توطئة
تتناول هذه المقالة الأوضاع السائدة في مخيّم جنين للاجئين الفلسطينيين، وتُعيد قراءة الواقع والوقائع فيه من منظور سوسيو – اقتصاديّ عبر الاستقراء التاريخيّ للمخيّم ومكوّناته الاجتماعيّة – العائليّة، ومن ثم الولوج إلى الواقع الاقتصاديّ والخَدميّ بوصفه محرّكًا مركزيًّا ومؤثّرًا ومتـأثِّرًا فاعلًا في ماجريات الأحداث، كما تتطرّق إلى ما تعرّضت له البنية التحتيّة في المخيّم من دمار هائل تَشي بأنّ سيناريو التهجير الديمغرافيّ (الترانسفير) لسكّان المخيّم وشيكٌ ارتكازًا على معطيّات ودلائل وحقائق. كما تُحلِّل الورقة دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومقدرتها على مواصلة تقديم خدماتها الرعائيّة في ظلِّ ما يُحيق بها من تهديدات وجوديّة؛ نظرًا إلى قرارات الإدارة الأمريكيّة برئاسة دونالد ترامب حيالها، وإقرار البرلمان الإسرائيليّ (الكنيست) قانونًا يحظر عملها داخل إسرائيل ويعدّها منظّمةً إرهابيّة.
تهتم الورقة بظاهرة «كتيبة جنين» كتعبير عن توقِ المهمّشين من الشبّان في مخيّم جنين إلى إعادة إحياء الذات الثوريّة للمخيّم كردٍ على إقصائهم من المشاركة والاندماج في صيرورة البناء الوطنيّ، وعن رفض السياسات الرسمية التي لم تُشركهم على نحوٍ فعّال في التنمية الوطنيّة؛ وهو ما ساهم في مفاقمة معدلات الفقر والبطالة والعوز في تحليل لديناميّات التهميش الرسميّ وأثره في المُهمّشين.
أمّا في ما يتصل بدور المؤسّسات الرسميّة الفلسطينيّة، وفي مقدمها السلطة الفلسطينيّة، فتركّز الورقة على تحليل لعمليّة الأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة والمتواصلة حتى تاريخ إعداد هذه المقالة في مخيّم جنين، عبر تشريح الخطاب الرسميّ ومسوّغات استخدام القوة تجاه من يوصفون بـ«الخارجين عن القانون».
أولًا: مخيّم جنين: استقراء لا بدّ منه
عام 1953، شُيّد مُخيّم جنين للاجئين الفلسطينيين الذين هُجِّروا من أراضيهم إبَّان النكبة عام 1948، وينحدر جُلُّ هؤلاء اللاجئين من مدينة حيفا، وعلى وجه التحديد من منطقة الكرمل، في حين يُمثّل اللاجئون من قرية زرعين ما نسبته 18 بالمئة من سكّان المخيّم، أمّا اللاجئون من قرية المنسي فيمثّلون نسبة 11.5 بالمئة، وينحدر بقية اللاجئين من عدّة قرى في الداخل الفلسطينيّ، مثل صبارين وإجزم والمزار ونورس والنغنغيّة والغبيّة التحتا والغبيّة الفوقا.
أُنشئ مخيّم جنين على الجهة الغربيّة من مدينة جنين على مساحة تُقدّر بـ 372 دونمًا (اتسعت لاحقًا إلى 472 دونمًا) ضمن حدود بلديّة جنين استأجرتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من الحكومة الأردنيّة. يُطِلُ المخيم من الشمال على سهل مرج بني عامر الذي يمتاز بخصوبة أراضيه وتنوّع مزروعاته ومحاصيله، والذي يخضع للسيطرة الإسرائيليّة الكاملة، ومن الغرب يُتاخم وادي الجدي، وتُحيط به من الجنوب قرية برقين التي تتعرّض بدورها لاعتداءات المستوطنين الدورية.
يصل عدد سكّان مخيّم جنين إلى 24 ألف لاجئ ولاجئة بحسب آخر الإحصاءات لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لعام 2023 (تتباين الإحصاءات حول عدد سكّان المخيّم من اللاجئين، لكنّ الأعداد تتقلب ما بين 24 و26 ألف لاجئ)، وهو ما يعني أنّ المخيّم يُعدَّ ذا كثافة سكانيّة مُرتفعة قياسًا على مخيّمات اللاجئين في الضّفة الغربيّة، وما يدلّل على ذلك أنّ الكثافة السكّانيّة وصلت إلى 56,257 نسمة لكلّ كيلومتر مربّع.
تألفت في مخيّم جنين منذ تشييده شبكة علائقيّة (ميكرو – اجتماعيّة) بين عائلات المخيّم وهي: سليط، وستيتي، والعزمي، وأبو صبيح، وأبو حطب، والهندي، وسلامة، والحريري، وبركات، وضبايا، والتركماني. واتسمت هذه الشبكة بأشكال من التضامن الأفقيّ على المستويين الاجتماعيّ والرعائيّ، كما اتصلت هذه العائلات بعلاقة ذات طابع نوستالجيّ مع أقاربهم المقيمين في الداخل الفلسطينيّ، لأنّ المخيّم يتاخم ما يُعرف بـ«الخط الأخضر» الذي يَفصل الداخل عن الضّفة الغربيّة ومناطق الـ 67.
تمظهرت الشبكة العلائقيّة في المخيم بالتضامن الاجتماعيّ والمَطلبيّ، وبالرغم من اتساع الهوّة الطبقيّة بين عائلات المخيّم، التي تتراءى في المناسبات الاجتماعيّة، فإنّ ذلك لم يؤثّر في تلك الشبكة، وخصوصًا أنّ لرابطة الدّم (المصاهرات وغيرها) دورًا في توطيد التضامن الاجتماعيّ مافوق السياسيّ – الحزبيّ، كما للشبكة العلائقيّة في المخيّم المقدرة على ضبط الخلافات الحزبيّة والسياسيّة والحؤول دون اتخاذها أشكالًا صِداميّةً – عنفيّةً عبر الالتزام الصارم بصيغة وحدويّة صِيغت على مدار عقود من مراحل النضال الوطنيّ الفلسطينيّ.
تمأسسَ التضامن الاجتماعيّ في المخيّم بعد تأليف اللجنة الشعبيّة لخدمات مخيّم جنين؛ وهي اللجنة المختصّة بمتابعة شؤون المخيّم كافة، زد على ذلك مركز الشباب الاجتماعيّ، وجمعيّة العمل النسويّ، والمركز النسويّ، وجمعيّة الجليل، وهي مؤسّسات وجمعيّات تشهد سباقًا محمومًا بين الفصائل الفلسطينيّة التي تحاول في أغلب الأحيان أَنْ تُصيِّر تلك المؤسسات والجمعيّات حلبةَ سباق ومنافسة بينها. وهذا ما يجعلُ الغايات التي أنشئت من أجلها مجوّفةً. لكن على الرغم من ذلك تسعى اللجنة الشعبيّة لخدمات المخيّمات ومعها مؤسّسات المجتمع المحليّ، إلى تقديم الخدمات إلى سكّان المخيّم ضمن الإمكانيات المُتاحة والمتوافرة.
ثانيًا: الواقع الاقتصاديّ: أزمات كاملة وأنصاف حلول
اعتمد سكّانُ مخيّم جنين على العمل في القطاعَين الإنشائيّ (في الداخل الفلسطينيّ) والزراعيّ في المناطق والقرى المحاذية للمخيّم؛ وذلك لإعالة أُسَرهم وذويهم الذين يواجهون ظروفًا اقتصاديّةً ومعيشيّةً حالكةً من جرّاء تفاقم الفقر بجميع مستوياته، ناهيك بالبطالة، وارتفاع معدّلاتها في السنوات الأخيرة من جرّاء الاقتحامات العسكرية الإسرائيليّة المتواصلة للمخيم، والإغلاقات المستمرّة للمعابر كمعبرَيْ سالم والجلمة؛ وهو ما يحول دون وصول العمّال إلى أماكن عملهم في الداخل. يضاف إلى ذلك التضرّر الكُليّ والجزئيّ للمنشآت التجاريّة في المخيّم التي تكون في معظم الأحيان معرّضةً للنيران نتيجةَ الاشتباكات بين المسلّحين الفلسطينيين والجيش الإسرائيليّ. وما يجري في مخيّم جنين ينسحب بتأثيراته الاقتصاديّة على محافظة جنين التي بلغت خسائر منشآتها الاقتصاديّة (عددها 9,568 منشأة اقتصاديّة، يعمل فيها ما يصل إلى 32,316 عاملًا وعاملة) نحو مليارَي دولار خلال آخر ثلاثة أعوام بحسب غرفة تجارة وصناعة جنين.
يعدّ معدّل البطالة في مخيّم جنين الأعلى مقارنةً بمخيّمات اللاجئين في الضّفة الغربيّة في الآونة الأخيرة، بالرغم من البرامج التمويليّة والتشغيليّة كبرنامج التمويل الصغير، وبرنامج المال مقابل العمل، وبرنامج خلق فرص العمل من جانب عدد من المنظّمات الدولية والأهليّة، وقد استطاعت هذه البرامج – على سبيل المثال لا الحصر – أن توفِّر معونات غذائيّة لنحو 2205 أُسر، وأن يحظى نحو 130 لاجئًا بالشمول ببرنامج التشغيل الطارئ؛ إلّا أنّ ذلك لم يؤدِّ إلى كبح التداعي الاقتصاديّ والمعيشيّ الذي يتفاقم يومًا بعد الآخر بسبب اقتحامات الجيش الإسرائيليّ المتكرّرة وتعمّده استهداف المنشآت التجاريّة، والمراكز الصحيّة والثقافيّة، والبُنى التحتيّة التي سنتطرّق إليها لاحقًا؛ نظرًا إلى فداحة ما تعرّضت له من تدمير ممنهج.
أمّا في ما يتصل بالمجتمع المحليّ في المخيمّ، فيوجد للشباب من الذكور مركزٌ ونادٍ شبابيٍّ واحد؛ وهو مركز الشباب الاجتماعيّ الذي تأسّس عام 1954 بهدف تنمية ورعاية القدرات الفرديّة والجماعيّة للاجئين من فئة الشباب. يتضمّن المركز الذي تأسّس عبر مراحل مكتبةً ثقافيّةً، وناديًا رياضيًّا، ومقرًا مستقلًا للمركز الذي قتلت القوّات الإسرائيليّة 23 عضوًا من أعضائه، كما أُنشئ مركز الفتيات الاجتماعيّ؛ وهو مركز ثقافيّ ونادٍ رياضيّ للفتيات في المخيّم، وتشرف عليه وكالة الأونروا، ويتضمّن مركز إعادة تأهيل مجتمعيّ واحد، ومركز برامج نسائيّة واحد، كما يقدّم المركز عددًا من الخدمات الاجتماعيّة والإغاثيّة.
ثالثًا: بُنى تحتيّة مُهشّمة:
سيناريو التهجير المرتقب
تعرّض مخيّم جنين مطلع شهر نيسان/أبريل من عام 2004 لاجتياح إسرائيليّ ضمن ما عُرِف حينها بعمليّة «السّور الواقي» التي أقرّتها الحكومة الإسرائيليّة برئاسة أرييل شارون وقتذاك؛ وذلك بعد تنامي عمليّات إطلاق النار على الطرق الالتفافيّة، واستهداف معسكرات ومواقع الجيش الإسرائيليّ والمستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربيّة، وكذلك العمليّات الانغماسيّة (الاستشهاديّة كما تُوصف في أدبيّات الحركات الإسلاميّة) في الداخل الفلسطينيّ، التي جاءت ردًا على ممارسات القوّات الإسرائيليّة، كالاغتيالات التي تستهدف بعض القيادات الميدانيّة والسياسيّة الفلسطينيّة والاقتحامات والاعتقالات، وغير ذلك من ضروب العنف الذي انفلت من عقاله بعد الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر عام 2000؛ وهو تاريخ ما يَعرف بالانتفاضة الثانية.
تسبّب الاجتياح العسكريّ الإسرائيليّ لمخيّم جنين، الذي استمرّ ما يزيد على 16 يومًا، بدمار هائل في البُنى التحتيّة والمنازل وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصّحي؛ وأسفرَ أيضًا عن استشهاد قرابة 50 فلسطينيًّا، معظمهم من المدنيين الذين فقد ما يصل إلى 2000 منهم منازلهم، وأصبحوا بلا مأوى أو موئل إلى أَنْ أُعيدَ إعمار وترميم المنازل المُدمّرة أو المُهدّمة، كما تم شراء أرض جديدة بمحاذاة المخيّم من طرف جمعيّة الهلال الأحمر الإماراتيّ لبناء منازل جديدة عليها.
ظلَّ مُخيّمُ جنين عرضةً لاجتياحات واقتحامات القوّات الإسرائيليّة التي لم تنفك عن اقتحام المخيّم، وتجريف شوارعه، وتدمير بُناه التحتيّة، كشبكات الكهرباء والمياه؛ وهو الأمر الذي بلغ ذروته في تمّوز/يوليو 2023، حيث أعلن الجيش الإسرائيليّ تنفيذ عمليّة «بيت وحديقة» بهدف اجتثاث المجموعات المُسلّحة داخل المخيّم، التي أصبحت ظاهرةً مؤرّقةً لها؛ نتيجة لتنامي عمليّاتها التي لم تعد ذات طابع عشوائيّ، وخصوصًا بعد الإعلان عام 2021 عن تنظيم عسكريّ اسمه «كتيبة جنين» سنتعرّض له فيما بعد.
تسبّبت عمليّة «بيت وحديقة»، بخلاف التدمير الهائل للبنية التحتيّة، في نزوح مؤقّت لأكثر من 500 أسرةً فلسطينيّةً تضمّ 3500 فرد، كما تعرّضت مئات الوحدات السكنيّة للدمار (الكلي والجزئيّ). وبالعودة إلى البنية التحتيّة، دمّرت القوّات الإسرائيليّة نحو 8 كم من أنابيب المياه، وهو ما تسبّب في الانقطاع الكامل لإمدادات المياه عن المخيّم. ودمّرت القوّات الإسرائيليّة أيضًا كيلومترين من شبكة الصرف الصّحيّ المُتهالكة أصلًا بسبب الاقتحامات السابقة، ناهيك بالتجريف المُتعمّد لنحو 4 كم من الطرق التي لم تعد صالحةً، علاوةً على ذلك، فقد تسبّبت هذه العمليّة في استشهاد 12 فلسطينيًّا بينهم 4 أطفال، وإصابة 143، لم تكن المستشفيات قادرةً على استقبالهم من جرّاء إعاقة عمل طواقم الإسعاف (الهلال الأحمر الفلسطينيّ) من الوصول إليهم، بل تعرّضت هذه الطواقم للاستهداف المتعمّد بنيران الجيش الإسرائيليّ.
جدير بالذكر أنّ عمليّة «بيت وحديقة» لم تستهدف مخيّم جنين وحده، بل شملت مخيمَي الفارعة في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، ونور شمس في طولكرم؛ وهو ما أثار التساؤلات والتكهنات حول نيّات إسرائيل من هذه العمليّة التي وصفها محلّلون بمحاكاةً لسيناريو مستقبليّ لتهجير (الترانسفير) اللاجئين الفلسطينيين. عزّز هذه التساؤلات والمخاوف سلسلة التشريعات التي أقرّها الكنيست الإسرائيليّ بصورة دراماتيكيّة بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي استهدف ما يعرف بمستوطنات غلاف غزّة حيالَ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا). وقد استندت هذه التشريعات إلى مزاعم حول مشاركة موظفين تابعين لـلأونروا في الهجوم بوصفهم عناصر وكوادر في حركة حماس. لكن من المهم الذكر؛ أنّ التشريعات الإسرائيليّة المقوّضة لعمل الأونروا جاءت في سياقات تاريخيّة متواصلة وصلت إلى منعطفها التحوّليّ بعد انتخاب الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، وهذا ما سنتحدّث عنه لاحقًا.
في هذا المضمار فإنّ سيناريو تهجير اللاجئين الفلسطينيين في مخيّمات الضّفة الغربيّة، وفي مقدمها مخيّم جنين لا يتخذ من الأدوات العنفيّة (العسكريّة) وسيلةً حصريّةً لتنفيذه؛ بل يتعدّاه إلى وسائلَ أخرى، أهمها، خلق ما يُعرف بـ«المناخات الطّاردة»؛ وهذا ما يُفسِّر التدمير المتعمّد للبُنى التحتيّة التي تغدو الحياة من دونها استحاليّةً، فقد رُصِدَ في بعض اقتحامات الجيش الإسرائيليّ للمخيّم أنّه يعمد إلى تجريف الطرق، وتدمير شبكات المياه والكهرباء، والمنشآت التجاريّة، وعلى وجه الخصوص المتناهية الصغر منها، كالتي يعتاش من خلالها الباعة الجائلون (البسطات) من دون الاحتكاك بالمسلحين المتحصّنين داخل المخيّم، وهو ما يُدلّل على المآرب التهجيريّة (الترانسفير).
وضمن جهود إعادة الإعمار والترميم في المخيّم؛ أُلّفت لجنة رسميّة من جانب الحكومة الفلسطينيّة السّابقة برئاسة محمد اشتيّة، أعلنت وقتئذ عن حملة لجمع التبرّعات التي وصلت قيمتها بحسب التقارير الرسميّة إلى 180 مليون دولار، منها 30 مليون دولار قدّمتها الجزائر كمنحة لإعادة إعمار المخيّم، لكن سرعان ما أُحيطت هذه اللجنة بشبهات الفساد، وتحديدًا بعد كشف تقارير صحافيّة عن عدم صرف معظم هذه الأموال من أجل الغايات التي خُصِّصت لها، بالرغم من صرف مبلغ 1640 شيكل لنحو 1170 أسرة متضرّرة.
وكشف رئيس اللجنة الشعبيّة لخدمات مخيّم جنين محمد الصبّاغ قضية المنح العربيّة التي قُدّمت لإعادة إعمار المخيّم من جانب البلدان العربيّة (الجزائر والإمارات) من طريق السلطة الفلسطينيّة، في تصريح صحافيّ له نُشر في أيلول/سبتمبر 2023، أنّ المنحة الجزائريّة (30 مليون دولار) لم يصل منها إلى المخيّم شيء، أما منحة الإمارات (15 مليون دولار) فذهبت إلى وكالة (الأونروا)، ورأى الصبّاغ أنّها لن تُخصَّص لجهود إعادة الإعمار.
وبعد إعلان الصبّاغ أنّ أموال المنح والتبرّعات لن يصل منها شيء فقد أعلنت لجنة متضرّري اجتياح مخيّم جنين في الثاني من أيلول/سبتمبر 2023 وفي بيان صحافيٍّ: «يؤسفنا أن نبلغ العالم وأبناء شعبنا أنّ كل هذه الأموال التي جُمعت ومنها تبرّعاتكم؛ لم يصل منها شيء لأهل المخيّم».
وأردفت اللجنة بيانها بوثائق تُثبت وعودًا لمسؤولين حكوميين بإعادة إعمار المخيّم وترميمه.
وقد استبق ائتلاف «أمان» من أجل النزاهة والمساءلة قبيل الشروع في إعادة إعمار المخيّم وترميمه بجملة من التوصيات للحؤول دون أيّة إساءة لاستخدام المنصب أو إهدار المال العام؛ إلّا أنّ هذه التوصيات ظلّت حبيسةَ أوراقها، وما يؤكّد ذلك – بخلاف تصريح الصبّاغ وبيان لجنة متضرّري اجتياح المخيّم – تقرير نشرته صحيفة القدس العربيّ بتاريخ السادس عشر من أيلول/سبتمبر 2023 يكشف فيه عن تباطؤ ملموس في جهود إعادة الإعمار بالرغم من مرور شهرين على اجتياح القوّات الإسرائيليّة، استنادًا إلى أحاديث سكّان المخيّم الذين عبّروا عن إحباطهم من ذلك التباطؤ، وشعورهم بعدم الثقة حول التزام اللجنة الحكوميّة بمعايير النزاهة والشفافيّة، في حين اتهم آخرون – بحسب التقرير – أعضاءً في اللجنة بأنّهم يسعون إلى تعبئة «جيوبهم» لا إلى إعادة إعمار المخيّم.
ردًّا على ذلك، قال وزير الحكم المحليّ السابق مجدي الصّالح خلال زيارته المخيّم إنّ التأخير في جهود إعادة الإعمار مردّه إلى المساحة الضيّقة المُتاحة للعمل، والكثافة السكّانيّة العالية إلى جانب العمل في منطقة محفوفة بالخطر، مؤكدًا حينها أنّ اللجنة الحكوميّة لم يصلها سوى 500 ألف شيكل من خلال مكتب الرئيس الفلسطينيّ، نافيًا وصول المنحة الجزائريّة.
كما أعلنت الحكومة الفلسطينيّة أنّها استأجرت منازل لإيواء نحو 82 أسرةً تعرّضت منازلها للدمّار الكليّ بتكلفة 150 ألف شيكل، رصدتها لعقود الإيجار الشهريّة؛ بيد أنّ ملفَ إعادة إعمار المخيّم وترميمه ظل متأرجحًا بين الاتهامات بالفساد وبين التباطؤ في إنجاز إعادة الإعمار؛ الأمر الذي فاقمه حلول فصل الشتاء، واقتحامات القوّات الإسرائيليّة واستمرارها في التدمير الممنهج والمتعمّد للبُنى التحتيّة.
رابعًا: الأونروا: دورُ آخذ في الأفول
تأسّست وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بموجب القرار الدولي الرقم (302) الصادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتحدّة بتاريخ الثامن من كانون الأوّل/ديسمبر 1949؛ بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئي فلسطين؛ وهو المصطلح الذي تمّ تعريفه عام 1952 بـ«أنّه أي شخص كان مكان إقامته الطبيعيّ هو فلسطين خلال المدة من 1 حزيران عام 1946 إلى 15 أيّار عام 1948، وفقد منزله وسبل معيشته نتيجة لنزاع عام 1948».
تقتصر مهمّة الأونروا على إدارة خدمات التعليم والصّحة والإغاثة والخدمات الاجتماعيّة والتمويل الصغير وبرامج المساعدات في حالات الطوارئ، التي تقع داخل المخيّمات وخارجها؛ من خلال التبرّعات الطوعيّة التي تقدّمها الدول المانحة، كما تموّل الأمانة العامّة للأمم المتحدّة 158 وظيفةً دوليةً كلّ عام من ميزانيّتها العادية. وبحسب آخر الإحصاءات، فقد قدّمت الولايات المتحدّة الأمريكيّة ضمن اتفاقيّة الإطار العام الموقّعة بينها وبين الأونروا لعام 2023 – 2024 تبرّعًا بقيمة 153 مليون دولار، في حين يقدّم الاتحاد الأوروبيّ المبلغ نفسه تقريبًا سنويًّا.
يحظى مخيّم جنين كسائر المخيّمات الفلسطينيّة بما تقدّمه الأونروا من خدمات التعليم والصحة والإغاثة، إلّا أنّ هذه الخدمات تراجعت كمًّا ونوعًا رويدًا رويدًا بعد قرار الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب عام 2018 بوقف الدعم الماليّ عن الأونروا؛ وهو ما أدّى إلى تراكم العجز الماليّ، الأمر الذي أدّى بدوره إلى ضعضعة القدرة على تقديم الخدمات إلى سكّان المخيم بالتزامن مع تردّي البُنى التحتيّة. وحتّى مع استئناف الدعم الماليّ الأمريكيّ، واستمرار الدعم الماليّ الأوروبيّ والعربيّ، فإنّ التشريعات التي أقرّها الكنيست الإسرائيليّ بتاريخ الثامن والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2024 بحظر عمل الأونروا داخل «إسرائيل» سيكون لها تأثير حاسم في قدرتها على مواصلة دورها الإغاثيّ، وخصوصًا بعد انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكيّة.
تقدّم وكالة الأونروا خدمات التعليم الأساسيّ إلى نحو 1750 طالبًا وطالبةً من خلال مدارسها الأساسيّة الأربع، كما تقدّم خدمات الصّحة والطبابة إلى ما يقارب 300 مريض بصورة يوميّة عبر مركز الرعاية الصحيّة الأوليّة التابع لها في المخيم، في حين تُقدّم الأونروا أيضًا بواسطة مختصين اجتماعيين زيارات للأسَر المتضرّرة التي تحتاج إلى تدخّلات نفسيّة واجتماعيّة.
وبحسب المفوّض العامّ لوكالة الأونروا، فيليب لازاريني، فإنّ اللاجئين الفلسطينيين في مخيّم جنين يواجهون تحديات أمنيّة واقتصاديّة؛ قال ذلك خلال زيارته المخيّم بتاريخ 31 أيّار/مايو 2022، في حين أكّدت مديرة شؤون الأونروا بالإنابة، دوروثي كلاوس، أنّ سكّان المخيّم يتعرّضون لضغوط اقتصاديّة وأمنيّة متزايدة.
وبعد اجتياح الجيش الإسرائيليّ المخيّم خلال تمّوز/يوليو 2023؛ ناشدت الأونروا الممولين للحصول على 23 مليون دولار لتلبية حاجات سكّان المخيّم بعد الأضرار الجسيمة التي تعرّضت لها المنازل وشبكات المياه والكهرباء والبنية التحتيّة، وخروج المركز الصحيّ الوحيد التابع للأونروا عن الخدمة في إثر استهدافه خلال الاشتباكات بين المسلّحين والقوّات الإسرائيليّة.
تذهب تحليلات وقراءات إلى أنّ سيناريو تهجير (الترانسفير) سكّان المخيّمات الفلسطينيّة في الضّفة الغربيّة، ومنها مخيّم جنين يتقاطع مع السياسات والقرارات والإجراءات المُضادة لوكالة الأونروا؛ أيّ أنّ هناك اتصالًا زمنيًّا وسياسيًّا بين المساعي لتنفيذ التهجير عبر خلق المناخات الطاردة، وبين تصفية وكالة الأونروا كمنظومة رعائيّة، وكشاهد تاريخيّ على حقّ اللاجئين الفلسطينيين بالعودة والتعويض.
أخيرًا وليسَ آخرًا؛ فقد حدّد سفير «إسرائيل» لدى الأمم المُتحدة، داني دانون، مهلةً لوكالة الأونروا لوقف أنشطتها في القدس، وإخلاء كلّ المباني التي تشغلها بحلول الثلاثين من كانون الثاني/يناير 2025، لكن المفوّض العام للوكالة فيليب لازاريني رد على ذلك بتأكيد استمرار عمل (الأونروا) في قطاع غزّة وجميع أنحاء الأراضي الفلسطينيّة.
خامسًا: «كتيبة جنين»: مقاومون أم أناركيّون؟
في خضم التفاعلات السوسيو – سياسيّة للإرث القوميّ في مخيّم جنين، والتأثير العابر للأجيال للخطاب التعبويّ الأفقيّ، تألّف التشكيل العسكريّ الذي يُعرَف بـ«كتيبة جنين»، التي بدأت أنشطتها العمليّاتيّة إبّان العمليّة العسكريّة «حارس الأسوار» التي نفّذها الجيش الإسرائيليّ ضدّ الفصائل العسكريّة في قطاع غزّة، والتي اختارت بدورها «سيف القدس» اسمًا للحرب التي دارت رحاها؛ وذلك بعد أحداث حي الشيخ جرّاح شمال مدينة القدس.
شرعت حركتا الجهاد الإسلاميّ والمقاومة الإسلاميّة «حماس» في توفير الدعم العسكريّ والماليّ لما يُعرف بـ«كتيبة جنين» التي، بحسب المصادر المحليّة، أسّسها الشّاب جميل العمّوري، الذي اغتالته القوّات الخاصّة الإسرائيليّة في العاشر من حزيران/يونيو 2021، وسرعان ما تمدّدت ظاهرة «كتيبة جنين» إلى سائر المخيّمات الفلسطينيّة في الضّفة الغربيّة.
أخذ دور «كتيبة جنين» في التنامي مع التطوّر في أساليبها وتكتيكاتها القتاليّة، وارتكزت في خطابها على «فلسطنة الإسلام السّياسيّ»؛ من خلال المزاوجة بين أدبيّات حركتَي الجهاد الإسلاميّ وحماس وبين البُنى القوميّة – الوطنيّة للمخيّم بوصفه رمزًا حيويًّا متأثّرًا ومؤثّرًا في صيرورة البناء المفاهيميّ للوعي التاريخيّ لدى أفراد تلك الكتيبة التي لا تُعدّ كتيبةً بالنسبة إلى تعريف الكتيبة في العلوم العسكريّة، ولكنّ المُراد من استخدام هذه التوصيفات الدلاليّة هي إبراز الكمّ العدديّ المؤطّر ضمن «هيراركيّة» خلايّاتيّة.
انخرط في كتيبة جنين عدد من شبّان المخيّم الذين يُعدّون جيلَ ما بعد «أوسلو»، أيّ أنّ معظمهم ولد ما بعد اتفاقيّات «أوسلو» عام 1993، وهم من أسر فقيرة استُثنوا من عمليّة الإدماج الاجتماعيّ (Socialization) ضمن النظام السّياسيّ الفلسطينيّ الذي رأى في لاجئي المخيّمات مخزونًا بشريًّا – ثوريًّا يتم استخدامه في أنساق محدّدة وُممرحلة؛ من خلال (طَقسنة) العلاقة ما بين المؤسّسات الرسميّة (سلطة فلسطينيّة – فصائل منظّمة التحرير الفلسطينيّة) وبين اللاجئين كحالة لها خصوصيّاتها وثيماتها. وبمقدار الاستيعاب الوظيفيّ المشروط لهؤلاء؛ فإنّ النظام السياسيّ يحدد وتيرة العلاقة التي أضحت علاقةً نفعيّةً محدودة ومُحدّدة ضمن قنوات اتصال شخصانيّة متنفّذة تحظى بامتيازات يجزلها النظام السّياسيّ لهم لقاءَ إدارة وعي ذاك المخزون وتوجيهه باتجاه الخيارات السّياسيّة لذاك النظام الذي أجرى هندسةً عكسيّةً (Reverse Engineering) لعلاقته بالمخزون؛ فهو لا يريدهُ ثوريًّا كما كان، لكن يريدُ تثويره كيفما كان.
وسطَ بطالة مستفحلة، وفقر مُدقع، وتلاشٍ لمنظومة الخدمات الأساسيّة؛ لم يكنْ لشبّان المخيّم إلا إعادة إحياء الذّات الثوريّة، والاستحضار الدائم، وبناء تعريفات جديدة مُدعّمةً بخطاب تكنو – وطنيّ نفّاذ إلى صميم الأزمات والتهديدات يُذيبُ الماضي في المستقبل ويُخضع المستقبل لحسابات الماضي، ويتخذ زمام المبادرة من المؤسّسات الرسميّة في محاولة لكسر احتكار الخطاب. وهكذا استطاعت «كتيبة جنين» أنْ تُنمذِجَ الذّات عبر صيغ ما فوق حزبيّة – فصائليّة اجتذبت المُهمّشين من الشبان في المخيّم، الذين لا صلة لهم كبعض المخيّمات بالخلافات بين الفصائل والقوى.
شرعت «كتيبة جنين» في سياق نموّها الطبيعيّ ضمن الاستجابة التأثريّة بالممارسات الكولونياليّة الإسرائيليّة، في تنفيذ عمليّات إطلاق نار تجاه المستوطنات الإسرائيليّة في شمال الضّفة الغربيّة، وحرصت على توثيقها وبثّها كمادة مرئيّة عبر تطبيق (التلغرام) الذي لا يخضع للقيود والضوابط والمعايير في سياسات النشر كباقي التطبيقات؛ وهذا ما أفسح لها مجالًا في إبراز مضامين خطابها؛ بل تكوين جمهور مُتعاطِف ومؤيّد يرى في مخيّم جنين نموذجًا تضحويًّا مثاليًّا. كما أسبغت الكتيبة على مقاتليها الذين تتقلب أعمارهم ما بين الـ 16 و30 عامًا ألقابًا ومسميّات تضخيميّة؛ من خلال الربط الزمكانيّ مع قادة معركة 2002 في دلالة على سيرورة متواصلة لا تنقطع ولا تنفصل. يُحاذي ذلك التركيز على التقانات العاطفيّة – الدعائيّة بما تحتويه من فاعليّة في تحفيز الوجدان الجمعيّ، بضخّ مواد مرئيّة وأناشيدَ تحضّ على القتال والاشتباك الميدانيّ مُستخدمةً المخيّلة الآخرويّة والصور الذهنيّة لعوالم الآخرة كالجنة والفردوس والنعيم وغيرها من الأشكال الترغيبيّة للغير.
حسبت «إسرائيل» أنّ ظاهرة «كتيبة جنين» هي امتدادٌ ميليشياويّ لإيران، التي، بحسب تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، تدعم مجموعات عسكريّة في الضّفة الغربيّة، وعلى وجه الدقة في شمالها؛ ضمن مساعيها لإحاطة إسرائيل بجبهات مناوئة، فقد صرّح رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بأنّ إيران تتحمّل مسؤوليّة «موجة الإرهاب» في الضّفة الغربيّة وتشجّع أعمال القتل ضدّ مواطني إسرائيل.
أمّا وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس فاتَّهم في تصريح صحافيّ بتاريخ التاسع والعشرين من آب/أغسطس 2024، إيرانَ بالعمل على فتح «جبهة إرهابيّة شرقيّة» بتهريبها الأسلحة من سورية إلى الأردن ثم إلى الضّفة الغربيّة؛ وذلك لإنشاء بنية تحتيّة إرهابيّة بحسب وصفه.
سادسًا: عمليّة «حماية وطن»:
السلطةُ الفلسطينيّةُ تُرمِّمُ ذاتها
في الرابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 2024 أعلنت السلطة الفلسطينيّة عن عمليّة عسكريّة «حماية وطن» ضدَّ من وصفتهم بالخارجين عن القانون في مخيّم جنين، العمليّة جاءت بُعيد اختطاف مسلّحين من المخيّم مركبات حكوميّة في إثر اعتقال الأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة الفلسطينيّة أحد عناصر الكتيبة.
لم تتأتَّ العمليّة العسكريّة للأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة الفلسطينيّة المتواصلة كاستجابة تلقائيّة لسلسلة من الحوادث والمماحكات بينها وبين عناصر «كتيبة جنين»، إذ إن هذه العملية، بحسب التقارير الصحافيّة، خُطِّط لها منذ مدة زمنيّة بعيدة، لكنّ هجوم السّابع من تشرين الأول/أكتوبر أرجأ تنفيذها.
بالتوازي مع العمليّة العسكريّة اتهمت السلطة الفلسطينيّة عبر وسائل إعلامها «كتيبة جنين» بأنّها ميليشيا إيرانيّة، تسعى إلى تنفيذ أجندة إيرانيّة – إقليميّة في الضّفة الغربيّة بعدما تعرّض له ما يُعرف بـ«محور الممانعة» من اهتزازات متتالية من جرّاء اغتيال قادته وكوادره المتقدّمة وتفكيك استراتيجيّته الجيوسياسيّة «وحدة الساحات»، كما لم تقتصر الاتهامات على ذلك بل تجاوزتها إلى اتهام عناصر الكتيبة بـ«التشيُّع» وممارسة الطقوس الشيعيّة داخل مخيّم جنين، الأمر الذي نفاه عناصر الكتيبة وعدُّوه تحريضًا إعلاميًّا لشرعنة عمليّتها العسكريّة.
اتهمت «كتيبة جنين» بدورها السلطة الفلسطينيّة بأنّها تسعى إلى استئصال «المقاومة»، من خلال التماهي مع الإملاءات الأمنيّة الإسرائيليّة والخضوع لها، وتنفيذ خطة الجنرال الأمريكيّ مايكل فانزل الهادفة إلى تفكيك المجموعات المسلّحة في الضّفة الغربيّة ضمن تفاهمات اجتماع العقبة الذي انعقد منتصف شهر شباط/فبراير 2023.
أسفرت الاشتباكات بين عناصر «كتيبة جنين» والأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة عن مقتل 15 شخصًا نصفهم من عناصر الأجهزة الأمنيّة، وآخرهم الصحافيّة الشابّة شذا الصبّاغ، التي اتهم ذووها الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة بقتلها برصاصة قنّاص، في حين نفى المتحدّث باسم قوى الأمن الفلسطينيّ العميد أنور رجب هذا الاتهام، مُدعِّمًا نفيه بأنّ المنطقة التي قُتلت فيها الصحافيّة الصبّاغ لم تكن الأجهزة الأمنيّة منتشرةً فيها.
تخلّل العمليّة العسكريّة للأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة الفلسطينيّة انتهاكات جسيمة تمثّلت بنشر مقاطع مصوّرة لأشخاص يتعرّضون للضرب المبرّح من جانب عناصر تلك الأجهزة، وتضمّن مقطع مصوّر آخر إلقاء أحد الأشخاص في حاوية قمامة بعد كتابته منشورات تنتقد السلطة الفلسطينيّة.
أصدرت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) بيانًا بتاريخ الثامن والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2024 عبّرت فيه عن بالغ قلقها من انتشار مقاطع مصوّرة تُظهر قيام ضبّاط وأفراد من الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة في عدة محافظات بالضّفة الغربيّة بتعريض مواطنين لأعمال عنف بما يشمل الضرب والإهانة، إضافةً إلى إجبار آخرين على نشر اعتذارات علنيّة للأجهزة الأمنيّة، والتعبير عن تأييدهم سياسات السلطة الفلسطينيّة، مُطالبةً وزارة الداخليّة الفلسطينيّة بفتح تحقيق جاد وشفّاف في شأن تلك الممارسات، ومحاسبة كلّ من يثبت توّرطه. وعادت السلطة الفلسطينيّة لتؤكد عبر الناطق باسم قوى الأمن الفلسطينيّ العميد أنور رجب أنّها ستحقّق بتلك الحوادث، لكنّ التحقيقات لم ينبثق عنها أيّة نتائج إدانيّة.
سابعًا: عمليّة «الجدار الحديديّ: جنين كنمذجة لقطاع غزّة
في الحادي والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير 2025؛ أعلن الجيش الإسرائيليّ عن عمليّة عسكريّة شاملة ضدّ مخيّم جنين باسم «الجدار الحديديّ»؛ وهي تتشابه واسم العمليّة العسكريّة التي شنّها عام 2002 إبَّان الانتفاضة الثانية «السور الحديديّ». وقد حدّدَ الجيش الإسرائيليّ أهدافه من هذه العمليّة بالقضاء النهائيّ على ما وصفهم بـ«الإرهابيين» في المخيّم.
لكنّ مسار العمليّة التي قالَ الجيش الإسرائيليّ إنّها ستستمر أسابيع، وقد تستمرّ لأشهر؛ اتخذ منحنى مُغايرًا لأهداف العمليّة المُعلنة، فعَمد الجيشُ هذه المرّة إلى استخدام الوسائل التدميريّة للبنى التحتيّة وهو ما تسبّب في نزوح 3200 أسرةً فلسطينيّةً بإجمالي 15 ألف نسمة، ومعظم هؤلاء لا موئل لهم سوى منازل أقاربهم الذين يسكنون خارج المخيّم في مدينة جنين وقراها، واضطر آخرون من النازحين إلى المبيت في الأماكن العامّة كالحدائق والطرق وغيرها.
كما تسبّبت عمليّة «الجدار الحديديّ» المتواصلة حتّى تاريخ إعداد هذه الورقة في تدمير وتفخيخ عشرات المنازل في المخيّم، وتدمير عشرات المنازل تدميرًا كليًّا – بحسب آخر الإحصاءات – يتعامد ذلك مع التدمير الممنهج للبنى التحتيّة، وهو تدمير متمايزٌ عن الاجتياحات السابقة من حيث الكم التدميريّ والخسائريّ؛ وهو ما قد يضطر الحكومة الفلسطينيّة إلى إعلان جنين منطقة منكوبة، وسط قلق جمعيّ بعد تمدّد العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة إلى بقية المخيّمات في الضّفة الغربيّة التي تتعرّض للاقتحامات اليوميّة، وهو ما سيُضفي جديّةً على مخطط الترانسفير الجماعيّ للفلسطينيين، وخصوصًا مع إعلان الرئيس دونالد ترامب طلبه من مصر والأردن استقبال سكّان قطاع غزّة بوصفه مكانًا غير صالح، بحسب ترامب.
اتصالًا بما سبق، أثار تصريح وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس بأنّ الجيش الإسرائيليّ سيبقى في مخيّم جنين، من أجل التأكّد من أنّ «الإرهاب» – بحسب وصفه – لن يعود؛ وهو التصريح الذي يكشف المآرب المابعديّة التي تعبِّر عن التصوّرات الكولونياليّة حيالَ مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين، وما يضع هذه التصوّرات في سياقات التحوّلية، هو التداعي الاقتصاديّ – المعيشيّ لعمليّة «الجدار الحديديّ» التي أسفرت حتّى تاريخ إعداد هذه الورقة عن خسائر اقتصاديّة بلغت – كما ذكرت غرفة تجارة وصناعة جنين – 30 مليون شيكل يوميًا. وحريّ بالذكر أنّ الأوضاع الاقتصاديّة في مدينة جنين تتأثر بماجريات الأحداث في المخيّم وتؤثّر فيه أيضًا، وهذا التأثير ينسحب على قرى جنين، كما تسبّبت العمليّة في تراجع كبير في الحركة الشرائيّة؛ وهو ما أدّى إلى تأثّر كل المنشآت التجاريّة وعددها 1400؛ وتضطر لاحقًا إلى الاستغناء عن خدمات عدد كبير من العاملين لديها، وفي أحسن الأحوال لا يحصل العاملون على أجرهم بصورة كاملة، وهو ما ضاعف على نحوٍ مطّرد معدلات البطالة، التي بحسب توقّعات ستأخذ اتجاهًا تصاعديًّا في المدة المقبلة.
استخلاصات
تمثّل ظاهرة التهميش والإقصاء والاستبعاد لسكّان مخيّم جنين من جانب المؤسسات الرسميّة الفلسطينيّة، وعلى وجه الخصوص الشباب منهم، فرصةً سانحةً لنمو الوعي المظلوميّ المُحفّز للذات الثوريّة المؤَسّسة على سرديّات ماضويّة لها نفاذيتها. فهل يعني هذا أن الفعل المقاوم ناجمٌ بالضرورة عن هذا التهميش وحده؟
إنّ اختزال ظاهرة مثل «كتيبة جنين» وغيرها بالتهميش الرسميّ، والإقصاء السياسيّ والاجتماعيّ، والاستبعاد من المشاركة في التنمية الوطنيّة، أمرٌ يحجب الحقائق التاريخيّة الخاصّة بالقضيّة الفلسطينيّة، لكنّ التهميشَ يعدّ طاقةً توليديّةً لديناميّات العنف والقهر التي تجد مجراها في مثلِ هذه الظاهرة التي تمدّدت بحرارة البطالة والفقر إلى بقية مخيّمات الضّفة الغربيّة، يصاحبها تصوّرات حول اللامستقبل في ظلّ ارتسام ملامح التهجير الديمغرافيّ (الترانسفير) التي تتجسّد في بنية تحتيّة مُدمّرة، وشوارع مُجرّفة، وتلاشٍ للخدمات العامّة، وعمليّات عسكريّة متواصلة، وانتشار للفوضى والانفلات الأمنيّ، وتقلّص تدريجيّ ملحوظ لإمكانيات وكالة (الأونروا) التي ستجابه تحديات مصيريّة ووجوديّة خلال الأيام المقبلة.
إنّ المقاربات الأمنيّة – العنفيّة للسلطة الفلسطينيّة في مخيّم جنين تتأتى في ظروف متناهية التعقيد تستلزمُ فهمًا ارتجاعيًّا للذات الجمعيّة في المخيّم، يكونُ باعثه إعادة تقييم السياسات الرسميّة المتمركزة حول مفاهيم وأحكام لا ترى في هؤلاء المهمّشين سوى ثلة من الفوضويين من دون البحث أو التمحيص في العلاقات السببيّة داخل الظواهر نفسها؛ وهو ما سينجم عنه تنامٍ في العنف والفوضى والانهيار الاجتماعيّ يتسارعُ على نحوٍ طرديّ مع المخططات الكولونياليّة الإسرائيليّة في الضّفة الغربيّة.
ما بعد الاستخلاصات
أضحى مخيّم جنين للاجئين الفلسطينيين أثرًا بعد عين؛ وذلك بعد إعلان جيش الاحتلال الإسرائيليّ هدم مئات المنازل؛ وهو ما أدّى إلى نزوح 3100 عائلة يمثّلون السواد الأعظم من اللاجئين الفلسطينيين في المخيّم. يضاف إلى ذلك نزوح زهاء 100 عائلة من المناطق المحيطة بالمخيّم، وقد اضطّرت هذه العائلات تحت وطأة النزوح إلى استئجار مساكن خاصّة بدعم ماليّ من اللجنة الشعبيّة للخدمات، في حين تسكن عائلات أخرى في قرى جنين (برقين، وقباطية، واليامون، وسيلة الحارثيّة).
وحول الجهود الإغاثيّة من جانب المؤسّسات الدولية والمحليّة، وفي مقدمة تلك المؤسسات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)؛ فإنّ الوكالة قدّمت مبلغ 1640 شيكل إلى كلّ عائلة نازحة ضمن برنامج إغاثيّ طارئ رصدت له 4 ملايين دولار.
أمّا الدور الحكوميّ فقد وجّه رئيس اللجنة الشعبيّة للخدمات في مخيّم جنين محمد الصبّاغ انتقادات له، واصفًا إياه بـ«الباهت والضعيف»، مؤكدًا أنّ اللجنة الشعبيّة طلبت من الحكومة الفلسطينيّة الحاليّة تقديم دعم ماليّ بقيمة ألف شيكل إلى كلّ عائلة نازحة، وإنشاء مراكز للإيواء أو بيوت متنقلّة؛ إلّا أنّ الردّ الحكوميّ – بحسب الصباغ – كان مجتزأً، فهي من ناحية أبدت استعدادها (أي الحكومة) لإنشاء مراكز للإيواء من البيوت المتنقلة، لكنّها من الناحية الأخرى تجاهلت إمكان منح ألف شيكل لكلّ عائلة نازحة.
وفي الخامس من أيّار/مايو 2025، أعلنت الحكومة الفلسطينيّة عن إطلاق حزمة من المشاريع والتدخّلات الطارئة في محافظة جنين كالتزام منها – بحسب البيان الحكوميّ – بدعم صمود الشعب الفلسطينيّ وإعادة إعمار ما دمّره الاحتلال في مدينة جنين ومخيّمها. تضمّنت هذه الحزم: تخصيص الموازنات لإصلاح المنازل المتضرّرة، وتكثيف العمل بملف الإيواء للعائلات النازحة، وتخصيص 5 ملايين شيكل كدفعة إسعافيّة للعائلات النازحة، و7 ملايين شيكل أخرى للمتضرّرين من أصحاب المنشآت بعد حصر الأضرار الاقتصاديّة (تشمل الـ 7 ملايين محافظتي جنين وطولكرم ومخيّماتها)، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحيّ والكهرباء، وتعبيد الطرق التي تعرّضت للتجريف والتدمير.
ووصل عدد المنازل التي تعرّضت للهدم الكليّ إلى 166 منزلًا، مع ملاحظة أنّ قرارات الهدم يصار إلى تنفيذها من دون مهل للاعتراض أو تقديم الالتماسات لدى الجهات القضائيّة التابعة للاحتلال الإسرائيليّ من خلال المنظّمات الحقوقيّة المختصّة.
كتب ذات صلة:
المصادر:
نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 564 في شباط/فبراير 2026.
تفضلوا بالضغط على الرابط للحصول على العدد:
مجلة المستقبل العربي العدد 564 شباط/فبراير 2026
كريم الزغيّر: صحافي وباحث – الأردن.
الصورة من الوكالة الأوروبية للصور الصحفية.
المراجع
«نتنياهو: سنحارب الإرهاب وإيران مسؤولة عما يجري بالضفة.» القدس: 5/10/2023، <https://www.alquds.com/ar/posts/94420?language=ar>.
«كاتس يتهم إيران بتهريب أسلحة إلى الضفة الغربية عبر الأردن». الجزيرة نت، 29 آب/أغسطس 2024، <https://tinyurl.com/47kn2ebn>.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا). «الولايات المتحدة الأمريكية تتبرع للأونروا بـ(153) مليون دولار.» الأونروا، 4 حزيران/يونيو 2023، <https://tinyurl.com/3tx5fz67>.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا). «الأونروا المزاعم مقابل الحقائق.» أيلول/سبتمبر 2025، <https://tinyurl.com/mr2v39xy>.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا). «مخيّم جنين للاجئين،» 2015، <https://tinyurl.com/mznb523f>.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا). «اللاجئون الفلسطينيون في مخيم جنين يواجهون تحديات اقتصادية وأمنية. الأونروا، 31 أيار/مايو 2022، <https://tinyurl.com/ycad5ecx>.
عوض رجوب. «الضفة.. هيئة حقوقية حكومية تدعو للتحقيق في حالات القتل بجنين.» وكالة الأناضول، 29 كانون الأول/ديسمبر 2024، <https://tinyurl.com/3zvav4hh>.
«الهيئة المستقلة تدعو الى احترام كرامة المواطنين ووقف خطاب الكراهية والتحقيق في المقاطع المنتشرة التي تظهر إساءة معاملة المواطنين،» الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، 28 كانون الأول/ديسمبر 2025، <https://tinyurl.com/2dx8tfx5>.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا)، «مناشدة للحصول على 23 مليون دولار لتلبية احتياجات لاجئي فلسطين في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية في مخيم جنين للاجئين.» الأونروا، 24 تموز/يوليو 2023، <https://tinyurl.com/mu3utkuc>.
«الكنيست يقر مشروع قانون يحظر أنشطة الأونروا.» الجزيرة.نت، 28 تشرين الأول/أكتوبر 2024، <https://tinyurl.com/4u746n46>.
«كم يبلغ عدد سكان مخيم جنين؟» مسبار، 7 كانون الأول/ديسمبر 2023، <https://tinyurl.com/mrdvzhkc>.
«عملية الضفة هي الأكبر من عقدين.. تخوف من تكرار سيناريو التهجير.» التلفزيون العربي، 28 آب/أغسطس 2024، <https://tinyurl.com/58vdpjnj>.
أبو معلا، سعيد. «إعمار مخيم جنين: حالة من انعدام الثقة بين المواطنين والجهات الرسمية واتهامات بالتسييس.» القدس العربي: 16 أيلول/سبتمبر 2023، <https://tinyurl.com/bdf7u4bs>.
موسوعة المخيمات الفلسطينية، «الواقع البيئي – مخيم جنين.» <https://tinyurl.com/3zkemmdm>.
«بيان صادر عن الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة «أمان» حول إعادة إعمار مخيم جنين.» أمان، 16 تموز/يوليو 2023، <https://www.aman-palestine.org/activities/21208.html>.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



