لا نزعم أننا نستطيع الإحاطة بكل المنطلقات التي يتأسس عليها الخطاب الاستشراقي‏[1]، حيال الوطن العربي، بقدر ما سنحاول حصر أهمها، بالوقوف عند جملة من الثنائيات الضدِّية التي تمثل المحددات الأساسية للخطاب الاستشراقي الذي هيمن على المنتوج الخطابي الأمريكي المعاصر (أولًا)، ثم سنحاول التعرف إلى الأطروحة الفكرية الرئيسية التي يخص بها المفكر برنارد لويس الوطن العربي، بوصفه مؤسس الرؤية الأمريكية المحافظة لقضايا الإصلاح السياسي بالعالم العربي (ثانيًا).

أولًا: المحددات الأساسية للخطاب الاستشراقي

يرتكز الخطاب الاستشراقي الجديد عمومًا على محددات فكرية تعارضية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الأنا/الآخر، والإسلام/الغرب، ودار الإسلام/دار الحرب، والخير/الشر، والصديق/العدو… إلخ، ساهمت فيها ترسبات تراكمت عبر التاريخ في علاقة الطرفين، وخضعت بالأساس لرؤى معيارية وأخلاقية.

إن الحياة السياسية لأية أمة أو أي شعب، تتحكم فيها بعض الثنائيات والمفارقات، منها ما يمكن استيعابها، ومنها ما يستعصي استيعابها‏[2].

تتحدد أوجه الآخر على أساس التعريف بالسلب (عدو، محارب…)، أو على التعريف بالإيجاب (صديق، حليف…)‏[3]. وعمومًا تتمحور صورة الآخر/العرب في ذهنية الخطاب الاستشراقي، بين الصورة الرومنطيقية (قصص ألف ليلة وليلة)، أو صورة المتعصب الديني، أو صورة العربي الثائر، أو «عدو للغرب»، أو مليونير ينفق ببذخ‏[4].

تجد ثنائية الأنا/الآخر أصلها في الفلسفة الأوروبية الحديثة، التي تضع «الأنا» (الذات) في مقابل العالم الذي هو موضوع لها‏[5]، وهو ما يجعل معرفة الآخر معرفة مختزلة ومبتسرة، وثنائية الأنا/الآخر لا تعني مواجهة وصراعًا بين كيانيين مستقلين فقط، بل الأكثر من ذلك كل طرف في هذه الثنائية يتحدد تبعًا بتعارضه مع الآخر.

لقد برز هذا التقابل من خلال الأدبيات الأوروبية الاستعمارية، فالملاحظ أن هناك علاقة طردية بين تطور الخطاب الاستشراقي وبروز الظاهرة الاستعمارية، وبين هذه الأخيرة والكتابات الصادرة في نهاية القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين (السوسيولوجيا الاستعمارية)، إنها المعرفة التي تقود إلى السيطرة، كما عبَّر عن ذلك تزفيتان تودوروف بالقول: «لماذا يقود فهمنا للآخر إلى الاستيلاء عليه، والاستيلاء إلى التدمير، هذا الأخير الذي لا يصبح ممكنًا إلا بفضل ذلك الفهم على وجه التحديد»‏[6].

يبدو أن الخطاب الاستشراقي الجديد في أمريكا انتصر إلى التعريف بالسلب للآخر، وإلى سؤال المعرفة من أجل الهيمنة، مسترجعًا بذلك ثنائية أخرى تقوم على أساس «الإسلام/الغرب»‏[7].

يصرّ الكثير من الباحثين المستشرقين على مقابلة «الإسلام» و«الغرب»، إلا أن هذا الأمر لا يستقيم ويحتاج إلى تفكيك لكلا المفهومين. في هذا السياق يرى محمد عابد الجابري أن هذا التقابل غير مبرر، وغير مشروع، لأن الغرب موقع جغرافي، والإسلام دين، وهناك تعميم أيديولوجي يختفي وراء هذا التقابل، والنقاش الأصلي اندرج تحت يافطة «الإسلام والنصرانية»‏[8]. في حين يرى برتراند بادي أن هذا التقابل يأتي في إطار استراتيجية غيرية تهدف بالأساس إلى تأكيد الذات، وفرض السيطرة على الآخرين‏[9].

لم يتوقف الأمر عند الزوج المفهومي «إسلام»/«غرب»، بل تم إحياء تقابل معرفي آخر هو «دار الحرب»/«دار الإسلام»، فما هي حقيقة هذا التقابل؟

ليس لهذا التصنيف، في الفقه الإسلامي، أية دلالة أيديولوجية تجعل معنى «دار الحرب» ينصرف إلى جهة معينة كالغرب أو دين معيَّن كما يفهم من ذلك المستشرقون من أجل تكريس ما يسمونه «الصراع الأبدي بين الإسلام والغرب»‏[10].

من شأن هذه الاختزالية والتبسيطية تضليل الذهن، وخلق صور نمطية عن شعوب الوطن العربي في المخيلة العامة لدى شعوب العالم الغربي عمومًا، ولدى الشعب الأمريكي خصوصًا، وهو ما يزيد من الهوة بين الشعوب، ويؤجج الحروب بينها.

لم يتوقف الخطاب الاستشراقي الجديد عند إحياء التقابلات السابقة فقط، بل قام بالترويج لواحدة من أخطرها أخلاقيًّا ومعياريًّا، ويتعلق الأمر بالتقابل بين الخير والشر، فهو يرى أن هناك قطعًا فاصلًا لا يقبل الوسطية بين الخير والشر، ويرتبط نمو هذا الأخير بالتهاون في مقاومته، وأن أي اتفاق مع «قوى الشر» سيضعف «قوى الخير»، لذلك يلح هذا الخطاب على حتمية المواجهة المستمرة إلى أن يتم دحر «الشر» وهزيمته‏[11].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 557 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 557 تموز/يوليو 2025

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 557 في تموز/يوليو 2025.

منير لخضر: دكتور في العلوم السياسية – المغرب.

[1] الاستشراق لغة مأخوذة من جهة الشرق، واصطلاحًا هو علم يدرس لغات، وتراث، وأديان، وشعوب، وحضارات، وتاريخ الشرق، فالمستشرق هو ذلك الأوروبي أو الغربي، الذي اجتهد في تعلم علوم الشرق. نشير هنا إلى أن هناك ثلاثة أنواع من الاستشراق، الأول الاستشراق بالمعنى الفني، أنتج روائع من دولاكروا إلى شوتوبريان وجيرار دونيرفال، والثاني استشراق أكاديمي الذي طبَّق المنهج التاريخي على التراث العربي والإسلامي، الذي دشنته مدرسة الحوليات الفرنسية، أما الثالث فهو استشراق مسيَّس تزعمه برنارد لويس ينظر إلى الوطن العربي وكأنه عالم آخر مختلف كليًّا عن العالم الحضاري المحصور في الغرب، وأن العرب لا يفهمون إلا لغة القوة، كل ذلك من أجل خدمة قضايا إدامة الهيمنة الأمريكية على الوطن العربي. للمزيد حول هذا

الموضوع، انظر: هاشم صالح، الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ (بيروت: دار الساقي، 2013)، ص 202 – 207.

[2] يذهب عبد الإله بلقزيز إلى أن المجال السياسي العربي تتحكم فيه جملة من الثنائيات منها: الدولة – السلطة، السلطة – الشعب، الدين – السياسة، الثروة – السلطة… إلخ. للمزيد انظر: عبد الإله بلقزيز، «ضبط العلاقة بين الثنائيات في السياسات العربية،» شؤون عربية، العدد 123 (خريف 2005)، ص 34 – 45. وحول الثنائيات التي أمكن استيعابها والتي استعصى استيعابها في الحياة السياسية العربية، انظر: عبد الإله بلقزيز، «من الثنائيات إلى المفارقات،» شؤون عربية، العدد 131 (خريف 2007)، ص 49 – 62.

[3] طارق البشري، «محاضرة افتتاحية،» في: ندوة الحركات الإسلامية والمجال السياسي في المغرب والبلاد العربية، التي نظّمها مركز الدراسات السياسية والدستورية، جامعة القاضي عياض، كلية الحقوق، مراكش، 21 – 22 حزيران/يونيو 2007 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2007).

[4] سعد الدين إبراهيم، «تقرير عن ندوة التعاون العربي – الأوروبي،» المستقبل العربي، السنة 5، العدد 48 (شباط/فبراير 1983)، ص 147.

[5] محمد عابد الجابري، مفهوم الأنا والآخر، سلسلة مواقف؛ العدد 57 (تشرين الثاني/نوفمبر 2006)، ص 7.

[6] تزفيتان تودوروف، فتح أمريكا: مسألة الآخر، ترجمة بشير السباعي (القاهرة: سينا للنشر، 1992).

[7] جدير بالذكر أننا سنستعمل هنا لفظة الغرب ككيان جغرافي وهوية حضارية، أي بوصفه مكانًا ومصيرًا، بتعبير سيرج لاتوش. للمزيد، انظر: سيرج لاتوش، تغريب العالم: بحث حول دلالة ومغزى وحدود تنميط العالم، ترجمة خليل كلفت (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999)، ص 32 – 61.

[8] محمد عابد الجابري، الإسلام والغرب، سلسلة مواقف؛ العدد 82 (2007)، ص 39 وما بعدها.

[9] Badie Bertrand, «L’occident et le Monde Musulman,» dans: Bertrand Badie et Marc Sadoun, dirs., L’Autre: Etudes réunies pour Alfred Grosser (Paris: Presses de sciences politiques, 1996).

[10] محمد عابد الجابري، دار الإسلام/دار الحرب، سلسلة مواقف؛ العدد 56 (تشرين الأول/أكتوبر 2006)، ص 35 – 36.

[11] جمال سلامة علي، «أسباب وأدوات سيطرة المحافظون الجدد على الساحة الأمريكية،» السياسة الدولية، العدد 166، القاهرة، تشرين الأول/أكتوبر 2006، ص – ص 47 – 48.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز