ملخص

يناقش هذا البحث نقدَ كِلسِن التمثيليةَ البرلمانيةَ والديمقراطيةَ الغربيةَ المبنيةَ على مفهوم الوحدة الاجتماعية أو الإرادة العامة، مؤكدًا أن الدولة تتأسس على الوحدة القانونية لا الاجتماعية. ويشير إلى محدودية البرلمان في التعبير عن إرادة الشعب، ويبرز أهمية آليات المشاركة المباشرة مثل الاستفتاء أو المبادرة الشعبية. كما يوضح التمييز بين القانون المعياري والعلوم السببية لتجنب الاختزال النفسي أو الاجتماعي للمعايير القانونية.

مقدمة

رافق كلٌّ من تشخيص الدولة في النظريات القانونية، وكذلك تطبيق مفاهيم ميتافيزيقية واستعارات تشخيصية على الدولة، مثل إرادة الدولة أو الإرادة العامة، رافقا كل تطور القانون الحديث والمعاصر ضمن استعمالات متعددة تختلف بعضها عن بعض جذريًا، وتخدم وظائف متضاربة.

وفي زمن ترسيخ الدولة الحديثة في القرن الثامن عشر، قدّم الفيلسوف إيمانويل كانط تصورًا تشخيصيًا للدولة، بهدف فصل الدولة عن شخص الحاكم وربطها بالمواطنين، وذلك في مواجهة تصوُّر النظام الملكي الذي يرى فيه الحاكمُ الدولةً ملكًا خاصًا له. وبما أن الدولة شخص ترجع ملكيتها إلى كل أفراد المجتمع، يتصور كانط أنه من غير المعقول أن يقوم الحاكم بتقسيمها، أو بيعها، أو تبادلها، أو توريثها، أو تقديمها كهدية في مراسم زواج أو غير ذلك.

غير أنّ استعمال هذا المفهوم يميل أكثر فأكثر إلى الارتكاز على فرضية وجود تكوينات جماعية متجانسة نسبيًا، هو معنىً لم يكن موجودًا عند كانط فوق هذا الاستخدام للمفهوم، تصبح فكرة الإرادة العامة تصورًا لإرادةٍ جوهرية، تعبّر عمّا تشعر به وتفكر فيه وتريده جماعة متجانسة نسبيًا، كما لو أن الجماعةَ شخصٌ يتحدث من خلال الدولة.

دفع هذا التصور، في مطلع القرن العشرين، الفقيهَ النمسويَّ هانز كِلسِن إلى تسخير كل جهوده لمحاربة التشخيص الجوهري (Substantialiste) للدولة أينما ظهر.

فحسب كِلسِن، تتجاهل الجماعة المتجانسة نسبيًّا في الواقع كل علاقات القوة الموجودة داخل المجتمع، وكل الصراعات التي تشقُّه، وحتى الإرادات المختلفة المقهورة التي لا تجد لها تعبيرًا في الإرادة العامة، كأصوات البروليتاريا، والنساء، والأقليات المهمشة… لذلك فإن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم على هذا التصور.

لم يعتقد كِلسِن يومًا أن نظريات علم الاجتماع التي تشتغل على ظاهرة تجمع الأفراد (Socialisation) يمكن أن تُطبَّق على الدولة، ما دامَت هذه النظريات لا تفترض وجود أي جماعة. ثم إن تلك النظريات، وهي تحاول وصف وجود المجموعات الاجتماعية، لا تفسرها تفسيرًا كافيًا لأنها تلجأ إلى فكرة تكون كيانات فوق فردية (Supra-individuelles)، كما قام به في نظره كلٌّ من إميل دوركايم وجورج زيمل (Georg Simmel)، واللذين كان كِلسِن مقتنعًا بأنّ عندهما بوادر تصورٍ عن “الروح الجماعية”.

لا توجد نظرية تستطيع أن تفسر على نحو صحيح تكوّن مجموعة اجتماعية من دون افتراض تكوّن كيان فوق فردي – وهو ما كان كِلسِن يعتقد أنه حضر كذلك عند سيغموند فرويد – فإنها لا يمكن أن تطبق على الدولة، لأن هذه الأخيرة مكونة من عدة مجموعات وأفراد مختلفين في حالة صراع دائم.

خاض كِلسِن معركة إيبيستيمولوجية كبيرة ضد بعض النظريات الديمقراطية التي تكونت بدافع هموم سياسية، مثل خوف من التسلط والإقصاء الاجتماعي. أراد كِلسِن أن يؤسس لعلمٍ خالٍ تمامًا من الارتباط بفكرة المجتمع، أو جماعة ما، أو علم السياسة أو علم النفس أو علم الاجتماع…

تحاول هذه الدراسة النظر في الفرضية التالية: قام كِلسِن بتحرير القانون والديمقراطية من آثار “الاستعارات الجماعية” أو “أسطورة الروح الجماعية”، وبهدف الوصول إلى هذه الغاية، اتخذ مواقف من النظريات الكبرى في علم الاجتماع وعلم النفس في عصره. سنحلل هذه الفرضية من خلال الإجابة عن السؤال المركزي الآتي: ما طبيعة الوحدة التي يدافع عنها كِلسِن في ظل التعددية الفردية داخل المجتمع؟ يتفرع عن هذا السؤال سؤالان على الأقل: كيف حرر كِلسِن القانون والديمقراطية من المفاهيم الميتافيزيقية؟ ما النقد الذي وجهه لمدرسة التحليل النفسي: سيغموند فرويد، ومدرسة علم الاجتماع: دوركهايم وجورج زيمل؟

في آخر هذه المقدمة، نود أن نشير إلى أننا استعملنا المنهج التحليلي والمنهج المقارن في تحليلنا هذه الفرضية والإجابة عن الأسئلة المرتبطين بها.

أولًا: النظرية القانونية

1- تمييز كِلسِن بين مقاربة العلوم القانونية والعلوم الاجتماعية

سنقارب هذا الموضوع من خلال تصوُّر كِلسِن ثلاثة تخصّصات أساسية: القانون، والتحليل النفسي، وعلم الاجتماع. ويكمن هدفنا في تحليل الخلاصات التي قدّمها التحليل النفسي بخصوص بعض السلوكات الجماعية، ولا سيما خضوع الأفراد لسلطة معيّنة؛ وهي خلاصات يرى كِلسِن أنها لم تكن في متناول علم الاجتماع، كما كان قائمًا في زمنه.

بالرغم من ذلك، لا يمنح كِلسِن أولويةً لمنظور التحليل النفسي في تفسير هذه الظواهر، بل يعتمد أساسًا على التصور القانوني ومن ثمّ، يصبح من الضروري أن نبيّن كيف تبلور هذا التصوّر بعد نقده النظريات الاجتماعية الجوهرانية.[1]

وبما أنّ كِلسِن يحسب الدولة كيانًا يختلف عن الروابط الاجتماعية التي يدرسها علم الاجتماع الشمولي، فقد كان من المهم في نظره أن يحدّد، في المقام الأول، الأسس الإيبيستيمولوجية للنظرية القانونية، المختلفة في طبيعتها عن الأسس التي يقوم عليها علم الاجتماع. وفي هذا السياق يشير نوربرتو بوبيو (Norberto Bobbio) إلى أنّ كِلسِن وجد جزءًا من هذه الأسس الإيبيستيمولوجية للنظرية القانونية عند ماكس فيبر (Bobbio، 1998، صفحة 265).

ويؤكد ماكس فيبر، في نصّه الشهير موضوعية المعرفة في العلوم الاجتماعية والسياسية (1904)، “أنّه لا وجود لتحليل موضوعيّ خالص للحياة الثقافية (…) أو للظواهر الاجتماعية، منفصل عن الزاوية الخاصة والانتقائية (…) التي تُختار مسبقًا لتوجيه البحث. ويرجع ذلك إلى الطبيعة المعرفية الخاصة بكلّ عمل في مجال العلوم الاجتماعية، والذي يسعى إلى تجاوز النظرة الشكلية البحتة – سواء كانت قانونية أو تقليدية – لقواعد الحياة الاجتماعية المشتركة” (soziales Beieinandersein) (WEBER، 1965، صفحة 125).

يقدّم كِلسِن توضيحًا لموقفه من تطويره النظرية القانونية بالاستناد إلى المفهوم الفيبري الذي يميّز بين منهج العلوم الاجتماعية ومنهج العلوم القانونية ذات الطابع الشكلي المحض[2]. ويشير كِلسِن في أطروحته للتأهّل الجامعي قائلًا:” إذا كان بإمكاني توضيح وجهة نظري باستعمال بعض عبارات ماكس فيبر، فإن القيمة المعرفية لعملي تكمن في منح المعايير القانونية معالجة شكلية خالصة، لأنّ المعالجة الفقهية للمعيار تقوم، في أساسها، على هذا الشرط” (Kelsen، 2013، صفحة 69)، الحياد الأكسيولوجي.

لقد تبنى كِلسِن الشكلية المعيارية بهدف إقامة تمييز واضح بين المنظور القانوني والمنظور الاجتماعي-النفسي. وبصيغة أخرى، أراد أن يجعل من ثنائية “ما هو كائن” و “ما يجب أن يكون” (Sein/Sollen)، وتمييزه بين ثنائية الشكل والمضمون، محطة أساسية لبناء تصوّره في علم القانون (MARTYNIAK، 1937، صفحة 188)، بهدف تحقيق شرط الحياد الأكسيولوجي داخل هذا العلم. فهذا الأخير يتعلّق بما “يجب أن يكون (Sollen) ويسعى إلى ضبط الشكل، في حين ينصرف علم الاجتماع وعلم النفس إلى وصف ما هو كائن (Sein) وإلى تفسير المحتوى” (Hidalgo، 2024، صفحة 99).

من هذا التمييز الأساسي، يبني كِلسِن، مسترشدًا بفيبر، مجموعة من التقابلات: بين المجتمع والقانون، وبين علم الاجتماع والتشريع القانوني، وبين مجال المعرفة ومجال الفعل. ويرى كِلسِن أنّ المشكلة المركزية في منهج القانون هي في الأساس مشكلة التمييز بين العلوم السببية[3] والعلوم المعيارية[4]، أي بين العلوم الطبيعية[5] من جهة، والعلوم القانونية[6] من جهة أخرى. ومن هنا يكون علم اجتماع القانون جزءًا من تفسير الحياة الاجتماعية[7] – الذي يشتغل على “ما هو كائن” – لا مجالًا لوصف موضوع القانون، أو إبداع (Création) وتحديد معنى المعايير القانونية (Kelsen، 1992، الصفحات 555-556).

نؤكد أنّ التمييز الإيبيستيمولوجي الأكثر أهمية لا يتمثّل بالفصل بين مفهومَي السببية والغائية فحسب[8]، بل يتمثّل أيضًا بالتمييز بين هذين المفهومين (السببية والغائية) اللذين يخصّان مجال ما هو كائن”، وبينهما وبين مفهوم المعيار الذي يخصّ مجال “ما يجب أن يكون”. وإذا اختزلنا القانون في كونه مجرد شكل للمجتمع أو للفعل الاجتماعي، فإنّنا نقع في خطأ يساوي بين صلاحية القانون الطبيعي وصلاحية المعيار القانوني، وهو خلطٌ يعارضه كِلسِن بقوة في إطار مشروعه لبناء نظرية قانونية خالصة ومحايدة.

يبيّن فيبر أن التمييز بين وجهة النظر القانونية ووجهة النظر الاجتماعية ناشئٌ عن الفرق بين الصلاحية التجريبية والصلاحية المعيارية (Weber، 2016، الصفحات 131-132). ففي مجال “ما هو كائن”، يهتمّ علم الاجتماع بالصلاحية التجريبية؛ بينما يركّز علم القانون – ومعه علم اجتماع القانون عند فيبر – في مجال “ما يجب أن يكون” على الصلاحية المعيارية (Grossein، 2024).

وتكمن مشكلة الصلاحية المعيارية في الكشف عن المعنى المعياري للمعايير القانونية داخل نظام قانوني متّسق وخالٍ من التناقضات. أمّا مشكلة الصلاحية التجريبية فتتمثّل بالبحث عن الدوافع التي تجعل أفراد مجتمعٍ ما يوجّهون سلوكهم وفق نظام قانوني يُعَدّ صالحًا من الناحية التجريبية (Weber، 1995، الصفحات 181-182).

بناءً على ذلك، يعتقد كِلسِن أنّ مشكلة النظرية القانونية هي أوّلًا وقبل كل شيء مشكلة صلاحية مثالية، لا مشكلة صلاحية تجريبية. وهذا ما يفسّر، في نظره، عدم قدرة النظريات الجوهرانية للمجتمع على تطبيق منهجها على الدولة؛ “فـجهازٌ” ما أو “مؤسسةٌ” ما أو “شخصٌ قانوني” معيّن ليس في حقيقتهم سوى تركيب من المعايير، أو لنقل: نظامٌ من المعايير التي تنظّم السلوك البشري. وعلى هذا الأساس، ووفق المعنى الخاص الذي تتّسم به هذه الكيانات القانونية، لا يمكن فهمها إلا من منظور التفكير الموجَّه نحو الصلاحية المعيارية (Soll-Geltung) لهذه المعايير، لا من منظور الفعالية الوضعية (Seins-Wirkseimkeit) للأفعال والتمثّلات الإنسانية التي ترتبط بها” (Kelsen، 1988، صفحة 152).

إذا كان كِلسِن يميّز بين وجهة النظر القانونية ووجهة النظر الاجتماعية، فإنّ هذا لا يعني أنّ فكره القانوني قد تحرّر بالكامل من التفكير الاجتماعي أو من علم النفس الفردي. فمفهومه للمجتمع، القائم على أفرادٍ تتضارب مصالحهم – خلافًا للنظريات الاجتماعية الشمولية – ومفهومه لعلم النفس الفردي المستوحى من فرويد، يُفهَمان كلاهما ضمن مجال “ما هو كائن”، لا ضمن مجال “ما يجب أن يكون”. ويُعدّ هذان البعدان من العناصر الأساسية لفهم نظريته القانونية.

ويبدو أنّ مجالي “ما هو كائن” و “ما يجب أن يكون” يظلّان مترابطين إلى حدٍّ معيّن، غير أنّ كِلسِن يحرص على الفصل الصارم بينهما عند معالجته نظرية القانون، أو عند تقديمه مفهومه الخاص عن المجتمع وعلم النفس الفردي والقانون. فالنظرية القانونية هي المجال الذي طوّره، بينما تؤدي اعتباراتُه الاجتماعية والنفسية دورًا مكمّلًا وأساسيًا في فهم خلفية نظريته، من دون أن ترتقي إلى مستوى بناء نظريات اجتماعية أو نفسية متكاملة؛ إذ تبقى هذه الاعتبارات في شكل خطوط عامّة يشير إليها كلّما أراد لتأكيد أنّ المجتمع ليس متجانسًا بل قائم على تضارب المصالح، وأنّ علم النفس هو علمٌ فردي لا جماعي، ليستخلص من ذلك النتائج التي تدعم مشروعه في بناء نظرية قانونية خالصة.

2- الوحدة القانونية في مقابل الوحدة الاجتماعية

استفاد كِلسِن من التحليل النفسي في تأسيس نقده التصوّر الذي يرى في الدولة وحدةً اجتماعية، غير أنّه لم يتبنَّ هذا التصوّر بالطريقة السلبية ذاتها التي ينظر بها التحليل النفسي إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع. فبحسب التحليل النفسي، لا تُعدّ الدولة وحدة اجتماعية، غير أنه لا يقدّم في المقابل أي بديل يوضّح طبيعة العلاقة التي تُنظّم الفعل داخل الدولة، مما يجعل طرح السؤال التالي مشروعًا: “ما الذي يشكّل وحدة الدولة إذا لم تكن وحدة اجتماعية تجريبية؟”.

يقدّم كِلسِن جوابًا حاسمًا: لا توجد داخل الدولة إلا وحدة قانونية، أي وحدة تجمع كلّ الذين يخضعون للنظام القانوني نفسه (Kelsen، 1988، صفحة 136). فجوهر الدولة لا يقوم على الوحدة الاجتماعية، بل على القانون المحض (Kelsen، 1988، صفحة 136). يلعب مفهوم الصلاحية المثالية دورًا مركزيًا هنا، لأنّ المعايير القانونية يجب أن تكون صالحة (بمفهوم فيبر: الصلاحية المثالية) بالنسبة إلى جميع من ينتمون قانونيًا إلى الدولة (كلسن، 1986، صفحة 108).

ورغم نقد كِلسِن علمَ الاجتماع لاعتماده على مفهوم الوحدة الاجتماعية، إلا أنّه لا يتخلّى عن مفهوم “الوحدة” نفسها؛ بل يعيد صوغها ليجعلها وحدة قانونية لا اجتماعية. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الوحدة الاجتماعية القائمة على مبدأ السببية، وبين الوحدة القانونية القائمة على المعيارية. فالرابطة التي تجمع بين الأفراد داخل الدولة لا يمكن أن تُنشأ إلا من خلال نظام قانوني يتمتع بالصلاحية، أي نظام يقبله الأفراد الذين ينتمون إلى الدولة ويخضعون لمعاييره (كلسن، 1986، صفحة 22).

كان كِلسِن يسعى، من خلال تصوّره الدولة بوصفها وحدة قانونية ونظامًا من المعايير الهرمية، إلى تجاوز المآزق النظرية التي وقع فيها كلّ من التحليل النفسي وعلم الاجتماع. حيث يحاول التحليل النفسي اختزال الظاهرة الاجتماعية في عوامل نفسية، فيفسر السلوك القانوني، والطاعة، والجريمة… بالارتكاز على الغرائز، واللاوعي، والرغبات المكبوتة. وبذلك لا يشرح القانون بوصفه قانونًا، بل يقدّم تفسيراتٍ سببية (Sein) ذات طبيعة نفسية، وهو ما يتعارض مع طبيعة القانون المعيارية التي تُعنى بـ “ما يجب أن يكون” (Sollen) لا بـ “ما هو كائن”. ومن ثَمّ فإن علم النفس يخلط بين “السبب” و”الواجب”.

أما علم الاجتماع، فإنه يميل بدوره إلى اختزال القانون في الظاهرة الاجتماعية، إذ يتعامل معه كواقعة اجتماعية (Sein) ويتجاهل طابعه المعياري. فهو يخلط بين سبب ظهور القاعدة القانونية وتحديد معناها المعياري؛ أي يفسّر لماذا ظهر المعيار القانوني، لكنه لا يتوقف عند قيمته القانونية ولا يدرس القانون بوصفه نظامًا من المعايير. ونذكر وينطبق الأمر كذلك على دوركهايم، الذي يربط القانون بالطبيعة الاجتماعية، حاسبًا إيّاه تعبيرًا عن التضامن الاجتماعي. في المقابل، يؤكّد كِلسِن أن الشرعية القانونية لا تُستمد من المجتمع، بل من النظام المعياري ذاته، ومن “المعيار الأساس” (Grundnorm) على وجه الخصوص.

وعليه، يسقط كلٌّ من علم الاجتماع والتحليل النفسي في مأزق نظري واحد: إذ يفسّر الأول المعايير القانونية عبر الوقائع الاجتماعية (Sein)، بينما يفسّرها الثاني من خلال الأسباب نفسية (Sein). وفي كلا الحالين، يتم اللجوء إلى العلوم السببية (Sein) في تفسير معايير قانونية معيارية (Sollen)، وهذا خلط منهجي يرفضه كِلسِن رفضًا قاطعًا.

لكن من الناحية الإيبيستيمولوجية، كان هدف كِلسِن الأساسي هو ترسيخ التمييز بين العلوم القانونية والعلوم الاجتماعية القائمة على نظام سببي طبيعي. فالعلاقة التي تربط الفرد بالنظام القانوني ليست علاقة سببية، بل تقوم على مبدأ الإسناد[9] (Kelsen، 1992، صفحة 555).

ثانيًا: نقدُ كِلسِن الديمقراطيةَ والتمثيليةَ البرلمانيةَ في النموذج الغربي

1- الصراعات داخل المجتمع

يُعدّ كلٌّ من مفهومَي إرادة الدولة والوحدة الاجتماعية، في نظر كِلسِن، مجرد أوهام أو مفاهيم ميتافيزيقية. فليس هناك إرادة جماعية بالمعنى الحقيقي، بل توجد فقط إرادات فردية؛ كما لا توجد داخل الدولة وحدة اجتماعية، وإنما توجد وحدة قانونية فحسب. ويتصوّر كِلسِن الدولة بوصفها نظامًا من القواعد والمعايير القانونية، وجهازًا ينظّم ممارسة السلطة.

أما النظريات التي تقدّم الدولة بوصفها أداة للإرادة العامة أو تجسيدًا لمجتمع موحّد، فهي، وفق كِلسِن، نظريات ميتافيزيقية تستند إلى تصوّرات غير تجريبية، وتهدف في الحقيقة إلى تبرير الاستخدام غير المشروع للقانون وللإلزام القانوني الذي تمارسه طبقة أعلى على طبقة أدنى. ويرى كِلسِن أن الطبقة المهيمنة تسعى إلى الحفاظ على بعض الأفكار السائدة داخل المجتمع وتصويرها باعتبارها مصالح عليا تتجاوز المصالح الخاصة بالمجموعات المختلفة التي يتكوّن منها المجتمع. ومن بين هذه الأفكار ما يُقدَّم على أنه مُثلٌ مشتركة، كالتضامن بين جميع أفراد المجتمع بغضّ النظر عن الجنس أو الجنسية أو الطبقة أو الدين، وهي، في نظر كِلسِن، إن أَخَذت مكان الوحدة القانونية تصبح أوهاما ميتافيزيقية تستعمل لأغراض إيديولوجية (HERRERA، 1997، صفحة 109).

ينتقد كِلسِن مدارس القانون الطبيعي لأنها تقوم على تصوّر مثالي للطبيعة البشرية. كما يوجّه نقدًا حادًا للماركسية، لأنها تُرجِع الصراعات الإنسانية إلى أسس اقتصادية فقط، في حين يرى كِلسِن أنّ هناك صراعاتَ جذورها نفسية قبل أن تكون اقتصادية. فالماركسية، بحسب كِلسِن، تفترض أن إزالة التناقضات الاقتصادية سيؤدي تلقائيًا إلى إزالة جميع التناقضات الجوهرية داخل المجتمع. غير أنّ الواقع يدلّ على وجود صراعات دينية وفنية وجنسية وجمالية لا يمكن اختزالها في البنية الاقتصادية؛ فأي اختلاف في الرأي قد يتحول في ظروف معينة إلى صراع وجودي يصل حدّ الحياة والموت.

ويرى كِلسِن أن الاعتقاد الساذج في التضامن الاجتماعي يقوم إمّا على الجهل بالطبيعة البشرية، وإمّا على أمل غير واقعي في تحوّل جذري لهذه الطبيعة. ولذلك، فإنّ تفسير علاقات الهيمنة يجب أن ينطلق من البنية النفسية للإنسان، لا من العوامل الاقتصادية وحدها. ومع ذلك، تذهب الماركسية إلى أن الطبيعة الشريرة للرأسمالية تجعل البشر أشرارًا بدورهم.

أما كِلسِن، فيؤكد العكس تمامًا: فالرأسمالية رغم كونها نظامًا استغلاليًا يستحق الإدانة، فلا تكون ظاهرة استغلال الغير ممكنة، إلا لأنها تجد سندًا في الدافع الإنساني العميق إلى استخدام الآخرين كوسائل لتحقيق الغايات الشخصية. وهذا الدافع لا يظهر فقط في الاستغلال الاقتصادي، بل يمكن أن يتجلّى أيضًا في أشكال أخرى من الاستغلال تتجاوز المجال الاقتصادي (HERRERA، 1997، الصفحات 251-252).

وأقول أيضًا، ينبغي تأكيد أن التصوّر النفسي للدولة بوصفها محصّلةً لتوازن القوى يطرح إشكالًا جوهريًا في نظر كِلسِن. فعمليًا، لا يمكن الحديث عن وحدة تجمع بين المهيمن والمهيمن عليه. يرى كِلسِن أن كل علاقة سيطرة تُختزل في فعل إرادي، حيث تتحول إرادة فردٍ ما إلى إرادة تُفرض على فرد آخر. وهذه الظاهرة، في نظره، لا تنحصر في المجال السياسي أو القانوني، بل تتجلى في مختلف العلاقات الإنسانية، حتى تلك التي تقوم على الحب أو الصداقة. هكذا، تنطوي البنية الاجتماعية دائمًا على علاقة قوة، يتقابل فيها قطبٌ أقوى وآخر أضعف (Kelsen، 1988، صفحة 142).

2- نقد الديمقراطية والتمثيلية البرلمانية الغربية

انتقد كِلسِن علم الاجتماع القانوني والسياسي لكونه يغفل البعد الصراعي داخل المجتمع ويركّز، بدل ذلك، على فكرة الوحدة الاجتماعية. وقد أبرز كِلسِن أن المجتمع يتكون، في جوهره، بفعل الصراعات المتعارضة بين فاعليه لا بفعل انسجامٍ أو تماسكٍ مفترض. ومن ثَمّ، فهو لا يفهم الوحدة القانونية بوصفها تعبيرًا عن إرادة مشتركة أو عن إجماعٍ عام، بل بوصفها نتيجةً لتوافق يُنتزع من داخل شبكة واسعة من المصالح المتباينة والمتضاربة داخل المجتمع.

أدّت نتائج هذا التصوّر إلى إعادة صوغ المفهوم الكلاسيكي للسيادة، كما أسهمت في جعل الصراعات تُمارَس داخل إطار الدولة بصورة علنية ومباشرة بدل بقائها كامنة أو مقنّعة وراء مفاهيم ميتافيزيقية. وقد سعى كِلسِن إلى تحقيق هذا الهدف عبر إعادة تكوين آليات التمثيل الديمقراطي وأنماط الديمقراطية المباشرة، بما يضمن حضور جميع المصالح الاجتماعية خلال لحظة التشريع القانوني.

وبذلك يتجلّى الارتباط الوثيق بين نقد كِلسِن لعلم الاجتماع الشامل، ونظريته في الصراع، ومشروعه الرامي إلى تجديد النظام البرلماني. وقد تناول هذا الموضوع بوضوح في دراسته المعنونة بـ “مشكلة النظام البرلماني”، حيث ناقش أزمة البرلمانية الغربية وانهيارها (KELSEN، 1925، صفحة 26). ويؤكد كِلسِن أن النضال التاريخي ضد الاستبداد كان، في جوهره، نضالًا من أجل النظام البرلماني، أي من أجل دستور يتيح للشعب المشاركة الواسعة في تكوين إرادة الدولة  (كلسن، 1953، صفحة 35).

ومن وجهة نظره، تُعدّ الديمقراطية المعاصرة رهينة بقدرة النظام البرلماني – بوصفه الشكل الواقعي الوحيد للديمقراطية – على معالجة القضايا الاجتماعية الكبرى في عصره (كلسن، 1953، صفحة 39). ويعني ذلك قدرته على استيعاب الصراعات القائمة داخل المجتمع، لا إخفاؤها خلف مفاهيم ميتافيزيقية كـ “الإرادة العامة” أو “الروح الجماعية” التي يُفترض أن يمثلها عدد محدود من المنتخبين. ولهذا يقول كِلسِن إن اختيار طبيعة النظام البرلماني هو في الوقت نفسه اختيار لطبيعة النظام الديمقراطي ذاته (KELSEN، 1925، صفحة 5).

ينتقد كِلسِن الحجة التي كانت رائجة في عصره، والتي دعت إلى تحويل البرلمان إلى هيئة ذات طابع نقابي. فهذه الفكرة تفترض أنّ أفراد المهنة الواحدة يتقاسمون المصالح نفسها، وبالتالي يمكن لبرلمانٍ قائمٍ على تمثيل المهن أن يخفّف من حدّة الصراعات داخل كل قطاع مهني، ومن ثم داخل المجتمع برمته. ووفقًا لهذا التصوّر، وبحكم مبدأ تقسيم العمل، يصبح من المطلوب إنشاء هيئات برلمانية متخصصة بحسب المجالات التشريعية والمهنية، بدل الاعتماد على هيئة تشريعية مركزية واحدة منتخبة ديمقراطيًا.

في مواجهة هذا التصوّر الذي يقوم على افتراض وحدة اجتماعية داخل المجتمع – وحدة ثقافية أو دينية أو أخلاقية أو جمالية – يشدد كِلسِن على أنّ الأفراد لا تحركهم المصالح المهنية وحدها، بل يمتلكون كذلك مصالح حيوية أخرى: دينية، وأخلاقية، وجمالية. كما أنّ لهم مطالب تتعلق بإطار قانوني ينظم مؤسسة الزواج، وبالعلاقات بين الدولة والمؤسسات الدينية، وبمختلف الأطر القانونية التي تضبط العلاقات الاجتماعية الأخرى (كلسن، 1953، الصفحات 64-65).

يضيف كِلسِن أنّ العمال، على اختلاف المهن، يشعرون بقدرٍ من التضامن فيما بينهم يفوق تضامنهم مع أرباب العمل داخل المهنة نفسها (كلسن، 1953، صفحة 69). ولذلك فإن التنظيم النقابي لا يعكس الحقيقة الحيوية للقوى الاجتماعية، بينما يمثّل فقط مبدأ الأغلبية والأقلية (كلسن، الديمقراطية طبيعتها – قيمتها، 1953). والبرلمان المبني على أساسٍ مهنيٍّ صرف – بحيث يتعدد عدد البرلمانات بتعدد النقابات والمهن في المجتمع – لا يمكن أن يكون إلا التعبيرَ الأكثرَ وضوحًا عن بنيةِ مجتمعٍ منقسمٍ إلى طبقتين أساسيتين: طبقةٍ مُستغِلّة، وطبقةٍ مُستغَلّة (كلسن، الديمقراطية طبيعتها – قيمتها، 1953)، ولا يمثل كل المصالح الحيوية للمجتمع: مصالح اقتصادية، دينية، جمالية، ثقافية، بيئية، فكرية، عليمة، أساليب حياة لمجموعات ثقافية أو دينية…

ترتبط هذه الحجة أيضًا بنقد كِلسِن الأيديولوجيتين المهيمنتين في زمانه: الرأسمالية والاشتراكية. ويلاحظ أنّ الهيئات المهنية كانت، تاريخيًا، أداة تستعملها جماعة لفرض هيمنتها على غيرها. وبعد انتشار الفكر الاشتراكي في أوروبا والعالم وبعد نجاح الثورة البلشفية، و”نظرًا لهذه الحالة، فلا موضع للدهشة، من كون التنظيم النقابي، بالقدر الذي تحقق اليوم، لم يتجاوب إلا مع جهود مجموعة أو بعض مجموعات لبسط سيطرتها على المجموعات الأخرى؛ حتى ليمكننا أن نُلخص، ونحن بمأمن من احتمال الخطأ، أن المطالبة بإدخال تنظيم نقابي التي تحددت أخيرًا، لا تدل على رغبة كل المجموعات المهنية في سد حاجة عضوية عادلة في تكوين إرادة الدولة، بقدر ما تدل على إرادة بسط السلطة من مجموعات دوى مصالح لم يعد الدستور الديمقراطي يبدو لهم كفيلا بتحقيق نجاحهم السياسي” (كلسن، 1953، الصفحات 68-69). ويتساءل بسخرية: “أليس من اللافت أنّ الدعوة إلى التنظيم النقابي تأتي من الجانب البرجوازي في اللحظة نفسها التي تحوّلت فيها البروليتاريا – التي كانت حتى ذلك الحين أقلية – إلى أغلبية، وعندما بدأ البرلمان الديمقراطي يهدد بالانقلاب على الفئة التي كانت مستأثرة بالهيمنة السياسية حتى ذلك الوقت؟” (KELSEN، 1925، صفحة 26).

لا يمكن إيجاد حل، حسب كِلسِن، لهذه المسألة “إلا بأن نعطي بصفة نهائية حق اصدار القرارات في مثل هذه المنازعات الخاصة بالمصالح لسلطة تقوم بموجب قانون أجنبي عن المبدأ النقابي، وهي إما برلمان منتخب بطريقة ديمقراطية بواسطة الشعب كله، إما أن نعطي لها (النقابة) صفة الحكم المطلق بعض الشيء” (كلسن، 1953، صفحة 66). يطرح كِلسِن السؤال حول هذه المسألة كالتالي: في مثل هذه الحالة “ألا نجد أنفسنا مضطرين إلى الالتجاء من جديد للمبدأ “الآلي” للأغلبية؟ وحينئذ أي معنى يمكن أن يكون لتكوين هيئة تمثيلية كهذه على أساس التنظيم النقابي؟” (كلسن، 1953، صفحة 68). ثم يجيب عن هذان السؤالين بالصيغة التالية: “إذا كانت الأغلبية هي التي ستقرر في هيئة التمثيلية ضد الأقلية – في كل المسائل أو بعضها – فإنه من الأصوَب بمكان أن يقوم برلمان كهذا على نظام من التمييز الذي يعتبر كل ناخب ليس عضوًا في مهنة من المهن فقط، لكنه عضو في الدولة بأسرها، ولا يفترض فيه أن يُقصر اهتمامه على مسائل مهنية، ولكن يتعدى ذلك من حيث المبدأ، إلى كل المسائل التي يمكن أن تكون موضوعا لتنظيم الدولة. وذلك في الواقع هو السبب الذي من أجله لن يمكن إحلال التنظيم المهني بصفة مطلقة محل البرلمان الديمقراطي، بل يمكن إقامته فقط بجانبه” (كلسن، 1953، صفحة 68).

ونظرًا إلى أنّ كِلسِن ينطلق من فهمٍ للمجتمع بوصفه مجالًا للصراعات وتضارب المصالح، خلافًا للأطروحات السيسيولوجية السائدة في زمنه – وبخاصة لدى إميل دوركايم وجورج زيمل – التي كانت تشدد على الوحدة الاجتماعية، فإنه تمكّن من توجيه نقد شامل للمبادئ الكلاسيكية للنظام البرلماني. فالتعريف التقليدي لهذا النظام يقوم على وجود هيئة تُنتخب بواسطة الاقتراع العام والمتساوي، ووفقًا لمبدأ الأغلبية، بهدف تكوين إرادة الدولة (كلسن، 1953، صفحة 39).

ويُجسّد هذا التعريف، في جوهره، مبدأ الحرية وتقرير المصير الديمقراطي؛ كان النضال من أجل النظام البرلماني نضالًا من أجل حرية سياسية حقيقية (كلسن، 1953، صفحة 39)، لا حرية تُوجَّه من جانب الطبقة المهيمنة. ومع ذلك، يشير كِلسِن إلى أن الواقع الاجتماعي والممارسة السياسية يناقضان هذا الافتراض المطروح من البرجوازية، بحيث لا يتحقق مبدأ الحرية السياسية ولا مفهوم تقرير المصير داخل البرلمانات الغربية المعاصرة. فالنظام الاجتماعي، من حيث المبدأ، ينبغي أن يكون ثمرة مشاركة جميع الأفراد الذين يمثلونه، غير أن النظام داخل العالم الغربي لا يصوغ هذا النظام فعليًا؛ بل يكتفي بانتخاب أشخاص يُفترض أنهم يمثلون “إرادة الشعب” بوصفه كيانًا جماعيًا موحدًا، كما كانت تفترض نظرية العقد الاجتماعي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.

لكن من جهة كِلسِن، فإن إرادة مجموعة محدودة من الأفراد لا يمكن أن تُختزل في إرادة الشعب، لأن إرادة كل فرد تختلف بالضرورة عن إرادة الآخر، وتدخل معها في علاقة صراع دائم.

وانقد كِلسِن أيضًا مبدأ الوساطة في تشكيل الإرادة، أي مبدأ التمثيل، الذي يقوم على تقسيم العمل والتمايز الاجتماعي. وتستند الفكرة القائلة بأن النظام البرلماني يعبّر عن الحرية الديمقراطية إلى ما يسميه كِلسِن وهم التمثيل؛ وهو الاعتقاد بأن الشعب لا يستطيع التعبير عن إرادته إلا من خلال البرلمان المركزي الذي يمثّله، حتى عندما يكون البرلمان منفصلًا تمامًا عن مصالح الشعب، ولا يتلقى أعضاؤه أي تعليمات ملزِمة من ناخبيهم (كلسن، 1953، صفحة 42).

وبذلك يصبح وهم التمثيل هو الأساس الذي تُستمد منه شرعية البرلمان الغربي، تحت مبدأ السيادة الشعبية. غير أنّ كِلسِن يرى أنّ هذا التمثيل مستحيل من حيث المبدأ، تمامًا كما لا يمكن لشخص واحد أن يمثّل شخصًا آخر تمثيلًا حقيقيًا، لأن مصالح الفردين تختلف بالضرورة، وتدخل في تضادٍّ أو تبايُن لا يمكن تجاوزه.

وبما أنه لا وجود لتمثيل حقيقي، ولا لوحدة في الإرادة، فإن أعضاء البرلمان ينبغي أن يظلّوا خاضعين على الدوام لرقابة الشعب. ومن ثَمّ، يرفض كِلسِن مبدأ عدم مسؤولية البرلمانيين. فقد كانت الحصانة البرلمانية – التي تقتضي عدم إمكان متابعة عضو البرلمان قضائيًا أو إدانته إلا بموافقة المؤسسة البرلمانية نفسها – مبررة في سياق الملكية الدستورية، غير أنها تفقد معناها في ظل النظام الجمهوري البرلماني الذي ساد في أوروبا. “غير أنه يجب، قبل كل شيء، العمل على إزالة عدم مسؤولية النائب البرلماني هذه والتي يطلق عليها اسم ’الحصانة‘ أو على الأقل الحد منها، فإنها انعدام للمسؤولية لا أمام الناخبين فحسب، ولكن أمام السلطات في الدولة، وخاصة المحاكم” (كلسن، 1953، صفحة 57)، كل هذا يصفه كِلسِن أمرًا غير مقبول في جمهورية برلمانية، حيث إن الحكومة ليست سوى لجنة من لجان البرلمان وخاضعة لرقابة شديدة من المعارضة وحتى من الرأي العام كله، وحيث استقلال القضاء أكثر كفالة وحماية فيه منه في ظل الملكية الدستورية، فأي معنى للرغبة في حماية البرلمان من حكومته هو؟ بل لا يمكن حتى النظر جديًّا إلى هذا الامتياز على أنه وسيلة لحماية الأقلية ضد حكم الأغلبية، فإن هذا تحولٌ يلحق في الجمهوريات الديمقراطية بكثير من النظم الموروثة عن الملكية الدستورية” (كلسن، 1953، صفحة 59).

ويرى كِلسِن أيضًا أنه إذا وجد تعارض بين الشعب والبرلمان، داخل الحالة البرلمانية الغربية، فإن الحلّ يكمن في حلّ البرلمان. ولا يعني ذلك، في نظره، أنّ البرلمان الجديد سيعبّر عن “إرادة الشعب” – إذ إنّ هذا أمر مستحيل من الناحية البنيوية بسبب الطبيعة الصراعية للمجتمع – لكنه على الأقل لن يكون في موقع مواجهة مباشرة مع إرادة الشعب (كلسن، 1953، صفحة 55)، في سياق زمني محدود.

ورغم استحالة أن يتولّى الشعبُ بناءَ إرادة الدولة في جميع مستوياتها، فإن بإمكانه، مع ذلك، أن يشاركَ في العملية التشريعية بشكلٍ أكبر عبر وسائل تتجاوز حدود المشاركة البرلمانية، التي تظلّ محصورة في الانتخابات. ويتيح الاستفتاء – سواء أكان دستوريًا أم تشريعيًا – توسيعَ هذه المشاركة بصورة ملموسة (كلسن، 1953، الصفحات 48-49).

كما يشير كِلسِن إلى مؤسسة أخرى تمنح الشعب إمكان التدخل المباشر في تكوين إرادة الدولة، وهي المبادرة الشعبية؛ إذ يمكن لعدد معيّن من الناخبين تقديمُ مشروع قانون، ويصبح البرلمان ملزَمًا بالنظر فيه والتعامل معه. ويرى كِلسِن أن هذه المؤسسة ينبغي أن تحظى بمكانة أوسع داخل عملية التشريع وصوغ الدستور، بما يسمح للشعب بتقديم توجيهات عامة تتقدَّم على كل شأن آخر. وبما أنّ الناخبين لا يملكون إمكان توجيه تعليمات إلزامية للبرلمان، فإنهم يستطيعون – على الأقل – أن يوفّروا لممثليهم حوافز ومعايير توجيهية تساهم في ضبط عملهم التشريعي والتنفيذي[10].

المبدأ الثالث الذي يوجّه كِلسِن نقده إليه هو مبدأ الأغلبية. فالبرلمان يقوم على هذا المبدأ، والنظام الاجتماعي يُعاد إنتاجه من خلاله. غير أنّ الأغلبية لا يمكن تصورها إلا بوجود الأقلية؛ وعليه، فإنّ الحرية – وفق هذا التصور – تظل مقتصرة على أفراد الأغلبية وحدهم، لأنهم وحدهم من يقررون مصيرهم. أمّا الأقلية المهيمنة سياسيًّا، فهي في حالة تناقض بنيوي مع النظام الاجتماعي القائم.

ومع ذلك، حتى الفرد المنتمي إلى الأغلبية ليس حرًّا تمامًا؛ فهو لا يستطيع تغيير موقفه أو رأيه إلا بالبحث عن أغلبية جديدة ينضم إليها كي يستعيد حريته السياسية من جديد. وعلى هذا الأساس، لا يسمح مبدأ الأغلبية، كما هو معمول به في العالم الغربي بتمثيل جميع المصالح المتباينة داخل البرلمان، ولا يتيح التعبير الكامل عن مختلف الآراء والآراء المضادّة. وهذه الإشكالات تمثل اليوم جوهر النقاش حول أزمة الديمقراطية وأزمة التمثيل السياسي في العالم.

وبعد الفظائع التي رافقت الحرب العالمية الأولى والثانية، أدرك كِلسِن، على الأرجح، محدودية إمكان ضبط سيادة الدولة عبر القانون الداخلي وحده؛ لذلك وجّه اهتمامه، قبل كل شيء، نحو القانون الدولي. فمن خلال هذا الإطار الخارجي، سعى إلى إيجاد الوسائل القادرة على تقييد السيادة السياسية للدولة، بما يسمح بتهذيب طابعها المتفلّت والعنيف[11].

كان يورغن هابرماس (HABERMAS) من بين أبرز المفكرين الذين واصلوا نقد كِلسِن للنزعة الجماعية، ودعوا إلى ضبط سيادة الدولة عبر القانون الدولي. ورغم أن بينهما اختلافات معرفية وسياسية كبيرة – ولعل من أهمها أنّ القانون، في نظر كِلسِن، هو نتاج تسوية بين مصالح متعارضة لا يمكن التوفيق بينها بالكامل إلا عبر وحدة قانونية، بينما يرى هابرماس أن القانون يُبنى على الإجماع العقلاني الناتج من التواصل الذي تنتصر فيه الحجج الأفضل – فإنّ هذا الأخير يجعل فكر كِلسِن، من وجهة نظره، عرضة للعودة إلى استعارات “الإرادة العامة” التي انتقدها كِلسِن بشدة.

رغم ذلك، يلتقي الفيلسوفان في نقطة مركزية: ففي نقده للقومية، يعارض هابرماس التصور العرقي–القومي للمجتمع، ذلك التصور الذي يفترض وجود أمة بمعنى شعب متجانس ثقافيًا (Habermas، 2014، الصفحات 70-76). وهذا الافتراض، بحسب هابرماس وهانز كِلسِن، يجعل من المستحيل التفكير في الدولة داخل مجتمع متعدد الثقافات، حيث تتعايش جماعات إثنية مختلفة، ومجموعات لغوية متباينة، وتقاليد ومعتقدات وصور للعالم، وأنماط حياة متعددة.

فأمة المواطنين لا تستمد هويتها من التشابهات العرقية أو الثقافية، بل من وحدة الإجراء والوحدة القانونية؛ أي من كون مبادئ القانون نفسها قابلة لأن تُفسَّر من داخل تقاليد وطنية مختلفة، ومن خلال تواريخ وطنية متمايزة. وبذلك، لا يوجد أي تناقض بين كونية المبادئ القانونية وبين خصوصية تأويلاتها المشبعة بسياقات وتواريخ ثقافات محلية متعددة (COURTOIS، 2002، صفحة 12).

هذا التصور – كما يبين هابرماس – يتيح إمكان الاتفاق بين الغرباء، ويجعل من إدماج الآخر جزءًا من بنية المواطنة الديمقراطية، من دون أن يعني ذلك السعي إلى توحيد الثقافات على نحو مطلق أو القضاء على الاختلاف داخل المجتمع إلى حدود الصفر.

وفي كتاباته اللاحقة، استخدم هابرماس تعبيرات من قبيل “الهوية الأوروبية”، مشيرًا إلى الأنظمة القانونية بوصفها تجسيدًا للقيم والثقافة التي تميّز شعبًا معينًا. ويبدو أن هذا التوجّه يشكّل، من جهة، ردًّا على الانتقادات الموجّهة إلى رؤيته السابقة التي وُصفت بأنها شديدة الشكلية وتتجاهل الأبعاد الاجتماعية والثقافية؛ ومن جهة أخرى، محاولةً لتفسير الاختلافات القائمة بين الأنظمة السياسية والقانونية والثقافية في أوروبا.

ومع ذلك، لا يبدو واضحًا كيف يمكن لهذا المفهوم الواسع للثقافة – حتى وإن اقتصر على الموقف من حقوق الإنسان – أن يتفادى عدم الدقة المفهومية التي سعى هابرماس نفسه إلى مكافحتها في أعماله الأولى. ومن منظور كِلسِن، يقترب هذا التوجّه من ذلك التجسيد الثقافي الذي لم يستطع أن يقبله لدى سيميل ودوركهايم، والذي يبدو، في نظره، أنه لا يزال حاضرًا حتى اليوم.

خاتمة

يتضح من تحليل تصور هانس كِلسِن للديمقراطية أنّ نقده التمثيليةَ البرلمانيةَ متصلٌ بمشروعه الكلي في إعادة بناء المفاهيم السياسية والقانونية على أسس معيارية محضة، تستثني كل أشكال التجسيد الميتافيزيقي أو الادّعاء بوجود إرادة جمعية متعالية. فالديمقراطية، في منظور كِلسِن، لا تتحقق من خلال البرلمان وحده، ولا يمكن اختزال إرادة الشعب في عملية انتخابية دورية آلية تمارس وظيفة التفويض فقط. لهذا يؤكد ضرورة توسيع دوائر المشاركة الشعبية عبر آليات تكسر احتكار المؤسسة التمثيلية لصناعة القرار، وفي مقدمها الاستفتاء التشريعي والمبادرة الشعبية؛ وهي أدوات تتيح للمواطنين أن يتدخلوا على نحوٍ فعّال ومباشر في تكوين الإرادة القانونية للدولة، أو على الأقل في توجيه ممثليهم وتحفيزهم على الالتزام بالخطوط العامة لإرادتهم السياسية.

وخلافًا لبعض الاتجاهات الفكرية التي تميل إلى ربط الديمقراطية بأسس ثقافية أو هوياتية معيّنة، كما يظهر في كتابات هابرماس المتأخرة حول “الهوية الأوروبية”، يظل كِلسِن وفيًّا لمبدأ التجريد القانوني، رافضًا كل محاولة لمنح الإرادة الشعبية مضمونًا جوهريًا أو ثقافيًا ثابتًا. وهو يرى أن مثل هذه المقاربات، حتى حين تتخذ طابعًا نقديًا أو تركز على قيم مشتركة كحقوق الإنسان، لا تنجو من الغموض النظري ولا من خطر إعادة إنتاج ذلك “التجسيد” الذي انتقده بشدة عند كانط، وزيميل، ودوركهايم. وهنا يبرز التوتر بين اتجاهين: اتجاه كِلسِني يُفضّل شكلًا ديمقراطيًا قائمًا على قواعد إجرائية دقيقة، واتجاه يسعى إلى إدخال عناصر ثقافية وقيمية في تعريف الدولة والإرادة العامة.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن نقد كِلسِن للتمثيلية البرلمانية ليس رفضًا لها، بل محاولة لإعادة توازنها من الداخل عبر تقوية الطابع التشاركي للديمقراطية وتحريرها من وهم “التمثيل الكامل” الذي لا يمكن أن يتحقق عمليًا. وتُظهر مساهمته أن الديمقراطية، لكي تستمر وتبقى وفية لروحها الأصلية، تحتاج إلى الجمع بين الشكل القانوني الصارم وآليات المشاركة المباشرة، بما يسمح بإعادة ربط السلطة السياسية بمصدرها الحقيقي من دون الوقوع في النزعات الجوهرانية أو الثقافية. وهكذا يقدّم كِلسِن نموذجًا نقديًا لا يزال يحتفظ براهنيته، سواء في تحليل حدود النظام البرلماني المعاصر أو في التفكير في سُبل توسيع المشاركة الشعبية ضمن إطار قانوني يحفظ وحدة الدولة واستقرارها.

كتب ذات صلة:

الدين والدولة والديمقراطية من زاوية أركونية

المصادر:

محمد الياسميني: طالب باحث في سلك الدكتوراه بجامعة ابن طفيل.

محمد المحيفيظ: أستاذ الفلسفة بجامعة ابن طفيل.

[1] أقصد بالجوهرانية هنا كلَّ نظريةٍ تفسِّر الظواهرَ الاجتماعيةَ من خلال مفهوم الجوهر. ويجب الإشارة إلى الفلسفةَ المعاصرة، بصفة عامةٍ، قد حوَّلت اهتمامها من البحث عن الجوهر إلى البحث عن الوظيفة، وهو ما نجده بوضوح في مختلف الفلسفات التي استأنفت النقد الكانطي. (MARTYNIAK، 1937، صفحة 173).

[2] يؤكد كلسن في كتاب “النظرية المحضة في القانون” أنَّ العلومَ الاجتماعيةَ (علم الاجتماع، علم النفس.) تستخدم مبدأَ السببية في تفسير الظواهر الاجتماعية، أي أنها تشتغل ضمن مجال “ما هو كائن”، في حين أنَّ العلوم القانونية تستعمل مبدأَ الاسناد في وصف الظواهر الاجتماعية، أي أنها تشتغل ضمن المجال “ما يجب أن يكون”. انظر: (كلسن، النظرية المحضة في القانون، 1986).

[3] – “طبق مبدأ السببية على التصرفات الإنسانية التي تعتبر كوقائع تعود إلى النظام السببي للطبيعة ومن هنا تم تأسيس العلوم السببية كعلم النفس (…) أو علم الاجتماع وكلها ترمي إلى تفسير التصرفات الإنسانية بأن تنشأ بينها علاقة السبب بالنتيجة. (…) فرغم أنها تعود بموضوعها إلى مجموعة العلوم الاجتماعية، فإنها علوم سببية كعلم الفيزياء، وعلم الأحياء (…) ولا تتميز عنها إلا بالدرجة الأقل من الدقة التي أمكنها التوصل إليها حتى الآن” (كلسن، 1986، صفحة 21).

[4]وهناك علوم الاجتماعية لا تطبق مبدأ السببية، بل تطبق مبدأ الاسناد، فهي تدرس التصرفات، فهي تدرس التصرفات البشرية لا كما تجري فعليا في النظام السببي للطبيعة، إنما في ارتباط مع المعايير التي تأمر كيف يجب أن تحدث. فهي إذن علوم المعيارية ونجد إذن من بينها علم الأخلاق وعلم القانون”. (كلسن، 1986، صفحة 21).

[5] “نقصد بالطبيعة نظامًا لعناصر ترتبط ببعضها البعض من خلال مبدأ معين، هو مبدأ السببية. فكل قانون طبيعي يطبق هذا المبدأ، وعليه فالقانون الذي يقول إن المعدن يذوب عند تسخينه، هو قانون ينشأ علاقة سبب بنتيجة بين الحرارة وذوبان المعدن” (كلسن، 1986، صفحة 15).

[6] – “يقوم العلم القانوني، من أجل وصف موضوعه وبيان كونه قانونًا على وجه العموم، أم نظامًا قانونيًا خاصًا مثل القانون الدولي والقانون الوطني، الوطني لدولة ما، بصوغ ما ندعوه بالقواعد القانونية. وللقيام بذلك لا يرجع إلى مبدأ السببية الذي يتدخل في القوانين الطبيعية، بل إلى مبدأ آخر” (كلسن، 1986، صفحة 15)، هو مبدأ الاسناد (Imputation).

[7] يرى هانز كلسن أن علم الاجتماع بصفة عامة يدخل ضمن العلوم الطبيعة لأنه يستعمل مبدأ السببية في تفسير الظواهر الاجتماعية (كلسن، 1986، صفحة 21)، أما علم الاجتماع القانوني فلا يدرس معنى محدد للمعايير القانونية، إنما يدرس بعض الظواهر الطبيعية التي توصف في النظام القانوني بأنها وقائع قانونية. إن علم الاجتماع القانون لا ينشئ علاقة بين الوقائع الطبيعية التي يدرسها وبين بعض المعايير المقبولة قانونيا، ولكن بين هذه الوقائع والوقائع الأخرى التي يراها سببًا أو نتاجًا لها. فهو يبحث، على سبيل المثال، عن معرفة الأسباب التي من أجلها يضع المُشرّع المعيار الفلاني بدلًا من غيره، ويحدد آثار قراره. فيتساءل عن المدى والمقدار الذي تؤثر فيه الحقائق الاقتصادية أو المفاهيم الدينية في نشاط الحاكم، أو عن سبب إطاعة الناس معايير قانونية أو عدم إطاعتهم إياها (كلسن، 1986، صفحة 76).

[8] انظر النقد الذي قدمه ماكس فيبر وهانز كلسن لمفهوم الغائية (teleological) في الكتابين: (Weber, Critique of Stammler, 1977) و (Kelsen، Hauptprobleme Der Staatsrechtslehre Entwickelt Aus Der Lehre Vom Rechtssatze، 2013).

[9]الإسناد: “هو الرابطة التي تربط بين سلوكين بشريين، العمل الغير المشروع، الجزاء، (…) ويكون مفهومًا ضمنًا في افتراض مسؤولية الفرد عن تصرفه أو عدم مسؤوليته” (كلسن، 1986، الصفحات 17-18).

[10] – انظر (كلسن، الديمقراطية طبيعتها – قيمتها، 1953).

[11] – انظر: (Kelsen، Law and Peace in International Relations، 1943).

ببليوغرافيا:

Adolfo J. Sánchez Hidalgo. (2024). Facts and Rules: Incidence of the Social Environment in the Understanding and Elaboration of Law, from the Communicational Theory of Law. Springer.

Carlos Miguel HERRERA. (1997). Théorie juridique et politique chez Hans Kelsen. Paris: Kimé.

Czeslaw MARTYNIAK. (1937). Le problème de l’unité des fondements de la théorie de droit de Kelsen. Archives de Philosophie du droit et de Sociologie juridique.

Hans KELSEN. (1925). Das Problem des Parlamentarismus. Braumüller.

Hans Kelsen. (1943). Law and Peace in International Relations. International Affairs Review Supplement.

Hans Kelsen. (1988). La notion d’État et la psychologie sociale. A propos de la théorie freudienne des foules. cairn.info.

Hans Kelsen. (1992). Qu’est-ce que la théorie pure du droit ? Droit et Société.

Hans Kelsen. (2013). Hauptprobleme Der Staatsrechtslehre Entwickelt Aus Der Lehre Vom Rechtssatze. Gale: Making of Modern Law.

Jean-Pierre, et Béatrice Hibou Grossein. (2024). Max Weber: Science juridique et sociologie. OpenEdition.

Jürgen Habermas. (2014). L’intégration républicaine. Essais de théorie politique. Pluriel.

Max WEBER. (1965). Essais sur la théorie de la science. (Julien Freund، المترجمون) Paris: Librairie Plon.

Max Weber. (1995). Economie et Société (المجلد 2). (Julien Freund، Pierre Kamnitzer، Pierre Bertrand، Éric de Dampierre، المترجمون) Plon.

Max Weber. (2016). Concepts fondamentaux de sociologie. (Jean-Pierre Grossein، المترجمون) Gallimard.

Norberto Bobbio. (1998). Essais de théorie du droit. (Michel Guéret، المترجمون) Paris: LGDJ.

STÉPHANE COURTOIS. (2002). Le patriotisme constitutionnel de J. Habermas face au nationalisme québécois : sa portée, ses limites. Université du Québec à Trois-Rivières.

Weber, M. (1977). Critique of Stammler. (G. Oakes, Trad.) New York: The Free Press.

كِلسِن، ه. .(1953)  الديمقراطية طبيعتها  قيمتها. (ع. الحمامصي: Trad.) القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.

كِلسِن، ه (1986).  النظرية المحضة في القانون. (ا. أ. الوتري، Trad.) بغداد: مركز البحوث القانونية.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز