مقدمة

لا نبتغي من هذه الدراسة تأكيد غياب نظرية عامة للفعل الجماعي، بقدر ما نسعى إلى تقديم مقاربة تحليلية أشمل، تضم في طياتها مستويات تحليلية لم تؤخذ كفاية في الحسبان في دراسة الحركات الاجتماعية. فعادةً ما تركز هذه الدراسات على مستوى واحد من المستويات السوسيولوجية الثلاثة: الماكرو (الكليّ)، أو الميزو (المتوسط)، أو الميكرو (الجزئي).

من هنا نتساءل: هل يمكن دراسة الفعل الجماعي في مختلف أبعاده التحليلية من دون التّعرّض لأي تناقض نظري؟ ينبع طرح هذا السؤال من أهمية التركيز على التوافقية النظرية أو التوليف النظري الذي يجب ألّا يكون اعتباطيًّا، لأن تعدد النظريات في دراسة موضوع ما يمكن أن يؤدي إلى تنافي مبدأي انسجام النظريات من جهة، وتوافقها مع الواقع الميداني من جهة أخرى.

بات مؤكدًا أن الكثير من القضايا الميدانية تتسم بالتنوع والتعقيد، فالاستعانة بنظريات متعددة يكون ضرورة ملحّة؛ نظريات متجذرة في الواقع قادرة على فهم الأحداث والظواهر وتحليلها على نحو كثيف، ورصد المعاني والدلالات التي تنطوي عليها، وتقديم أطر تحليلية مبتكرة.

لبلورة إطار نظري عام للفعل الجماعي، سنحاول في هذه الورقة البحثية تحليل نتائج دراستنا الميدانية‏[1] حول الحركات المطلبية‏[2]، وقراءتها نظريًّا من خلال ما نُطلق عليه «نظرية عامة للفعل الجماعي» مركَّبة من مستويات تحليلية متعددة؛ إذ سنحاول، أولًا، الإحاطة بالسياق السياسي الذي يُساهم في تشكّل الأفعال الجماعية من زاوية ماكرو – سوسيولوجية؛ ثانيًا سنركز من خلال المستوى المتوسط (الميزو) على البعد التنظيمي لهذه الأفعال ودوره في استمرارها زمنيًّا ومكانيًّا؛ وأخيرًا، سنقارب بدقة (ميكرو) المنطق العقلاني للفاعلين واستراتيجياتهم في ضمان وحدة المجموعة وتحقيق أهدافها. والسؤال الذي يُطرح هنا: كيف تتكوَّن الأفعال الجماعية وتستمر لدى الحركات المطلبية، وبخاصة «مجموعات المعطَّلين»، سعيًا لتحقيق مطالبهم؟

قبل الخوض في الإجابة عن هذا التساؤل، نشير بداية إلى أننا أمام نموذج للفعل الجماعي، لا أمام حركة اجتماعية بالمعنى السوسيولوجي الدقيق. فعلى الرغم من أن هذا الفعل الجماعي يتكوّن من مبدأي الهوية (عاطلون حاملو شواهد) والتعارض (ضد مؤسسات الدولة)، فهو يفتقر إلى مبدأ الكلية‏[3] المستمدّ من المشروعية الاجتماعية (الحق في العمل)؛ فالأفعال التي نقوم بدراستها تدافع عن مصالح خاصة بهذه الحركات المطلبية (مجموعات المعطَّلين). وعليه، يمكن حسبان كل مجموعة تنتظم لتحقيق مطالبها «حركة مطلبية» أو «مجموعة مصالح»، إذ يتم تعريف الحركات المطلبية من خلال ما تدافع عنه ومن تصارع ضده، من دون المشروعية الكلية لأفعالها. وإذا كانت المجموعة تدافع عن مصالح خاصة فقط، فإنها تعدّ مجموعة ضغط، بينما تعدّ حركة احتجاجية إن كانت تستند فقط إلى مبدأ التعارض‏[4].

غير أن هذا التمييز المبني على هذه المسلَّمات الثلاث (الهوية، والتعارض، والكلية) لا نجده في كثير من الدراسات التي تقارب مختلف أطر الفعل الجماعي‏[5] (الحركات الاجتماعية، والحركات المطلبية، ومجموعات الضغط، ومجموعات المصالح، والنقابات…). نؤكد هنا أن «مجموعات المعطَّلين» التي ندرسها تندرج ضمن إطار الحركات المطلبية، إذ إضافة إلى مبدأَي الهوية والتعارض اللذين يؤسسان هذه الحركات، نجد أيضًا أن المصلحة المشتركة (الحصول على عمل) تقوي وحدة المجموعة، إذ تعدّ هذه المصلحة جوهر وجودها، والمحدد المحوري لهوية أعضائها. كما تتميز هذه المجموعات بكونها «منظمة» بشكل هرمي إلى حد ما، و«منتظمة» في الزمان والمكان، أي أنها ليست عرَضية أو عابرة، بل تتمتع بموارد وبنية تنظيمية تساعدها على الاستمرارية. إضافة إلى ذلك، تسعى هذه المجموعات إلى التأثير في المؤسسات السياسية من خلال أفعالها الجماعية المختلفة (التظاهرات، والمسِيرات، والاعتصامات…)‏[6].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 556 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 556 حزيران/يونيو 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 556 في حزيران/يونيو 2025.

أبو القاسم زياني: أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم
الإنسانية، جامعة القاضي عياض – مراكش.

عبد العزيز سفير: طالب باحث في علم الاجتماع، كلية الآداب
والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض – مراكش.

[1] يتعلق الأمر بنتاج بحث ميداني لنيل شهادة الماستر في علم الاجتماع، معنونًا بـ«سوسيولوجيا الفعل الجماعي والفردي: حاملو الشواهد المعطَّلون نموذجًا»، من تأطير أبو القاسم زياني. وقد تبنينا المقاربة الكيفية من خلال أجرأتها عبر تقنيتين محوريتين وهما الملاحظة (الملاحظة المباشرة أثناء احتجاج مجموعات المعطَّلين في مدينتي الرباط ومراكش، والملاحظة غير المباشرة من خلال صور وفيديوهات هذه المجموعات) والمقابلة (أجرينا خمس عشرة مقابلة معمقة مع أعضاء المجموعات الأربع)، إضافة إلى أن هذه الأخيرة استدعت منا «تقنية» تحليل المحتوى، وبخاصة التحليل الموضوعي للمحتوى: تحليل موضوعاتي عمودي (كل مقابلة على حدة) وتحليل موضوعي أفقي (مجموع المقابلات).

[2] لا يجري، غالبًا، تمييز الحركات المطلبية عن مجموعات الضغط ومجموعات المصالح، لكن سنحاول باقتضاب في هذا البحث تمييز هذه المفاهيم عن الحركات الاجتماعية. ونقصد بالحركات المطلبية «مجموعات المعطَّلين» وقد وضعنا قيد الدراسة بعض هذه المجموعات، ونخص بالذكر: مجموعة الفتح للمعطَّلين المكفوفين حاملي الشواهد؛ التنسيق الميداني للمجازين المعطَّلين؛ تنسيقية الأطر العليا المعطَّلة؛ التنسيقية المغربية للدكاترة والطلبة الباحثين.

[3]        Alain Touraine, La Voix et le regard (Paris: Les Éditions du Seuil, 1978), p. 113.

[4]        Alain Touraine, Sociologie de l’action (Paris: Editions du Seuil, 1965), pp. 161-162.

[5] Jean-Patrick Brady et Stéphane Paquin, Introduction, Groupes d’intérêt et mouvements sociaux (Québec: Presses de l’Université Laval, 2017), p. 1.

[6] Emiliano Grossman et Sabine Saurugger, Les Groupes d’intérêt: Action collective et stratégies de représentation (Paris: Armand Colin, 2012), pp. 18-20.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز