مقدمة

أعادت الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة، عقب أحداث عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بوحشيتها وهمجيتها ودمويتها وفظاعتها وانفلاتها الإجرامي، على مستوى الأوساط الأكاديمية والسياسية، والإعلامية والشعبية، أعادت إلى الأذهان صور الجرائم البشعة التي ارتكبها الاحتلال العسكري الاستيطاني الفرنسي في الجزائر، منذ سنة 1830 وإلى سنة 1962، وكان على رأسها أعمال الإبادة الجماعية التي مورست على نطاق واسع، وفي محطات ومناسبات دموية وإجرامية لا حصر لها، وبتخطيط وإشراف رسمي من السلطات السياسية والعسكرية العليا في باريس، وبتنفيذ من القيادات العسكرية والأمنية وميليشيات المستوطنين.

تمامًا مثلما كانت عليه الحال ولا تزال في فلسطين، منذ أوائل ما سمي الانتداب البريطاني، الذي كان في حقيقة الأمر انتدابًا لبريطانيا وتشريفًا لها دون سواها، لكي تتولى وتسهر على زرع الفيروس الصهيوني في الجسم الفلسطيني والعربي والإسلامي بخاصة والإنساني بعامة، لا أكثر ولا أقل، في محطات زمنية كثيرة لا تعد ولا تحصى، قبل وبعد إقامة الكيان الغاصب عام 1948، آخرها العدوان الإجرامي المستمر على قطاع غزة والضفة الغربية منذ عدة أشهر، في ظل دعم ومشاركة مباشرة وتواطؤ مطلق ومفضوح من الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، والرأي العام فيها الخاضع للسيطرة الصهيونية الكاملة؛ حيث تشتغل آلة القتل والإبادة الجماعية والتدمير الممنهج الصهيونية، على مدار الدقيقة والساعة واليوم والنهار والليل، ويشاهدها العالم بأسره على المباشر. وعلى الرغم من ذلك لا تكل تلك الدول والمنابر السياسية والإعلامية الموجهة عن النفي القاطع لفرضية ارتكاب الإبادة الجماعية، على سكان غزة بخاصة وفلسطين بعامة، وتبرير تلك الجرائم بالدفاع عن النفس، ووصفها حربًا عادلة وشرعية يخوضها الكيان الصهيوني، واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، المعتدى عليه بحسبها يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

فما هي أبرز محطات وفصول تلك الإبادات الجماعية، التي ارتُكبت أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، وشهدتها فلسطين منذ سنة 1948 وإلى غاية الحرب الأخيرة المتواصلة على غزة، وأوجه التشابه والاختلاف بينها، فضلًا عن الدروس والعِبر التي يمكن استخلاصها منها؟

أولًا: أمثلة من الإبادة الجماعية في سياسة
الاحتلال الفرنسي للجزائر

عدّت فرنسا الجزائرَ، منذ الأيام الأولى للاحتلال، أنها فرنسا الجنوبية، أي عدّتها جزءًا لا يتجزأ من أراضيها الواقعة في أوروبا، وبالتالي يتوجب عليها اتخاذ الإجراءات والأساليب والوسائل كافةً، بما فيها الإبادة الجماعية ضد السكان المحليين، الذين كانت تطلق عليهم تسميات مختلفة بحسب الظروف والمقتضيات مثل: «الأهالي» أو «العرب» أو «المسلمين»، وكانوا يبدون أي شكل من أشكال المقاومة، التي من شأنها تهديد مسلّمة أحقيتها المطلقة في ملكية الأرض الجزائرية، أو ما كان يتردد على ألسنة قادتها بالفردوس الأرضي، وهو كناية عن المقدرات والثروات الطبيعية الباطنية والسطحية الهائلة، التي تتوافر في البلاد الجزائرية، وتعتزم ضخها في شرايين الاقتصاد الفرنسي المتعثر، فيصبح من أقوى اقتصادات أوروبا والعالم آنذاك.

وبناءً عليه، جندت فرنسا كل طاقاتها وإمكانياتها لاحتلالها أولًا وللاحتفاظ بها ثانيًا، وجعلت على رأس جيوشها قادة عسكريين كبارًا، يمتلكون خبرة كبيرة، ولهم باع طويل في الحروب والقتال، اكتسبوها من مشاركتهم في حروب خيضت في أوروبا وآسيا، وقد ارتبط تاريخهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في حق ملايين الجزائريين.

وقعت أولى جرائم الإبادة الجماعية مباشرة بعد نهاية معركة سطاوالي 19 حزيران/يونيو 1830 – بين القوات البحرية الجزائرية وقوات الحملة الفرنسية وسقوط عاصمة البلاد – حيث إنه، وفقًا لشهادة أحد عناصر القوات البحرية الفرنسية، أعدم الجيش الفرنسي الغازي 2000 جزائري مسجون رميًا بالرصاص من غير محاكمة‏[1].

بطبيعة الحال، لم تكن الإبادة الجماعية سرًا من الأسرار، بل كانت أمرًا طبيعيًا يصرح به قادة الاحتلال من دون إشكال، فهذا الجنرال دو روفيقو القائد العام للجيش الفرنسي – الرجل القاسي والعديم الرحمة والضمير‏[2] – ينادي على جنوده بالقول: «إليَّ بالرؤوس… هاتوا إليَّ الرؤوس… سدوا قنوات المياه المعطوبة بواسطة رأس بدوي يقع في أيديكم». وحذا الجنرال بيجو حذوه فقال: «إنه في حرب لاصطياد البشر» فيأمر جنوده قائلًا: «اخنقوهم بالدخان مثل الثعالب»‏[3]. وقد حاز هذا الأخير، بطاقة بيضاء – من رؤسائه في باريس – ليشن حربًا طاحنة، ضد مقاومة الأمير عبد القادر (1807 – 1883) بوسائل وحشية، ويمارس القتل الوحشي ضد السكان، والنفي الجماعي، والخطف واغتصاب النساء ثم قتلهن، واستخدام الأطفال كرهائن، وسرقة المحاصيل الزراعية وقطعان المواشي، وحرق المزارع… وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية الكثيرة، التي لم تعرفها البشرية منذ زمن بعيد‏[4].

أعطت مثل هذه التصريحات والأوامر والتوصيات، الضوء الأخضر لانطلاق مسلسل دموي طويل، لارتكاب جرائم الإبادات الجماعية البشعة والهمجية، خلال 132 سنة من عمر الاحتلال الفرنسي في الجزائر، اعترف ببعضها مقترفوها بأنفسهم، منهم الجنرال سانت أرنو المعروف بالسفاح قائلًا: «إن بلاد بني سناسن جميلة جدًا، وهي أغنى قطعة أرض عرفتها في القارة الأفريقية، وهدمنا كل ما يعترض سبيلنا.. ما أسوأ الحرب ما أسوأ الحرب، كم نساء وأطفال فروا منا والتجأوا إلى جبال الأطلس المغطاة بالثلوج.. وهناك ماتوا جميعًا من جراء البرد والعري والبؤس»‏[5].

وهذا الجنرال دو مونتانياك (1803 – 1845) المشهور بكونه ضابطًا قاسيًا ومنحرفًا وعديم الإنسانية‏[6]، يصف إحدى جرائم الإبادة الجماعية، التي أشرف عليها بنفسه: «إنها مذبحة فظيعة اختلطت فيها جثث بالحجارة والحيوانات وبيوت الشعر والتراب، وقد تبيّن من تقدير دقيق قمنا به بعد الانتهاء من العملية أننا قتلنا ألفًا وثلاثمائة شخصًا [هكذا] بين نساء وأطفال.. وكان جنودنا يهجمون على المنازل، ويذبحون فيها كل مخلوق يعثرون عليه أمامهم». ويضيف بخصوص النساء الأسيرات: «إننا نحتفظ ببعضهن بمثابة رهائن، ونبيع الباقي لقائد الجياد أو نبيعه بالمزاد كما نفعل بالمواشي، وكنت أحيانًا أفرج عن همومي بقطع الرؤوس.. رؤوس الرجال طبعًا»‏[7].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 553 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 553 آذار/مارس 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 553 في آذار/مارس 2025.

بشير فايد: أستاذ في جامعة سطيف 2 – الجزائر.

[1] بوعلام نجادي، الاستعمار الفرنسي في الجزائر زمن المجازر: حقبة التحريق، ترجمة مباركة بن فرحات، طبعة خاصة (الجزائر: وزارة المجاهدين، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، 2013)، ص 135 – 136.

[2]  المصدر نفسه، ص 221.

[3] عبد العزيز فيلالي، جرائم الجيش الفرنسي في مقاطعتي الجزائر وقسنطينة، 1830 – 1850م (عين مليلة، الجزائر: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، 2012)، ص 13.

[4] نجادي، المصدر نفسه، ص 246.

[5] محمد الصالح الصديق، كيف ننسى وهذه جرائمهم؟ (الجزائر: دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، 2009)، ص 55.

[6]  نجادي، المصدر نفسه، ص 276.

[7] الصديق، المصدر نفسه، ص 56.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز