مقدمة

لا تزال النخب الحاكمة على امتداد تاريخها تحافظ على مكانتها المحورية في صدارة النظم السياسية العربية. وقد تضاعفت هذه الأهمية بعد قيام ثورات عام 2011، لأن النخب الحاكمة منذ ذلك الحين أصبحت تمثل عاملًا محوريًا لتحقيق التغيير الذي نادت به هذه الثورات نظرًا إلى ما تمتلكه النخبة من سلطة وإرادة سياسية تمكنها من حشد الجماهير وتهيئة المناخ السياسي لتقبّل التغيير داخل النظام، ودعم استكمال متطلبات التحول نحو نظام أكثر ديمقراطية.

من ناحية أخرى، عرفت مصر وتونس منذ عام 2011 الكثير من التغييرات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، كما حدثت تحولات ملحوظة في طبيعة النخب وتوجهاتها إزاء قضايا التحول الديمقراطي وانتقال السلطة، تزامنًا مع ظهور اضطرابات سياسية نتجت إما من عوامل داخلية ضاغطة لإحداث تغيير في النظام ومؤسساته وشكل الحكم فيه وإما بسبب عوامل خارجية أثَّرت سلبًا في الاستقرار السياسي ارتبطت بقضايا الأمن القومي ومحاربة الإرهاب‏[1].

وقد أدى ما سبق إلى تزايد التوقعات حول دور النخب الحاكمة في بلورة عملية التغيير لدعم مراحل التحول وتسييرها بسلاسة. كما يستمر حتى الآن طرح تساؤلات حول جدوى هذه التوقعات، ومدى نجاح النخب في إحداث تغييرات حقيقية تجعل نظمها أكثر استقرارًا وديمقراطية. ومن ثم، عادت عملية «التغيير السياسي» إلى موقع الصدارة كقضية محورية في أدبيات النظم المقارنة بسبب الواقع المتغير الذي فرضته التحولات المستمرة والمتلاحقة منذ عام 2011 في مصر وتونس.

تعنى هذه الورقة برصد ودراسة مظاهر عملية التغيير في النظامين المصري والتونسي، وتسليط الضوء على أبعادها السياسية في محاولة لتفسير أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين، تحديدًا خلال المراحل الانتقالية للتحول عقب قيام ثورات عام 2011 لتصحيح ممارسات النظم الحاكمة وإعادة توجيهها لتصبح أكثر ديمقراطية، إذ حدثت خلال مرحلة التحول تغييرات في طبيعة تفاعلات النظام نتيجة للحراك السياسي الذي أحدثته هذه الثورات. هذا إضافة إلى اختلاف طبيعة الفواعل السياسيين وعلاقتهم بالنخب الانتقالية الحاكمة، وهو ما انعكس بدوره على آليات تداول السلطة خلال المراحل الانتقالية وما بعدها ذلك في النظامين المصري والتونسي.

بناء على ما سبق، تتمثل نقطة ارتكاز الدراسة بالتناول المقارن لإسهامات النخب المصرية والتونسية في عملية التغيير بعد عام 2011 في ضوء التحولات والتغييرات التي أحدثتها الثورات في بيئة هذين النظامين، وساهمت في إعادة تكوين أدوار النخب وطبيعة النظام السياسي فيهما. ومن ثم، تستهدف الدراسة الإجابة عن التساؤل البحثي الآتي: لماذا اختلف دور النخب الحاكمة المصرية والتونسية في عملية التغيير السياسي خلال مرحلة ما بعد قيام ثورات عام 2011 على الرغم من تشابه ظروف بيئة النظام السياسي في البلدين؟

تهدف هذه الدراسة إلى رصد أهم التغييرات والمستجدات التي طرأت على البيئة السياسية في مصر وتونس خلال الآونة محل الدراسة، واستعراض أهم العوامل المؤثرة في تكوين وأدوار النخب وعلاقتها ببقية مكونات النظام والقوى الصاعدة فيه، إذ تم اختيار مرحلة الدراسة ليتسنى تناول متكامل لمراحل التغيير ومظاهره وأهم دلالاته، وذلك بعد حدوث تحولات في طبيعة النخب الحاكمة خلال المدة المذكورة تنوعت بين نخب دينية وعسكرية ومدنية. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه يقصد بالنخبة الحاكمة التي تتناولها الدراسة مؤسسة الرئاسة، والكيانات التنظيمية الدائمة أو المؤقتة التي تولت السلطة خلال المراحل الانتقالية في مصر وتونس بعد الثورات.

تقترح هذه الدراسة، في ضوء الإشكاليات السابقة، تعريفًا ملائمًا لتناول موضوع الدراسة. فيما يتعلق بالنخبة الحاكمة يتم تعريفها على أنها منظومة الحكم التي تمارس السلطة وتتخذ القرار، ويمثلها فرد أو مجموعة تنتمي إلى قوى أو فئة معينة تعكس توازن القوى الفعلي وتداول السلطة داخل النظام في مرحلة ما، كما تكون الأقدر دائمًا على حماية مكانتها وإعادة الاستقرار للنظام لاستحواذها على جميع مقومات القوة والسيطرة فيه. أما عملية التغيير فتعرَف بأنها حدوث تحول أو اختلاف يطرأ على عنصر أو أكثر داخل النظام في مدة زمنية معينة بسبب تحرك فردي أو جماعي منظم أو غير منظم أحدث بالتبعية تغيرًا في قواعد ممارسة الحكم أو توزيع السلطة أو توازنات القوى أو منظومة القيم الحاكمة.

تعتمد هذه المنهجية على الدمج بين المنهج المقارن والنخبة السياسية لدراسة العلاقة بين متغيري الدراسة، لأن منهج النخبة يعتمد على دراسة بناء القوة وتوزيعها داخل النظام، وتحليل أثر اختلاف هذا التوزيع في النخبة والعوامل المؤثرة في سلوكها بين فينة وأخرى‏[2]. أما المنهج المقارن فيستخدم لتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين دولتَي الدراسة، وفهم التغيرات التي طرأت عليهما خلال السنوات السابقة لتحليل تطورات البيئة السياسية والعوامل المؤثرة فيها‏[3].

لذلك تعتمد عملية المقارنة بين أدوار النخب في سياق هذه الدراسة على المحاور الآتية:

– مظاهر التحول في طبيعة النخب المصرية والتونسية منذ عام 2011، وأثرها في استقرار النظام السياسي في الدولتين.

– اختلاف توجهات النخب على امتداد مراحل التغيير، وانعكاسه على شكل النظام.

– المنظور النخبوي في مواجهة تحديات المراحل الانتقالية وما بعدها لتحقيق التغيير في دولتي الدراسة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 550 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 550 كانون الأول/ديسمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 550 في كانون الأول/ديسمبر 2024.

أسيل عصام: باحثة من مصر.

الصورة من موقع freepik

[1]عمر فرحاتي، «النظم السياسية العربية بين سلبية الثبات وإيجابية التغيير،» مجلة العلوم الإنسانية (جامعة محمد خيضر بسكرة – الجزائر)، السنة 2، العدد 2 (حزيران/يونيو 2002)، ص 79.

[2] عبد الغفار رشاد القصبي، مناهج البحث في علم السياسية: الكتاب الأول التحليل السياسي ومناهج البحث (القاهرة: جامعة القاهرة، مكتبة كلية الآداب، 2004)، ص 217.

[3] المصدر نفسه، ص 241.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز