مقدمة

اسْتوَت اللسانيات (The Linguistic/Le Linguistique)‏[1] منذ نهاية القرن العشرين علْمًا قائمًا بذاته، له أسسُهُ وقواعدُه وقوانينُه ومجالاتُه. وتكاد كل العلوم تمتُّ إلى اللغة بسبب بدْءًا من علم تحليل الخطاب إلى إلى علم التّأويل (الهرمنيوطيقا) إلى جميع فروع العلوم الإنسانية (الفلسفة، علم النّفس، علم الاجتماع…) لكنَّ المؤَكَّدَ أنّ هذا العلمَ لم ينشَأْ من فراغٍ ولمْ ينبثق من عَدَمٍ ولم يكُن مجرّدَ طفْرةٍ طفتْ على السّطْحِ من دون سابق تجارب تسنده وتؤازره وتعضده، مهَّدتْ له الطريقَ حتّى استوى علْمًا قائمًا على سُوقِه.

وقدْ كان لعلماء الإسلام مشاركةٌ فعَّالةٌ في انبثاق هذا العلم وبلورته لاتِّصاله بالمصدر الأوّل في الإسلام، ونعني بذلك قطْعًا القرآنَ الكريمَ. ونحن إذ نكتبُ عن مساهمة العلماء المسلمين في مثل هذه الدّراسات فإنّنا لا نبغي من وراء ذلك إبداء تلك النظرة المدحية التقديسية التي تتغنَّى بأنّ أسْلافنا كانت لهم اليدُ الطُّولى في جميع الميادين الحياتية بعامّة والعلمية بخاصّة، وإنما غايتُنا تتمثّل بإبراز ما لهمْ حتّى نتّخِذها لبناتٍ نروم استغلالها – كما نستغلُّ ما وصلتْ إليه البحوثُ والدّراساتُ الحديثةُ – لنقيمَ صرْحَ مستقْبلنا على أُسسٍ صلبةٍ ثابتةٍ من دون أنْ نقْطعَ صلتنا بماضينا وهويتنا، ونساهمَ مثل بقية الشعوب بدورنا في النُّهوض بالحضارة الإنسانية كما فعل أسلافنا تحت ظِلِّ رايةِ الإسلام، فلا نبقى عالةً على الآخرين ونُضْحي مجرّدَ مستهلكين لما يروّجُ من معارفَ.

وليست اللغةُ من القوالبِ الجامدةِ المُغْلقَةِ، بل إنّها تسايرُ الحياةَ في تغيُّرها وتجدُّدها لذلك نقِف على استحْداث كلمات جديدةٍ عند كلِّ اختراعٍ جديدٍ أو حدوث ظاهرةٍ لم يكُنْ لنا بها عهْدٌ، فاللغة إذَنْ كائنٌ حيٌّ لا يستقِرُّ على حالٍ واحدةٍ بل تدور مع الحياة. ولا تقْتصِر الوظيفةُ اللغويةُ على كونِها وظيفةً عضويةً (أصْوات وحروف تُنْطَقُ ولها مخارجُ محدَّدة) بل هي كذلك وظيفةٌ عقليةٌ وحضاريةٌ[2]، حتّى إنّ بعض الدّارسين عدَّ ظهور اللغة عند الإنسان بمثابة فجْرِ الحضارة الإنسانية، فلم يصبح الإنسانُ سيِّدَ العالمِ إلَّا لأنّه قد استطاعَ أنْ يُقيمَ بينه وبين العالم شبكةً من الكلمات تمثِّلُ «وسائطَ» (Médiations/Mediations)، فاللغة هي التي أتاحت للإنسان تحديدَ الأشياء وتوضيحَ الأفكار التي تخالجه عن تلك الأشياءِ. وتلك لَعَمْري ميزاتُ الإنسان عن سائر الكائنات، لأنّ اللغةَ مرتبطةٌ وثيقَ الاتباط بالعقل والتفكير.

أولًا: دوافع التفكير في الظاهرة اللغوية
في الحضارة الإسلامية

تميَّزت الحضارةُ العربيةُ الإسلاميةُ بسمةٍ فارقةٍ تتمثَّلُ بأنَّها أوْلَت اللغةَ أهميةً بارزةً وأعطتها القيمة المركزيةَ. وهي في الحقيقة ظاهرة موغلة في التّاريخ ضاربة في القِدَمِ[3]، غذّاها الإسلامُ عندما نزلَ مساوِقًا لهذه النّزْعةِ وذلك بإعْطائه الكلمةَ/اللفظَ[4] المكانةَ الرئيسيةَ وهذا ما استقرَّتْ عليه آراءُ المفكِّرين منذ فجْر الحضارة الإسلامية وفي مقدّمتهم الجاحظُ[5] (159 – 255 هـ) في رسائله والقاضي عبد الجبَّار (320؟ – 415 هـ)[6] الذي قال: «… وعلى هذا الوجْه أجْرى الله تعالى عادةَ الرّسولِ (ص) في أنْ خصَّه بالقرآن الذي هو مُشَاكِلٌ لصناعتهم وطريقتهم غيرُ خارج عن الأمْرِ الذي يَشتدُّ به اهتمامُهمْ ويَقْوَى له افتخارُهم، وتَظْهَرُ فضائلُهم ومحاسنُهم لكيْ تقِلَّ الشُّبَهُ للْعَارِفِ المقدَّمِ فيعرِفَ اضطرارَ المباينة .. ولأنّ وجهَ الإعجازِ فيه لا يتغيَّرُ كما أنّ شريعتَهُ لا تزُول على الأوقاتِ»[7].

وبعْد أنْ تقدَّمت الفتوحاتُ الإسلاميةُ، وتَوَسَّعتْ رقعةُ الوطنِ الإسلاميِّ واختلطت الأجْناسُ المختلفةُ الوافدةُ مع العربِ متَّحِدةً في الدِّين متباينةً في اللغةِ، إذَّاكَ خُشِيَ على العربيةِ لغةِ القرْآنِ من الفسادِ واللحْنِ[8] الذي يعْني صَرْفَ الكلامِ عن سَنَنِه (نهجه – طريقته) الجاري عليْه إمَّا بإزالة الإعْرابِ أو التصحيفِ وهو مذمومٌ، وذلك الأكْثُرُ استعمالًا وهو ما سيؤدِّي – إنْ تواصلَ الأمرُ – إلى استِحالةِ فهْمِ القرآن الذي نزل بلغة عربيٍّة فصيحة: (بلِسانٍ عربيٍّ مبينٍ)[9]. لذلك اتَّجهتْ جهودُ اللغويين إلى ضبْطِ اللغة العربية وتقْنينِها في منظوماتٍ حتّى يسْهُل على المتعلِّمينَ أخْذُها والإلمامُ بها؛ «فكان من ذلك جميعُ تراثهم اللغويِّ في النّحْو والصّرْفِ والأصواتِ والبلاغة والعَروض… ولكنّهمْ تطرّقوا إلى التفكيرِ المجرّد في الكلامِ منْ حيْثُ هو كلامٌ أيْ في الظاهرة اللغوية كونيًّا»[10]. فكما جاء جلِيًّا في هذا الشاهد لم يكتفُوا بوضعِ نظام اللغة بضبط حدودِها وحصْرِ قواعدِها، بل تجاوزوا ذلك إلى الحديث عن حدِّ اللغة فقال ابن الحاجب[11] في مختصره: «حدُّ اللغة كلُّ لفظٍ وُضِع لمعنى»[12] وقال الأسْنوي[13] في شرح منهاج الأصول: «اللغاتُ عبارةٌ عن الألفاظ الموضوعة للمعاني»[14]، وخاضوا في بيان واضع اللغة: «أتوْقِيفٌ هي ووحْيٌ، أمْ اصطلاحٌ وتواطُؤٌ»[15] وغيرها من المسائل التجريدية النَّظرية حتّى بلغوا أدقّ الجزئيات وأجلَّ الموضوعاتِ، وتعدَّوْا كلَّ ذلك إلى ما هو أهمَّ: «ولئنْ ورد ذلك جُزْئيًّا في مُنْعطفاتِ علوم اللغة العربية وخاصّةً عندما فلسفُوا منشَأَ نظامها وقواعدَها فوضعوا علم أصول النحو، فإنهم دوّنوا ذلك خصوصًا في جداولِ تراثهم الآخر غير اللغوي أساسًا»[16]، وهذا يفسِّرُ بكلِّ جلاءٍ أنَّ العربَ لم يتَّجهوا في أبحاثِهمْ إلى: «علمٍ تقنيٍّ منطلقُه وغايتهُ نظام اللغة العربية في حدِّ ذاتها لا غير»[17] كما ذهب إلى ذلك بعض الدّارسين – جهلًا أو تجاهُلًا – أو أنهم لم يجَشِّموا أنفسهم عناءَ البحث المعمَّق ومشاقَّه، ذلك أنّ اهتمامَ علماء الإسلام لم ينصبَّ إلى معرفة قواعد النحو والصّرف والبلاغة وعلم العروض فحسب… بل تجاوزَ اهتمامُهم ذلك إلى تقصِّي الفلسفة التي تصدر عنها اللغة فلم يتحدَّثوا مثلًا عن ظاهرة الإعراب بل تجاوزوها إلى الحديث عن: «سرّ صناعة الإعراب»[18]. لكنَّ المعضلةَ أنّ تفكيرَهم في الظَّاهرة اللغوية لم يَرِدْ في أبحاثٍ متخصّصةٍ مستقلَّةٍ وكتبٍ جامعة ممَّا يَسهُل علينا أخذُهُ وتتبُّعُه، بل ورد مبثوثًا وموزَّعًا في بحوثٍ بعيدة كلَّ البُعْدِ عن البحوث اللغوية – في أغلب الأحيان – مثل الموسوعات والرّسائل الكلامية والفلسفية وكتب التفسير … فأيْن يتجلَّى هذا الفهمُ؟

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 549 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

عز الدين بلقاسم كِبْسي: أستاذ مبرّز، وباحث من تونس.

[1] تُرْجِمت العبارة في اللغة العربية ترجمات عدّة منها: الألْسُنية، اللسانيات، اللسْنيات، علم اللغة، علم اللسان، فقه اللغة…

[2] اللغة هي هوية الشعب والعلامة الفارقة التي تميِّزه عن غيره وتعكس مدى تطوّره وتكشف عن جوانب حياتية كثيرةٍ من خلالها نحكم على مدى تطوّرهِ وما بلغه من رُقِيٍّ، لأنّها ببساطةٍ تعكِسُ فكْرَ الشّعْب وثقافته ودرجة وعْيِه.

[3] احتفال العرب في الجاهلية بالشعر والخطابة وتبويئهم الشعراءَ والخطباءَ مكانةً سامقةً في مجلس القبيلة مع عِلْية القوم، وكانوا إذا نبغ فيهم شاعرٌ أقاموا الاحتفالات وجاءت القبائل لتهنئتهم. نتذكَّر المكانةَ البارزة التي حظيتْ بها المعلقات حتّى علقوها بأستار الكعبة تخليدًا لها وتعظيمًا لقدْرِها.

[4] الكلمةُ: الكَلْمُ التأثيرُ المُدْرَكُ بإحدى الحاسّتيْنِ، فالكلام يُدْرَكُ بحاسّة السّمع والكلْم مدركٌ بحاسّة البصر «والكَلِمُ (ج. كلمة) الأصيلُ كأرْعَب (كأوسع) الكَلْمِ (جراحات)». فالكلام يقع في الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتها مجموعةٌ (الإصبهاني، المفردات في غريب القرآن).

الكلمة هو اللفظُ الموضوعُ لمعنى مفرد. كلمة الحضرة إشارة إلى قوله «كُنْ» (البقرة: 117) فهي صورة الإرادة الكلية (الجرجاني، التعريفات).

كلم: القرآن كلام الله وكلماته وكلمته، وكلامه لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ، وهو غيرُ مخلوقٍ. وفي الحديث «أعوذ بكلمات الله التّامّات» قيل هي القرآن …ابن سيدة الكلام القول وقيل الكلام ما كان مكتفيًا بنفْسِه، وهو الجزء من الجملة (ابن منظور، لسان العرب).

[5] أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (159 – 255 هـ)، إمام من أئمّة الأدب العربي في العصر العبّاسي. ولد في البصرة، وكان معتزليًّا. تميَّزَ بغزارة إنتاجه وبأُسلوبٍ في الكتابة فريدٍ، إذ كان يزاوج في كتابته بين الجِدّ والهزل بما يُسْبِغه عليه من روح الدّعابة، حتّى لا يُثْقِل على القارئ. ألَّف كتاب الحيوان والبيان والتبيين والبخلاء والرسائل …

[6] القاضي عبد الجبَّار (320؟ – 415هـ) أبو الحسن الأُسْدَبادي المعتزلي. لُقِّبَ بشيخ القضاةِ في عصره وكان رأسَ المعتزلة في زمانه من أشهر كتبه موسوعتُهُ المغني في أبواب التّوحيد والعدل وهو يضمُّ مباحثَ جليلةً كثيرة في التّوحيد والفقه.

[7] القاضي أبو الحسن عبد الجبّار، المغني في أبواب التّوْحيد والعدْل، ج 16: إعجاز القرآن، قوّم نصه أمين الخولي (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، 1960)، ص 205 – 206. [انظر كذلك: عبد الكريم الخطيب، إعجاز القرآن: الإعجاز في دراسات السّابقين، ط 2 (بيروت: دار المعرفة، 1975) ص 234].

[8] جاء في المقدّمة لابن خلدون: «فلمّا جاء الإسلامُ وفارقوا الحجازَ لطلبِ المُلْك الذي كان في أيدي الأممِ والدّول وخالطوا العجمَ، تغيَّرتْ تلك المَلَكةُ بما ألْقى عليها السّمع من المخالفات التي للمتعرِّبين من العجم. والسّمْعُ أبو الملكات اللسانية، ففسدتْ بما أُلْقِيَ إليها ممَّا يُغايرها لجنوحِها إليه باعتياد السّمع. وخَشِيَ أهلُ العلوم منهم أنْ تفسُدَ تلك الملكةُ رأْسًا ويطول العهدُ بها، فينغلقَ القرآنُ والحديثُ على المَفْهومِ، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانينَ لتلك الملَكة مُطَّرِدةً شبه الكلِّيات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويُلْحِقون الأشباه بالأشباه» (ص 1056 – 1057).

[9] القرآن الكريم، «سورة الشعراء،» الآية 195.

[10] عبد السلام المسدّي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، ط 2 (تونس؛ ليبيا: الدّار العربية للكتاب، 1986)، ص 24.

[11] عثمان بن عمر بن أبي بكر (ت 1249 م) نحويٌّ مصريٌّ من أئمّة اللغويين وفقيه مالكيٌّ من كتبه الكافية في النّحو والشافية في الصّرْف.

[12] عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، المُزْهر في علوم اللغة وأنواعها، شرح وتعليق محمد جاد المولى ومحمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي (بيروت: المكتبة العصرية، 1986)، ص 8.

[13] جمال الدّين أبو محمد عبد الرّحيم بن حسن (704 – 772 هـ/1305 – 1370م) فقيه وأصولي شافعي وعالم من علماء العربية.

[14] المصدر نفسه، ص 8.

[15] المصدر نفسه، ص 8.

[16] المسدّي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص 24.

[17] عبد السّلام المسدِّي، الفكر العربي والألسنية، سلسلة الدراسات اللسانيات؛ 4 (تونس: الجامعة التونسية، 1979)، ص 31.

[18] عنوان كتاب مشهور لابن جنِّي، دراسة وتحقيق الدكتور حسن هنداوي.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز