مقدمة

تعَدُّ المشاركة الانتخابية حجر الزاوية في بناء مجتمع ديمقراطي، إذ تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم واختيار من يحكم ويدير الشؤون والمصالح العامة. وفي حين يبقى هذا هدفًا أساسيًا لبلد مثل ليبيا، فإن ما يواجهه هذا البلد من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية يؤدي إلى تذبذب ملحوظ في مستويات المشاركة الانتخابية منذ أول انتخابات أجريت عام 2021. لذا تهدف هذه الدراسة إلى فهم هذه الاتجاهات وتقديم توصيات عملية بهدف تحقيق إصلاحات من شأنها المساهمة في رفع مستوى المشاركة، وبالتالي تعزيز التحول الديمقراطي في ليبيا وتحقيق غاياته.

تحاول الدراسة الإجابة عن مجموعة أسئلة، مع التركيز على كيفية تعزيز مشاركة فاعلة وشاملة في العملية الانتخابية، هي: ما اتجاهات المشاركة في الانتخابات الليبية خلال السنوات 2014 – 2024؟ وكيف توزعت نسب المشاركة جغرافيًّا وديمغرافيًّا؟ وما العوامل التي ساهمت في تفسير هذه الأنماط؟ وما الإصلاحات الهيكلية والإجرائية اللازمة لضمان مشاركة فاعلة للمواطنين في الانتخابات؟ وكيف يمكن بناء الثقة في العملية الانتخابية وتعزيز الشرعية للنتائج؟

تقودنا محاولة إجابتنا عن هذه الأسئلة إلى تطوير الفرضية التالية: إن العوامل السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية تؤثر في مسار العملية الانتخابية في ليبيا، أي أن العوامل السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية تمثِّل متغيِّرًا مستقلًا، في حين تمثل الانتخابات الليبية متغيِّرًا تابعًا؛ وإن تبني إصلاحات دستورية وقانونية وإجرائية شاملة بدعم من المجتمع المدني والمجتمع الدولي يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع نسبة مشاركة المواطنين في الانتخابات ومن ثم تعزيز الديمقراطية والاستقرار في ليبيا.

تهدف الدراسة إلى رصد التغيرات في نسب المشاركة عبر العمليتين الانتخابيتين وتحليلها جغرافيًا وديمغرافيًا، وتحديد العوامل المؤثرة في سلوك الناخبين الليبيين، وتقييم أثر التحديات الهيكلية والإجرائية في المشاركة الفاعلة في الانتخابات. وتقديم توصيات مفصَّلة وقابلة للتطبيق لتعزيز المشاركة الفاعلة في الانتخابات؛ بناءً على تحليل التحديات القائمة وأفضل الممارسات الدولية؛ والمساهمة في تطوير استراتيجية شاملة للإصلاح الانتخابي في ليبيا تشمل الجوانب الدستورية والقانونية، والإجرائية، والأمنية، والتوعوية.

تكمن أهمية الدراسة في تحليلها لواقع تغيرات نسب المشاركة وأسباب العزوف، خلال العملية الانتخابية ورصد التحديات المصاحبة لهذه التغيرات وأثرها في المشاركة السياسية.

ستساهم نتائج هذه الدراسة وتوصياتها في توجيه جهود الإصلاح الانتخابي في ليبيا وتقديم إطار عمل للمؤسسات الليبية والمجتمع المدني والمجتمع الدولي لتعزيز مشاركة فاعلة وشاملة في العملية الديمقراطية.

تعتمد هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي لتحديد العوامل المؤثرة في سلوك الناخبين. كذلك تستعين الدراسة بنتائج استطلاعات الرأي المتاحة للعامة حول الانتخابات الليبية.

تغطي الدراسة كامل الأراضي الليبية خلال انتخابات مجلس النواب عام 2014 والجولة الأولى من الانتخابات البلدية عام 2024.

أولاً: خلفيات العملية الانتخابية

1 – المشاركة في الانتخابات العامة عام 2014

أ – انتخابات مجلس النواب 2014

جاء انتخاب مجلس النواب بناءً على ما تقدمت به «لجنة فبراير» التي أُلِّفت من جانب المؤتمر الوطني العام في 12/2/20214، لغرض وضع خريطة طريق سياسية تغطي المرحلة الانتقالية الثانية؛ بعدما تبيَّن أن الهيئة التأسيسية لصوغ مشروع الدستور لن تستطيع تقديم مسودة الدستور في المدة الزمنية التي حددها الإعلان الدستوري. وفي يوم 11 آذار/مارس 2014 اعتُمد مقترح لجنة فبراير بالتعديل الدستوري الرقم 7/2014 الذي نص على تعديل المادة (30) من الإعلان الدستوري بإضافة استحقاق انتخابي جديد تمثَّل بانتخاب هيئة تشريعية جديدة سُميت مجلس النواب، تحل محل المؤتمر الوطني العام في المرحلة الانتقالية التالية. على ذلك صدر في يوم 31 آذار/مارس 2014 القانون الرقم (10) لسنة 2014، في شأن انتخاب مجلس النواب في المرحلة الانتقالية.

التزمت المفوضية، منذ انطلاقها، بالعمل من أجل إرساء قيم الديمقراطية والمواطنة وعملت بكل كوادرها ولجانها لتنفيذ الاستحقاق الثالث بانتخاب مجلس النواب، فوضعت الترتيبات كافةً الخاصة بتنفيذ هذا الانتخاب، وفق اللوائح والقرارات التنظيمية الصادرة في هذا الخصوص عن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وكان قانون الانتخاب السابقة الإشارة إليه قد نص على أن مجلس النواب هو السلطة التشريعية المؤقتة للدولة في المرحلة الانتقالية ويتم اختيار أعضائه بالانتخاب الحر المباشر، كما نص على اعتماد النظام الانتخابي الفردي في انتخاب أعضاء مجلس النواب وفقًا لنظام الصوت الواحد غير المتحول وخصص ما نسبته 16 بالمئة من مقاعد مجلس النواب تترشح لها النساء فقط.

استطاعت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات توظيف خبراتها كافة لتنفيذ هذا الاستحقاق نحو تعزيز الوعي الوطني والعمل بكل جهد على زيادة أعداد المسجلين في سجل الناخبين وتحفيزهم للمشاركة الواعية التي تضمن نجاح عملية التحوُّل الديمقراطي في ليبيا.

وقُيِّد في سجل الناخبين عبر الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) ومن خلال البريد الإلكتروني في هذه الانتخابات ما مجموعه 1,509,317 ناخبًا منهم 603,708 من النساء. في 1,625 مركزًا انتخابيًا، وتمت المصادقة على ترشيح 1,713 من المرشحين منهم 152 من النساء.

أُجري الاقتراع يوم 25 حزيران/يونيو 2014 حيث بلغت نسبة المشاركة 41 بالمئة من المسجلين، وشارك ما يزيد على 630,000 ناخبًا، موزعين على 1588 مركزًا انتخابيًّا. سجلت المرأة كناخبة في العملية الانتخابية المتعلقة بمجلس النواب تراجعًا طفيفًا عن ما سبقها من عمليات انتخابية بنسبة 40 بالمئة في المتوسط من إجمالي عدد المسجلين في ثلاث عشرة دائرة انتخابية، وسجلت أعلاها ما نسبته 47 بالمئة في دائرة الكفرة، في حين سجلت أدناها ما نسبته 30 بالمئة في دائرة الخمس. أما كمرشحة في هذه العملية الانتخابية فبلغت ما نسبته 9 بالمئة في المتوسط من إجمالي عدد المسجلين في ثلاث عشرة دائرة انتخابية، وسجلت أعلاها ما نسبته 37 بالمئة في دائرة طرابلس، في حين سجلت أدناها ما نسبته 0.01 بالمئة في دائرة منطقة الجبل.

شارك جموع الناخبين في الاقتراع المباشر، وعلى الرغم من أن الأوضاع التي أجريت فيها هذه العملية الانتخابية كانت صعبة جدًا وبكل المقاييس؛ وسط مقاطعة الأمازيغ لها بغية الحصول على تمثيل أكبر في لجنة صوغ الدستور وغياب مدينة درنة الشرقية التي ظلت مراكز الاقتراع فيها مغلقة لأسباب أمنية، وكذلك الكفرة في الجنوب الشرقي التي كثيرًا ما شهدت اقتتالًا قبليًا، وفي مدينة سبها الجنوبية الرئيسية، إلا أن تنفيذ هذا الاستحقاق جاء وفقًا لنصوص القانون الانتخابي السابق الإشارة إليه والمعايير والأعراف الدولية وفي أجواء من الشفافية والنزاهة كما أكدتها لجان ومنظمات المراقبة المحلية والإقليمية والعربية والدولية.

أعلنت المفوضية العليا للانتخابات النتائج النهائية الرسمية لانتخابات مجلس النواب، وأوضح رئيس المفوضية عماد السائح في مؤتمر صحافي عقده أن النتائج النهائية هي نفسها النتائج الأولية، ما عدا تغيّرًا في بعض الدوائر الفرعية نتيجة التقاضي أمام القضاء، وصدرت في شأنها أحكام، وتطبيقًا لما نصت عليه المادة 26 من القانون الرقم (10) لسنة 2014، في شأن انتخاب مجلس النواب، وهي دوائر جنزور والخمس وسرت، وأكد أنه وفقًا لما سبق، فقد حسم 188 مقعدًا من أصل 200 مقعد. نص عليها القانون الرقم (10) في مادته الثانية. وتوزعت المقاعد الشاغرة البالغ عددها 12 مقعدًا على كل من الدوائر الفرعية التالية: زوارة: مقعد واحد؛ الجميل: مقعد واحد؛ رقدالين، زلطن: مقعد واحد؛ جادو: مقعد واحد؛ الكفرة: 3 مقاعد؛ درنة: 4 مقاعد؛ إضافة إلى مقعد للنساء مشترك في عدد من الدوائر الفرعية بالدائرة الانتخابية الثالثة عشرة، مؤكدًا أن المفوضية ستبذل جهودها لكي تستكمل العملية الانتخابية في تلك الدوائر حال صدور قرار يسمح لها باستئناف عملية الاقتراع.

وقال رئيس المفوضية: «الآن أصبح لدينا مجلس نواب منتخب يستطيع تسلُّم السلطة، والسير بالبلاد نحو الاستقرار».

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 564 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 564 شباط/فبراير 2026

كتب ذات صلة:

دراسات في تاريخ ليبيا المعاصر

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 564 في شباط/فبراير 2026.

هنادي أحمد: عضو هيئة تدريس في جامعة طرابلس.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز