مقدمة

تسعى هذه الدراسة إلى إثارة سؤال فاعلية (Agency) الدولة في المنطقة المغاربية من زاوية تحليل النظرية البنائية، بوصفها النظرية الأنسب لفهم الأنماط الخاصة للعلاقات الدولية الإقليمية، ولا سيَّما بعد «الإخفاقات» التي منيت بها عدة نظريات كبرى لتفسير السياسة العالمية. ولم يفتح المجال لبروز نظريات جديدة لطرح نموذج تحليلي لجانب من جوانب السياسة الدولية، إلا بعد وقوف النظريات المسيطرة‏[1] في حقل العلاقات الدولية على حافة الإخفاق العلمي‏[2].

تجسد هذا القصور النظري في ثلاثة مستويات، وهي:

1 – مستوى العجز عن التنبؤ بمستقبل تحولات القوة في السياسة العالمية.

2 – مستوى ضعف فهم الأنماط الخاصة للسياسات الدولية الإقليمية، حيث كانت الدراسات الإقليمية مرادفًا لدراسات المناطق وغالبًا ما تعالج من منظور تاريخي أو ثقافي.

3 – مستوى عدم الاعتداد بالنظام الإقليمي كوحدة لتحليل العلاقات الدولية، حيث يتم الاقتصار على وحدتين مركزيتين وهما: الدولة والنظام الدولي.

يوجز السوسيولوجي الأمريكي دانيال بيل أزمة الدولة المعاصرة في أنها «أكبر من أن تضطلع بالقضايا الصغيرة، وأصغر من أن تواجه القضايا الكبيرة»‏[3]، إذ إنها تترفع عن الانشغال بالقضايا الصغيرة وتفوضها للوحدات تحت الدولتية (الوحدات اللامركزية) أو تتخلى عنها لمصلحة الفاعلين غير الدولتيين (القطاع الخاص مثلًا)، في المقابل لا تقوى على مواجهة القضايا الكبيرة إلا باللجوء إلى تعزيز التعاون الدولي، وبناء التحالفات، والانخراط في المنظمات الدولية، والقبول بمعايير القانون الدولي.

وعليه، تتطلع هذه الدراسة إلى البحث في تحولات سلوك الدولة على المستوى الخارجي، ولا سيَّما ما يتعلق بفعلها الإقليمي، إضافة إلى محاولة الكشف عن استبصارات جديدة لتفسير وفهم الخيارات الإقليمية للدول الواقعة في المنطقة المغاربية، مع التركيز أكثر فأكثر على الفعل الإقليمي للمغرب؛ وذلك، من خلال الاشتباك مع تساؤل عمّا يجعل الدولة في المنطقة المغاربية (الدول الساعية إلى القيادة في المنطقة المغاربية) غير مستكفية إقليميًّا، أي أنها في بحث دائم عن تكوين هوية إقليمية بديلة أو عبر مغاربية؟

تتصل بهذه الإشكالية الرئيسية تساؤلات فرعية، وهي:

أ – ما المتغيرات التفسيرية لتحول سلوك الدولة المغاربية على المستوى الخارجي؟

ب – هل يعزى هذا التحول إلى العوامل البنيوية والمادية للنظام الدولي والنظام الإقليمي وحسب، أم أنه يعود كذلك إلى عوامل غير مادية كالهوية واللغة والخطاب والمعاني؟

ج – هل يمكن الوعود النظرية للبنائية أن تمثّل مدخلًا لفهم هذا التحول، وبخاصة ما يرتبط بحسم الخيار الإقليمي للدولة المغاربية؟

تنطلق هذه المحاولة البحثية من ثلاث فرضيات، وهي:

(1) أن فهم السلوك الإقليمي للدول المغاربية يقتضي اللجوء إلى مقتربات نظرية أكثر كفاءة لتحليل العلاقات الدولية على المستوى الإقليمي، بمعزل عن قدرتها على تفسير سياسات القوى الكبرى، والمستويات العليا للنظام الدولي.

(2) أن الإمكانيات المتاحة للدول الواقعة في المنطقة المغاربية لا تؤهلها لتوزيع فعلها الخارجي على نطاق أبعد من جوارها الجغرافي، وبالتالي فهي محكومة بتبنّي سياسات إقليمية، لا سياسات عالمية، لتأمين مصالحها الحيوية.

(3) أن صوغ فهوم جديدة لسلوك الدول الواقعة في المنطقة المغاربية يقتضي الأخذ في النظام السياسي إلى جانب الدولة كوحدتين للتحليل.

استحضارًا لمجموع التساؤلات المثارة والفرضيات المطروحة، ستحاول هذه الورقة الإجابة عن بعض جوانبها من خلال البحث في علاقة النظام الإقليمي المغاربي بالنظام الدولي، أي في موقع المنطقة المغاربية من التفاعلات الدولية الراهنة من حيث تحول القوة توزيعًا وتركيزًا، في مستوى أول، ثم ثانيًا، البحث في علاقة الهوية بالمصلحة، هل هي علاقة سببية أم تفاعلية؟ وهل تتكونان بالتزامن أم تبنى إحداهما على نحو مسبق ومستقل عن الأخرى؟ وفي مستوى ثالث، سيتم الخوض في علاقة التأثر بين البنية والفاعل ودور الأثر الناشئ لهذه العلاقة في تكوين الهوية الإقليمية للدول المغاربية، وفي المستوى الأخير، سيتم إبراز بعض توجهات السياسة الإقليمية الجديدة للمغرب على الصعيدين الأفريقي والأطلسي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 556 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 556 حزيران/يونيو 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 556 في حزيران/يونيو 2025.

حميد بلغيت: أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، كلية العلوم القانونية
والاقتصادية والاجتماعية السويسي، جامعة محمد الخامس، الرباط – المغرب.

[1]لغرض هذه الورقة يُقصد بالنظريات المسيطرة في مجال العلاقات الدولية: مجموع النظريات التي أسست أطروحاتها على المنطلقات الأنطولوجية والفلسفية والإبستيمولوجية والمنهجية الوضعية، التي مارست لعقود نوعًا من «الاستبداد» المعرفي في مجال العلاقات الدولية، وأساسًا النظريات الواقعية والليبرالية والماركسية بتعبيراتها المختلفة.

[2] للاطلاع على الحوار بين النماذج الكبرى للعلاقات الدولية، وهيمنة النظريات الوضعية والاقصاء الذي قوبلت به الاتجاهات التأملية في العلاقات الدولية، انظر: تيم دان، ميليا كوركي، وستيف سميث، نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، ترجمة ديما الخضرا (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 49 – 68 و82 – 97. انظر أيضًا: سكوت بروتشيل [وآخرون]، نظريات العلاقات الدولية، ترجمة محمد صفار (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 7 – 50.

[3] Daniel Bell, «Face à l’imprévisible: Mille milliards de scénarios,» Le Débat, no. 60 (1990), p. 172.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز