يجب أن يمكَّن الناخبون من تكوين رأيهم بصورة مستقلة من دون التعرض للعنف أو التهديد باستخدام العنف، أو الإكراه، أو الإغراء، أو محاولات التدخل بالتلاعب مهما كان نوعها.

الأمم المتحدة – اللجنة المعنية
بحقوق الإنسان
[1]

مقدمة

انقضت نحو تسع سنين على إحدى أشهر حالات استغلال منصّات التواصل الاجتماعي (المنصّات) في تضليل الناخبين والتأثير في نتائج الانتخابات، وفقًا لما أشارت إليه تقارير حول التدخلات الروسية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، ضد هيلاري كلينتون ولمصلحة دونالد ترامب، بما مكّنه من الفوز. وقد أقرت بتلك التدخلات منصتان على الأقل (Facebook و‍Twitter/X حاليًا)[2].‏

تنطلق الدراسة من حسبان التدخلات الرقمية نوعًا من «الفساد السياسي الرقمي»، حيث يستغل السياسيون المنصّات لتحقيق مصالح ضيقة عبر التضليل، والتلاعب بالمعلومات، وإساءة استخدام البيانات، والتأثير في الانتخابات وشراء الامتيازات الحكومية‏[3]. ولتخفيف أو تقييد الفساد السياسي الرقمي في العملية الانتخابية، من الضروري محاصرة أي عوامل قد تعيق، أو تضلل، الأفراد في اختيارهم ممثليهم، من خلال إعاقة تطوير إرادتهم الحرة أو سبل التعبير عنها‏[4]؛ إذ ينبغي حماية إرادة الناخبين من أي تأثير، سواء من جانب الدولة أو المجتمع أو المنصّات، التي أصبحت تؤدي دورًا كبيرًا في الانتخابات، وهو ما يطرح سؤالًا حول إمكان ضبطها قانونيًا. تفترض الدراسة أن أدوات الرقابة والتحكّم الدارجة، بما فيها القانونية، تبقى محدودة القدرة على الحد من تأثير هذا النوع من الفساد السياسي، بما يطرح تساؤلات حول حرية الإرادة في تكوين الوعي الانتخابي، وبما يقود بالحصيلة إلى تشويه نتائج الانتخابات.

تتخذ الدراسة من التجربتين اللبنانية والتونسية حالتين دراسيتين وتعالجهما عبر منهج مركّب ما بين استقراء حالات عينية لاستخدام المنصّات ضمن أبعاد الفساد السياسي الرقمي، واستنباط منظومة القواعد الناظمة لعمل المنصّات في الحالتين الدراسيتين، في مقاربة مقارنة بمعايير من خارجها. وتكمن دوافع اختيار لبنان وتونس في تمايز أنظمتهما السياسية والانتخابية وريادتهما النسبية في الممارسة الديمقراطية عربيًا، مع استمرار تمتعهما بمستويات حرية متقدمة نسبيًا وفق مؤشرات Freedom House 2024، بما فيها حرية الإنترنت‏[5]. وتركّز الدراسة على الانتخابات العامة المباشرة (رئاسية وبرلمانية واستفتاءات)، مستثنية الانتخابات غير المباشرة (يُنظر الملحق). ويغطي نطاقها الزمني حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2024.

مدخل: المنصّات الرقمية وصيغ إنتاج الفساد السياسي

أحد جوانب صعوبة تعريف «الفساد السياسي» عمومًا، بما في ذلك الفساد السياسي الرقمي، إمكان تحوُّل الفساد إلى صنف من السياسة القهرية‏[6]، وهو ما يجعله انتهاكًا مقصودًا للعقد الاجتماعي القائم على الثقة في المجتمع؛ فهو انتهاك يمس سلامة المجال السياسي ويتعارض مع الصالح العام. وتتجلى خطورته العينية في انتهاكه كرامة المواطن ومصادرة حريته وحقه في صَدِّ ما لا يريد؛ وفي تعميقه اللامساواة بين الناس في الثروة، وفرص التعليم، ونوعية الحياة؛ وفي إلحاقه الضرر بمستقبل وحقوق الأجيال المقبلة؛ وفي تنازله عن السيادة، وتعزيزه هيمنة السلطة السياسية على السياسة، وهو ما يُفضي إلى إفراغ الحيِّز العام من مضمونه وإلحاق الضرر به‏[7]. ويتجسد الفساد السياسي ويُرعى عبر سلطات تديره، يمكن أن تكون سياسية أو اجتماعية أو حتى صيغة تقنية كالتي نجدها اليوم في قبضة شركات المنصّات العملاقة‏[8].

1 – صناعة السطوة

يتنوَّع الجدل حول آثار المنصّات في الانتخابات، وتتباين الآراء حوله بين التفاؤل والتشاؤم‏[9]. فقد دفعت نتائج الانتخابات والاستفتاءات في بلدان تعدّ نماذج أيقونية للديمقراطية، كالولايات المتحدة وبريطانيا، إلى طرح الكثير من الأسئلة، منها ما يشكك في دور المنصّات، بعد اتضاح مسؤوليتها عن نشر أخبار كاذبة، والانخراط في التلاعب بالبيانات النفسية، وتقويض الصحافة الرسمية، وفي النهاية، مصداقية العمليات الانتخابية وشفافيتها. وقد أتاح الإنترنت عمومًا المجال لنشوء نموذج «رأسمالية المراقبة» (Surveillance Capitalism)، حين أصبحت بعض المنصّات تقدم خدمات الدعاية الموجهة والتضليل، وهو ما يقوّض نزاهة الحملات، عبر مكافأة أكثرها ثراءً وقدرة على الالتفاف على الأنظمة والقواعد التي تعتمدها شركات المنصّات.

2 – قولبة الوعي وهندسة الشعور

رصدت بعض الدراسات تأثير المنصّات في الانتخابات. وقد اتضح هذا التأثير في نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 بدرجة أكبر مما كان متوقعًا. على سبيل المثال، عالجت إحدى الدراسات تأثير ميل المنصّات، فوجدت أنها سمحت لترامب بأن يمتلك عددًا أكبر كثيرًا من إجمالي عدد التغريدات مقارنة بكلينتون. كما أتاحت المجال لأن يُسجّل تجاه كلينتون معدلات أكبر كثيرًا من السلبية مقارنة بترامب، على الرغم من تزايد التغريدات السلبية لكلا المرشحين قبل يوم الانتخابات، وهو ما عزز في النهاية عدم ثقة الطبقة العاملة والمتوسطة في كلينتون وساهم في فوز ترامب‏[10].

كذلك تتيح المنصّات تقنية نشر الأكاذيب حول المرشحين، عبر استخدام أدوات مؤثرة في المواطن وخياراته الانتخابية‏[11]. وتستند هذه التقنية إلى الاعتقاد بأن الأفراد الذين يواجهون القصص الإخبارية المزيفة يصدقونها في كثير من الأحيان، كالادعاء بأن بابا الفاتيكان أيَّد ترامب في انتخابات 2016، بقصد التأثير في معتقدات الناخبين وميولهم السياسة‏[12]. وقد خلصت دراسة إلى القول إنه من دون تأثير المعلومات الكاذبة لم يكن ترامب ليصل إلى البيت الأبيض‏[13].

3 – التزييف الاصطناعي العميق

مع تنامي تأثير المنصّات في الانتخابات، تصاعد القلق من خداع الناخبين وتفاقم الاستقطاب عبر محتوى احتيالي ودعاية موجّهة تستند إلى تحليل واسع للبيانات الشخصية، وهو ما يهدد وعي الناخبين ونزاهة العملية الانتخابية، وخصوصًا حين تصبح المنصّات نفسها موردًا غير متكافئ بين المتنافسين. وتعتمد هذه الأساليب على الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق التي تستبدل صور الوجوه والأصوات لإنتاج محتوى يبدو حقيقيًا ويُستخدم في أغلب الأحيان لأغراض مشبوهة‏[14]. مثال على ذلك، مقطع نشرته اللجنة الوطنية للجمهوريين في نيسان/أبريل 2023 بعد إعلان بايدن حملته لإعادة الانتخاب، بعنوان: «ماذا سيحدث إذا أعيد انتخاب أضعف رئيس لدينا؟». استخدم الفيديو سيناريوهات افتراضية بالذكاء الاصطناعي لتصوير اضطرابات محلية وعالمية، وهو ما يثير مخاوف من طمس الحدود بين المعلومات المضللة ورسائل الحملة، ويترك الجمهور في حالة ارتباك وغموض.

تتسم سياسات شركات المنصّات إزاء المحتوى المخادع بعدم الفعالية، إذ لا تمنع انتشار تطبيقات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي، مثل صور بايدن في المستشفى أو ترامب في السجن، التي تعزز ادعاءات مضللة وتنتشر بسهولة على المنصّات. كما يمكن أن يتم تضخيم التزييف المصطنع، وتسهيل تداوله بين المستخدمين، من خلال الإعلانات المدفوعة الموجهة إلى جمهور محدد. ومن ذلك ما تعرّض له ريشي سوناك خلال الانتخابات البريطانية بداية 2024‏[15].

توجد صيغتان للتأثير في التوجهات السياسية: الأولى «الحملات الخوارزمية» التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإيهام الناخب بشعبية مرشح معيَّن، والثانية «الترويج الزائف»‏[16]، التي تنشر معلومات مزيفة لتضليل الرأي العام، مثل صور كاذبة لترامب مع أمريكيين من أصل أفريقي لتعزيز انطباع خاطئ عن شعبيته‏[17].

تونس ولبنان ليسا استثناءً من تأثير المنصّات والتقنيات الرقمية في الدعاية والحشد، لكن هذا التأثير يتضاعف بسبب بنى سياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية راسخة أضعفت الثقة بالنظام في كلا البلدين. تركز الدراسة على مدى فعالية التدابير الرقابية في مواجهة ما يُسمى «الفساد السياسي الرقمي».

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 563 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 563 كانون الثاني/يناير 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 563 كانون الثاني/يناير 2026.

رشاد توام: مدير عام مركز قرار لأبحاث الشأن العام – فلسطين.

باسم الزبيدي: أستاذ، دائرة العلوم السياسية وبرنامج ماجستير الديمقراطية وحقوق الإنسان، جامعة بيرزيت – فلسطين.

[1](*) نفذت هذه الدراسة بدعم من لجنة الأبحاث في جامعة بيرزيت خلال عام 2024. وفكرتها مستلهمة من أحد أجزاء «محفظة مواد تدريبية حول الرقابة على الانتخابات من منظور الفساد السياسي»، ألفها الباحث الأول، وأنتجها معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان في جامعة بيرزيت عام 2021          (https://bit.ly/​3Htk​Ccw).

التعليق العام 25(57) على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (CCPR/C/21/Rev.1/Add.7)، الأمم المتحدة: نظام الوثائق الرسمية، 27/8/1996، الفقرة 19، في: <http://undocs.org/ar/CCPR/​C/21/Rev.1/Add.7>.

[2] «روسيا «استغلت مواقع التواصل الاجتماعي» للتأثير في الانتخابات الأمريكية،» BBC عربي، 17/12/2018، شوهد 1/8/2024، في:          <https://bbc.in/2QoqNqS>.

[3] Samuel C. Woolley and Philip N. Howard, «Political Communication, Computational Pro­pa­ganda, and Autonomous Agents: Introduction,» International Journal of Communication, vol. 10 (2016), at: <http://ijoc.org/index.php/ijoc/article/view/6298/1809>.

[4] رشاد توام، «المقدمة،» في: محفظة مواد تدريبية حول الرقابة على الانتخابات من منظور الفساد السياسي (بيرزيت: معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان في جامعة بيرزيت، 2021)، ص 1 – 2.

[5] انظر موقع المؤشر في: <https://freedomhouse.org/country/scores?type=all>.

[6] انظر: باسم الزبيدي، «الفساد السياسي: محاولة لإنقاذ المفهوم من غموضه،» في: باسم الزبيدي، محرر، الفساد السياسي: إعادة النظر في المفهوم (بيرزيت: معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان في جامعة بيرزيت، 2021).

[7] انظر: مضر قسيس، «نحو تحرير مفهوم الفساد السياسي،» في: الزبيدي، محرر، المصدر نفسه.

[8] أبرزها: Meta Facebook, WhatsApp, Instagram, YouTube, Reddit, Truth Social, Reddit, Telegram, TikTok, Gab.

[9] Damian Tambini, «Social Media Power and Election Legitimacy,» in: Damian Tambini and Martin Moore, eds., Digital Dominance: The Power of Google, Amazon, Facebook, and Apple (New York: Oxford University Press, 2018), pp. 265-293.

[10] انظر: Chong Oh and Savan Kumar, «How Trump won: The Role of Social Media Sentiment in Political Elections,» PACIS 2017 Proceedings, 2017, at: <http://aisel.aisnet.org/pacis2017/48>.

[11] R. Kelly Garrett, «Social Media’s Contribution to Political Misperceptions in U.S. Presidential Elections,» PLoS ONE, vol. 14, no. 3 (2019), at: <https://doi.org/10.1371/journal.pone.0213500>.

[12] Hunt Allcott and Matthew Gentzkow, «Social Media and Fake News in the 2016 Election,» Journal of Economic Perspectives, vol. 31, no. 2 (2017), p. 232.

[13] Hannah Jane Parkinson, «Click and Elect: How Fake News Helped Donald Trump Win a Real Election,» The Guardian (14 November 2016), at: <https://bit.ly/4iJWKEv>.

[14] فاطمة الزهراء عبد الفتاح، «التزييف الاصطناعي: استراتيجيات وسائل التواصل الاجتماعي لمكافحة التضليل الانتخابي،» المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 29/3/2024، في: <https://bit.ly/3XhhL1H>.

[15] انظر: المصدر نفسه.

[16] Evgeny Morozov, The Net Delusion: The Dark Side of Internet Freedom (New York, NY: Public Affairs, 2012).

[17] شاهد: فرانس 24، «الانتخابات التمهيدية الأمريكية: صور تظهر دونالد ترامب مع ناخبين سود تثير الجدل!،» يوتيوب، 5/3/2024، شوهد 6/8/2024، في:   <https://bit.ly/42XaFBd>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز