تتمتَّع بعضُ الشخصيات الألمعية‏[1] المنتمية إلى حقل الفلسفة المعاصرة والمثقَّفين العامين الحقيقيين‏[2] مثل محمد عابد الجابري (1935 – 2010) ومحمد أركون (1928 – 2010) باعترافٍ دوليٍّ مؤكَّدٍ. تعكس مساراتُهم [الفكريةُ]، وكذلك أعمالُهم، رغْبةً حقيقيةً في انتهاك الحدود الفكرية المختلفة. فقد مثَّلَا، سواءٌ بوصفهما فلاسفةً أو أكاديميين أو فاعلين سياسيين‏[3]، موضوعَ دراساتٍ متعدِّدةِ التخصُّصات في حقولٍ [معرفيةٍ] متنوِّعة جدًّا، مثل علم الإسلاميات أو الفلسفة أو التاريخ. فقد ألَّف محمد عابد الجابري أستاذ الفلسفة في جامعة الرباط (المغرب) أكثر من ثلاثين كتابًا تناولت محاورَ متنوعةً مثل حقوق الانسان أو فكر ابن رُشد[4].

في حين أن محمد أركون مؤرِّخٌ للفكر الإسلاميِّ وفيلسوفٌ من أصولٍ جزائريَّةٍ، كان أستاذًا فخريًّا لتاريخ الفكر الإسلاميِّ في جامعة باريس السوربون (باريس 3). يعودُ الفضل في شهرة محمد عابد الجابري إلى عمله الرّائد نقد العقل العربي الذي نُشِر في أربعة أجْزاء في بيروت (لبنان) والدّار البيضاء (المغرب) بين سنتيْ 1984 و2001. كما أثار نشره [لهذا المشروع] جدلًا عميقًا. وقدْ رأى البعضُ في هذا الكتاب إحدى أنْجح المحاولات المعاصرة لتحديث التراث العربي الإسلامي.

ونشر محمد أركون خلال السنة نفسها باكورة مؤلَّفاته من أجل نقد العقل الإسلامي الصَّادر سنة 1984. وبغضِّ الطّرْفِ عن التشابه الحاصل بين العنوانيْن، فقد حمل الكِتابان مشروعًا مشترَكًا يتمثَّل بتقديم أدوات النّقد العلميِّ للتراث العربيِّ الإسلاميِّ. قد يبدو هذا التقاربُ مفاجِئًا، إذْ لم يقعْ أيُّ تبادلٍ [للآراء] سبق ظهورَ هذيْن المؤلَّفيْن [بين الكاتبَيْن]‏[5]. ولا يحتوي العملان، إلى جانب ما تقدّمَ، على أيِّ أثرٍ للحوار بين المؤلِّفيْن. يهدف هذا النّصُّ إلى فهم الديناميات التي أسهمتْ في إنتاج كُتُبٍ مشابهةٍ وضبط المحدِّدات الاجتماعية التي تثْوي خلف الإيماءة النقدية التي تُحرِّكها.

وفي سبيل إدْراك هذه الغاية يحسُنُ بنا أن نتجاوز، في الآن نفسه، هذه الموازنةَ الضمنيةَ التي تنطوي عليها الفطرة السليمةُ‏[6] والمقارنة البسيطة للسياقات الوطنية المختلفة التي تميِّزُ هذه الأعمالَ‏[7]. أظهر الكثير من الأعمال في [حقل] علم الاجتماع في الواقع تعدُّد العوامل التي أثَّرتْ في إنتاج الكتاب‏[8] وانطلاقًا من نظرة مقارِنة، يتعلَّق الأمرُ بفهم العمليْن وِفْقًا لعدَّة مستوياتٍ للتَّحليل الاجتماعي. وهذا يستوْجِبُ بدْءًا إعادة تشكيل الإكراهات الهيكلية التي تفرضُها مختلفُ المجالات الفكرية. تتكون هذه المساحاتُ الاجتماعيةُ بوصفها نُظُمًا علائقية تفاضليةً يحتلُّ فيها كلُّ ممثِّل موْقِعًا يرتبط برأس المال الرَّمْزي الذي تمكَّن من مراكمته على مدار مساره المهنيِّ. فيكون من المفيد إذًا أنْ نفْهم هذه النصوصَ على أنها تدخُّلاتٌ استراتيجيةٌ يمْكن تأويلُها بربْطها بالموقع الضمنيِّ للمجال [الذي تتحرَّكُ فيه]‏[9]. وسيسمحُ في وقتٍ آخرَ فحْصُ «السياقِ الاستطراديِّ»‏[10] بتحديد موقع القوَّة الإنذارية ونِيَّة المتحدِّث‏[11] ونتيجةً لذلك، لا يمكِنُ وصف الوسيط النّصِّيِّ تدَخُّلًا بسيطًا نزيهًا، إنها تحمل في داخلها غالِبًا موقِعًا جدليًّا في «الصراعات الأيديولوجية» [في] الوقت‏[12]

يمثّلُ الكتابُ أحد الوسائل الفعَّالة للرَّدِّ على الكتابات المعاصرة الأخرى لغرضٍ سياسيٍّ ضمنيٍّ. وعبر هذيْن البعدَينِ سيتِمُّ تحليلُ الوسائطِ المختلفةِ التي تُساهمُ في إنتاجِ الكتابيْن: في نقد العقل الإسلامي والجزء الأوَّل من نقد العقل العربي [تكوين العقل العربي]، وهذا ما سيمكِّنُ من التقاط نقاط الالتقاء التي تربط هذين المؤلَّفيْن.

وسيتمُّ تطوير حجَّتنا مستندين إلى أربعة عناصرَ جوهريةٍ: أوَّلها السياق السياسيُّ والفكريُّ العامُّ للعالَم العربي الإسلاميِّ‏[13] هدفًا لتحليل هذين الكتابيْن، وثانيهما اتِّباع استكْشاف مسارات السيرة الذَّاتية لمحمّد أركون ومحمّد عابد الجابري، وثالثها [بلْورة] مشروعيْهما الفكرييْن الخاصَّيْن، وسيتمُّ أخيرًا تحليل المرجعيات النّظرية المستخدمة في الكتابيْن. وكلُّ مقياس [من هذه المقاييس الأربعة] (السياق العامّ، ومسار السيرة الذاتية، والمشروع الفكريّ، المرجعية النّظرية) يعيدُ تشكيل جزْءٍ من فضاء الاحتمالات‏[14]، حيث يتبوَّأُ المؤلِّفون مواقعهم. وستسمح لنا المقارنةُ إذًا بفهم الرّهانات الأكثر عمومية المشترَكةِ بين هذيْن المؤلَّفيْن إضافة إلى خصائصهما في ما يتعلّق بمجالات تدخُّل كل من محمد أركون ومحمّد عابد الجابري الخاصة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 557 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 557 تموز/يوليو 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 557 في تموز/يوليو 2025.

محمد أمين براهيمي: كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، جامعة كولومبيا.

ترجمة: عز الدين كبسي: أستاذ مبرز أول، وباحث من تونس.

[1] في الأصل نشر هذا المقال بالفرنسية تحت عنوان: Mohamed Amine Brahimi, «La Rencontre improbable de Mohammed Abed al-Jabiri et Mohammed Arkoun: Analyse comparée de la production des livres de philosophie islamique contemporaine,» Sociologies (octobre 2019), <https://journals.openedition.org/sociologies/12394>.

نتوجه بالشكر إلى جون شارل سان لويس وبرنار دي شارم وإيميليانو أربان سيمونيتّي وأولان ألاري لتفضُّلهم بقراءة النّسخ الأوَّلية من هذا النّصِّ وتعليقاتهم عليها.

[2] يقدِّم المثقّفون العامون وجهة نظرهم لا للجمهور فحسب، بل للجمهور بوصفه منافسًا شخصًا دخيلًا لا يمكن أن تنتخبه حكومةٌ أو مؤسّسةٌ. انظر: Edward W. Said, Representations of the Intellectual: The 1993 Reith Lectures (New York: Vintage Publishing, 1996).

[3] هذا الجنوح نحو الرّغبة في تبنِّي عدّة أدوارٍ في المجال الفكري يجعلهم أقرب إلى التعريف الذي حدّده بيار بورديو للمفكِّر الكلِّي عندما تعرَّض لجون بول سارتر. انظر: Gisèle Sapiro, La Guerre des écrivains, 1940-1953 (Paris: Éditions Fayard, 1999), p. 687.

[4] ابن رشد: عرِفَ في الغرب تحت اسم لاتيني Averroes وهو فيلسوف وفقيه وطبيب أندلسي مسلم عاش في القرن الثاني عشر هجري. ولد سنة 1126م في قرطبة بالأندلس وتوفي في 10 كانون الأول/ديسمبر 1198م في مراكش في المغرب. انظر: Roger Arnaldez, Averroès: Un rationaliste en Islam (Paris: Éditions Balland, 1998).

[5] تؤكِّد قراءة مذكّرات محمد أركون ومحمد عابد الجابري وكذلك قراءة العمليْن اللَّذيْن تمَّتْ دراستهما في هذا المقال انتفاء وجود أيِّ اعتراف متبادَلٍ بين الطرفين.

[6] تشير المقارنة في هذا السياق أكثر إلى ما عبَّر عنه لودفيج فيتجنستاين بـ «تشابه عائلي». انظر حول هذا الموضوع: Bastien Bosa, «C’est de famille! L’apport de Wittgenstein au travail conceptuel dans les sciences sociales,» Sociologie, vol. 6, no. 1 (2015), pp. 61‑80, doi:10.3917/socio.061.0061.

[7] للحصول على فكرة حول وجهات النّظر المتجدِّدة في الدراسات المقارنة في العلوم الاجتماعية، انظر: Cécile Vigour, La Comparaison dans les sciences sociales (Paris: Éditions La Découverte, 2016), and Cécile Vigour, Laure de Verdalle et Thomas Le Bianic de Verdalle, «S’inscrire dans une démarche comparative,» Terrains et travaux, vol. 21, no. 21 (2013), p. 521, doi: 10.3917/tt.021.0005.

[8] Jean-Yves Mollier et Patricia Sorel, «L’histoire de l’édition, du livre et de la lecture en France aux XIXe et XXe siècles,» Actes de la recherche en sciences sociales, vols. 126-127 (mars 1999).

[9] Pierre Bourdieu, Les Règles de l’art: Genèse et structure du champ littéraire (Paris: Éditions du Seuil, 1998), p. 416.

[10] Frédérique Matonti, «La Méthode skinnerienne ou ce que l’histoire nous apprend sur le concept de liberté,» Raisons politiques, vol. 43, no. 3 (2011), pp. 133-150, doi:10.3917/rai.043.0133.

[11]        J. L. Austin, How to Do Things with Words (Oxford: Oxford University Press, 1973).

[12] Quentin Skinner, Hobbes et la conception républicaine de la liberté (Paris: Éditions Albin Michel, 2009), p. 13.

[13] فضَّلْنا استخدامَ عبارة «العالم العربي الإسلامي» أو «العالم الإسلامي» لأسباب تتعلّق بالوضوح، دون أنْ نُنْكِر تعدّدية الفضاء اللّغويّ والثقافيّ الذي يمكن تعريفُه وِفْقًا لعدّة معايير.

[14]        Bourdieu, Les Règles de l’art: Genèse et structure du champ littéraire, p. 224.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز