الفرق بين قوله وعمله. يحدّث عنه صديقه الشاعر رشدي معلوف فيقول: ” وكتب الياس، في الشعر وفي النثر، فنحت أحيانًا، وانطلق أحيانًا، ولكنّه أحسّ دائمًأ، وأخلص دائمًا.” ويحدّثنا عنه صديقه فؤاد حبيش الذي لازمه حقبة طويلة من حياته، وهي حقبة الإنتاج الفنّي والألم العاطفي، فيقول: ” وأذكر أنّه (أنّ أبا شبكة) قال لي يومًا من أيام سنة 1931، في أثناء حديث عن “غلواء”: لو تعلم ما قاسيت في خلق هذه القصيدة ! فقد هدمت نشيديها الأول والثاني مرّتين، وأعدت نظمهما من جديد. وأنا مرتاح الآن إلى أنّ وحدة المبنى قد اقترنت بوحدة المعنى والجوّ.”
بل إذا عدنا إلى مفكّرة الياس أبي شبكة، وجدنا بخطّ يده أنّه نظم قصيدته “القاذورة” وهي مؤلّفة من واحد وخمسين بيتًا، في ستّ جلسات، خلال سبعة عشر يومًا، وأنّه كان ينظم أربعة أبيات في جلسة، وثلاثة في ثانية، وستّة في ثالثة (28)… فما هذا الوحي المتقطّع؟ أليس من الأقرب إلى الصواب أنّ الشاعر كان ينقّح ويتأنّى بالتنقيح؟ ومن قرأ “القاذورة” يرى فيها الآثار الظاهرة لهذا التنقيح الشديد. والذي يهدم، نشيدين طويلين من ملحمة لينظمهما مرّتين متتاليتين، متوخّيًا وحدة المبنى ووحدة المعنى، لا يحقّ له بعد ذاك أن يزعم لنا أنّ الشعر ينزل في ثوبه الكامل!
———–
الإلهام حقيقة لا ريب فيها. لا يخلقها محفوظ إبن خلدون ومراسه، ولا يخنق صوتها بول فاليري. ولكن الإلهام لا يتكلّم العربية، ولا الألمانية، ولا الفرنسية، ولا أيّة لغة من لغات الأرض. الإلهام إنفتاح نفسي على حقيقة فنّية، إنفتاح سريع كلمح البصر، لذلك يقول شوبنهاور: ” القبض على الإلهام وهو طائر، وإعطاؤه جسمًا في الشعر، ذلك عمل الشعر الوجداني.”(29)
بل ذلك هو عمل الشعر إطلاقًا، وجدانيًا كان أو مسرحيًا أو بطوليًا، إلّا إذا كان شوبنهاور قد أخذ كلمة “وجداني” بمعناها الفلسفي لا بمعناها الأدبي، وعند ذلك يصبح كلّ شعر وجدانيًا، ونلتقي.
في هذه العبارة الخاطفة، كخطف الإلهام، جواب على المغالين في وصفه، في وصف تلقّنه، وإلماعٌ إلى وجوب تلقينه. الشاعر هنا منفعل فاعل. منفعل يتلقّى الإلهام، يتلقّنه، وفاعل “يعطيه جسمًا في الشعر”، يلقّنه. يعطيه جسمًأ – أي يكتبه، ينظمه، يصف الكلمات التي تعبّر عنه، في عقد العبارة، ويرصف العبارات مداميك في بناء القصيدة، ناهيك عن الوزن والقافية، وقواعد الصرف والنحو، وتركيز الفكرة والصورة والرمز والخيال… كلّ ذلك من أعمال الوعي المسيطر، بعد أن تكون قد انطفأت شرارة الإلهام وتركت من ضيائها في نفس الشاعر ضياء.
وهكذا، بين الإلهام والصناعة، بين الوحي والفنّ، بين أن تنفتح نفس الشاعر بفعل قوّة خارقة، لحقيقة عليا، وبين أن ينصبّ الشاعر بعد ذاك بملء نشاطه الفكري والعقلي ليؤدّي هذه الحقيقة ويلبسها “ثوبها الكامل”… لا يوجد أيّ تناقض.
بل على العكس تفاعل وتوحّد وإخصاب، زواج بأشرف معنى الكلمة !
دراسات ذات صلة:
سليم حيدر “الشاعر الفيلسوف” في ملحمة “الخليقة”
كتب ذات صلة:
في الشعر العربي : سحر النصوص، المقاربات والمسرّات والمضاعفات
الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في الشعر بالأصل في خمسينيات القرن الماضي.
سليم حيدر (1911-1980): الشاعر، الأديب، القاضي، الوزير والنائب سليم حيدر هو إبن مدينة بعلبك شرق لبنان. حاز إجازات متنوعة من الجامعات الفرنسية في الحقوق والآداب، وتشتمل على شهادات في علم الأخلاق وعلم الاجتماع من كلية الآداب في باريس، وشهادتين في الأدب الفرنسي وعلم النفس من كلية الآداب في جامعة مونبيليه، دبلوم في العلوم السياسية، دبلوم العلم الجنائي من معهد علم الجناية، ودكتوراه في الحقوق من كلية الحقوق في جامعة باريس بتقدير جيد جدًّا. فور عودته إلى لبنان، تولّى مناصب في القضاء: قاضٍ في محكمة جبل لبنان البدائية، ثمّ مدعٍ عام، قاضي تحقيق في محكمة بيروت البدائية، ثم رئيس المحكمة، مستشار في محكمة الاستئناف في بيروت. عُيِّن كأول سفير للبنان في إيران وأفغانستان (1946-1952)، وشغل منصب السفير اللبناني في المغرب (1958-1962 )، ثم الاتحاد السوفياتي (1963 -1966). شغل مناصب عدة في الحكومة اللبنانية بين الأعوام 1952 و1955، فكان وزيرًا للتربية الوطنية، والصحة، والشؤون الاجتماعية، والبرق والبريد والهاتف، والزراعة. مثّل الشعب في مجلس النواب نائبًا عن قضاء بعلبك – الهرمل في دورتي 1953 و1968، حيث ترأّس لجان التربية والعدل والخارجية، وكان لقبه لغويّ المجلس وأديبه.
الهوامش:
(1) مقدّمة إبن خلدون ص 554
(2) المقدّمة ص 578
(3) المقدّمة ص 570
(4) المقدّمة ص 570
(5) المقدّمة ص 562
(6) و (7) المقدّمة ص 497
(8) المقدّمة ص 574
(9) المقدّمة ص 575
(10) المقدّمة ص 574
(11) المقدّمة ص 98
(12) المقدّمة ص 10
(13) بول فاليري Variete III ص 55 وما يليها
(14) فاليري، المرجع السابق، ص 176
(15) فاليري، المرجع السابق، ص 55 و 56
(16) فاليري، المرجع السابق، ص 56
(17) فاليري، المرجع السابق، ص 37
(18) ابراهيم العريضي: الأساليب الشعرية. دار مجلة الأديب. ص 26-69
(19) قال بول فاليري: ” أتحسب من جميع الكلمات. لأنّ أقلّ تأمل يظهر حمق الثقة بها.”
Andre Rousseauxراجع
Ames et Visages du XXe Siecle
(20) أندره روسو – المصدر ذاته – ص 131
(21) الأبّ بريمون – الشعر الصافي – ص60. – روبيرد، سوزا: نقاش في الشعر. نفس المجلد 207
(22) روبيرد، سوزا. المصدر ذاته ص224
(23) أندره روسو. المصدر نفسه ص 131
(24) الياس أبو شبكة. مقدّمة أفاعي الفردوس. ص 14
(25) فاليري. المصدر ذاته. ص 56
(26) نيتشه في كتابه ” من الجهة الثانية للخير والشرّ ” فصل الإلهام
(27) راجع الصلاة والشعر ” للأبّ بريمون ” ص 79-167
(28) راجع أقوال رشدي معلوف وفؤاد حبيش وما جاء في مفكرة أبي شبكة في كتاب: ” الياس أبو شبكة. دراسات وذكريات “. منشورات دار المكشوف. الصفحات 134 و 152 و 206 وما يليها
(29) شوبنهاور: أفكار ومقاطع. ترجمة وتقديم ح. بوردو ص 158
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



