مقدمة

اتفاقية الإبادة الجماعية هي أول معاهدة لحقوق الإنسان اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 كانون الأول/ديسمبر 1948. تُعرِّف الاتفاقية الإبادة الجماعية بأنها جريمة يتم ارتكابها «بنيّة تدمير جماعة وطنية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا». وقد تركت عمليات الإبادة الجماعية الأخيرة في القرن العشرين، وبخاصة في غزة، منذ طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، والإبادة الجماعية التي ارتكبت في إثرها بحق الفلسطينيين، علامات لا تمحى من الضمير الإنساني الجمعي في شتى أصقاع العالم. وما زاد المراقبين حيرة إنكار هذه الجرائم البشعة التي كان أغلب ضحاياها من الأطفال والنساء والمدنيين، وعدّها دفاعًا عن النفس، وهذا ما دفعنا إلى التفكير العميق في سيكولوجيا قدرتنا على الاعتراف أو إنكار ارتكاب مثل هذه الجرائم، وتبريرها، والبحث عن خفايا دوافعها. إن من الضرورة كذلك الاعتراف بالفظائع التاريخية كخطوة أولى نحو تجاوزها إلى سلام عالمي على صعيد كوني.

تخوض هذه الدراسة في البحث عن الديناميات المعقدة لسيكولوجيا الإنكار والاعتراف المحيطة بالإبادة الجماعية المعاصرة، وتستكشف الدوافع وراء الإنكار، والعوامل المادية والمعنوية المؤثرة في الاعتراف، وعواقب كليها. ومن خلال منهجية تحليل وتركيب ومقارنة لحالات مختارة، على صعيد كوني، مثل الإبادة الجماعية للأرمن والشركس والبوسنيين، ومقارنتها بجرائم الكيان الإسرائيلي في غزة، إذ نهدف من ذلك إلى الكشف عن طبقات الغشاوة المعقدة التي تحجب الحقيقة، وتعيق عملية التعافي من صدمة الكارثة، وذلك لفتح الباب أمام المصالحة والسلام والعدالة على صعيد عالمي.

إن فهم سيكولوجيا الإنكار أو الاعتراف بالجريمة أمر شديد الأهمية لفهم الأسباب التي تدفع بعض الكيانات إلى رفض الاعتراف بأعمال الإبادة الجماعية أو التقليل من أهميتها. وسواء كان ذلك الإنكار مدفوعًا بالأجندات السياسية والاستراتيجية، أو الخوف من المساءلة، أو استجابة للمشاعر القومية، أو للخطر الوجودي، فإنه يخلق حاجزًا أمام العدالة ويؤدي إلى استدامة دورات العنف. يستدعي ذلك فحص حالات متنوعة ومقارنتها بجرائم غزة، مثل الإبادة الجماعية للأرمن والشركس والبوسنيين، وذلك لتوضيح الدوافع المتنوعة وراء الإنكار وتأثيرها الضار في الضحايا والوعي العالمي بالإنسانية وحقوق الإنسان، والبحث عن قواسم مشتركة بين هذه الجرائم، إنْ وجدت، لصوغ قوانين سببية محددة تتحكم في هذا الباب من العلوم الاجتماعية.

يتطلب كشف قناع الإنكار عن جرائم الإبادة الجماعية كشف سيكولوجيا الإنكار المعقدة، وهي الظاهرة التي تعيق الاعتراف بأعمال الإبادة الجماعية، وتجعل السرد التاريخي مشوَّهًا، كما فعلت الصهيونية في نشر الهولوكوست في وجدان شعوب الأرض، ونجحت في كسب تعاطف الكثيرين ودعمهم المادي، كحال ألمانيا، إذ يعرقل هذا التشويه الطريق إلى العدالة والمصالحة والسلام على صعيد كوني. ومن خلال دراسة حالات مختارة، مثل الإبادة الجماعية للأرمن والشركس والبوسنيين، نهدف إلى تسليط الضوء على الدوافع المتنوعة وراء الإنكار، ودراسة دور فلسفة الاضطهاد والفاشية في ذلك، والتشديد على سلبية تأثيرها السيكولوجي العميق في الضحايا، وفي الوعي العالمي بهذه المسألة، وذلك في ضوء ما يحدث اليوم من مجازر في فلسطين.

أولًا: الإبادة الجماعية للأرمن

تُعدّ الإبادة الجماعية للأرمن، التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، واحدة من أكثر الأحداث مأسوية في التاريخ الحديث. فبدءًا من عام 1893 بدأت المذابح من جانب طرفَي النزاع وكذلك التهجير المتبادل‏[1]، وفي الحقبة 1915 – 1923، تم استهداف ما يقدر بنحو 1.5 مليون أرمني على نحوٍ ممنهج للإبادة عبر عمليات القتل الجماعي والترحيل، في حين يدعي الأتراك أن الرقم الحقيقي أقل من النصف. لقد تكشفت الإبادة الجماعية وسط فوضى الحرب العالمية الأولى، حيث نفذت الحكومة العثمانية، تحت ستار تدابير الحرب، حملة للقضاء على السكان الأرمن في خضم القتل والتهجير المتبادل بين الطرفين. وشملت الإبادة الجماعية أيضًا التدمير المنهجي للمواقع الثقافية والدينية الأرمنية، فضلًا عن استغلال الرأسمال الرمزي ومصادرة الأراضي والممتلكات.

أحد العوامل التي كثيرًا ما يُستشهد بها على أنها ساهمت في الإبادة الجماعية للأرمن كان الاشتباه في أن الأرمن كانوا يتعاونون مع أعداء الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، مثل الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية. وقد أدركت السلطات العثمانية ذلك، وبخاصة حكومة الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة، وبالتالي بات الأرمن يمثلون تهديدًا محتملًا بسبب ولائهم لروسيا، مثلًا، التي كانت في حالة حرب مع الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى منذ عام 1914، رغم أن العداء بينهما كان أقدم من ذلك كثيرًا، فمثلًا، طردت روسيا القيصرية العثمانيين من جزيرة القرم عام 1783.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 553 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 553 آذار/مارس 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 553 في آذار/مارس 2025.

أيوب أبودية: مهندس ودكتور في الفلسفة.

[1] Benny Morris and Dror Ze’evi, The Thirty-Year Genocide: Turkey’s Destruction of Its Christian Minorities, 1894–1924 (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2019), pp. 49-50, <https://tinyurl.com/33vyajct> (accessed 28 February 2024).

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز