مقدمة نظرية ومنهجية
تتضح إشكالية الدراسة وموضوعها وأهميتها من خلال تطرقنا إلى عدد من الأمور التاريخية والمعرفية والنظرية. الثقافة عندي هي أنشطة بشرية أزلية تتعلق بالآداب والفنون والتفكير والمعتقدات والتقاليد وفهم التقنيات قديمها وحديثها. والثقافة علم قائم بذاته، يختلف في طرائقه عن الاقتصاد والاجتماع والسياسة وغيرها من العلوم، رغم الارتباط الوثيق بين الأنشطة الثقافية وبين أنشطة تلك العلوم. تتسم الشعوب بوجود اختلافات ومشتركات ثقافية بين مكوناتها، وتتفاوت درجات هذه الاختلافات أو المشتركات بناءً على الزمان، والمكان، والمتغيرات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية. كما تؤثر في هذه الاختلافات أو المشتركات عوامل داخلية وعوامل خارجية.
ولقد وجدنا مشكلتين رئيسيتين في الأدبيات التي تناولت المسألة الثقافية وسط الشعوب السودانية. المشكلة الأولى هي تركيز الباحثين على دراسة الثقافة السودانية من منطلق العوامل الداخلية، وعدم اهتمامهم الواضح بالعوامل الخارجية. المشكلة الثانية هي التركيز المبالغ فيه على جوانب الصراع في دراسة الثقافة، تحت مسميات مثل الصراع الثقافي، والاستلاب الثقافي، والسيطرة الثقافية، من دون إعطاء الأهمية الكافية لدراسة المشتركات الثقافية التي تربط بين الشعوب السودانية وتعزز تماسكها وتقويتها. وعليه، نرى أنه من المهم أن يعمل الباحثون على التطرق إلى العامل الخارجي في الثقافة السودانية، وإلى المدى الذي أدّاه هذا العامل في خلق ثقافة عامة تجمع بين شعوب السودان.
عليه، تهدف هذه الدراسة إلى التعرض لهاتين المشكلتين ومعالجتهما، في سعي لسد فراغ نظري، منهجي، وعملي تعانيه دراسات الثقافة السودانية. حقيقة الأمر، أن السودان كما البلدان العربية، بحاجة ماسّة إلى معالجة قضايا الثقافة من أجل توظيفها في نهضة الأمة، وتقليل الآثار الخطيرة الناجمة عن التدخلات الثقافية الخارجية والصراع الثقافي داخل المنطقة والدول والشعوب. هناك بالطبع جنس بشري واحد يعيش في كوننا، وهذا الجنس قد أنتج حضارة واحدة تتكون من ثقافات تعاقبت على مدى زمني طويل. ويخبرنا التاريخ أن بعض تلك الثقافات تمكنت من إيجاد حلول مناسبة لقضاياها الثقافية، كما هي الحال مع الشعوب الأوروبية والأمريكية. على خلاف ذلك، ما زالت بعض الشعوب، مثل شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تتلمس طريقها نحو الحلول المناسبة.
ولا شك أن الشعب السوداني يندرج ضمن التصنيف الثاني، أي الشعوب التي تواجه مشكلات ثقافية. تعيش في السودان شعوب كثيرة ذات ثقافات متنوعة من حيث المعتقدات واللغة واللبس وغير ذلك من عناصر الثقافة. ويرضى البعض أن عدم حل المشكلة الثقافية في السودان سيجعل من الصعب معالجة المشكلات الأخرى، مثل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. في هذا السياق، يؤكد سيد حامد حريز، في أعماله المتعددة والمتميزة، دور العامل الثقافي في تكوين الهوية السودانية، وبخاصة في ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية[1].
من هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة المشتركات الثقافية بين مكونات الشعب السوداني، إذ يُتوقع أن تساهم مثل هذه الدراسات في الوصول إلى حلول ذات قيمة علمية وفائدة عملية. انطلقت الدراسة من مشروع، قائم في معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في جامعة الخرطوم، هدفه تحديد العوامل الثقافية التي تُسهم في تماسك المجتمع السوداني[2]. وفي إطار مشروع مهم كهذا، نوقش الكثير من المتغيرات حول أشكال وتصنيفات هذه المشتركات، والعوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية التي تساعد على تفسيرها وفهمها، إضافة إلى تقييمها من حيث النجاح والفشل في التماسك الثقافي. كما يهدف المشروع إلى تقديم اقتراحات عملية تساهم في دعم صناع القرار والعاملين في المجال الثقافي في البلاد. أثناء مداولات المشروع المذكور، اقترح الباحث أهمية التطرق إلى المدخلات الثقافية العابرة للزمان والمكان، بالتركيز على أشكال المشتركات الثقافية التي اكتسبها الشعب السوداني من المدخلات الخارجية.
من هذه المنطلقات، تطرح الدراسة الحالية عددًا من التساؤلات والأسئلة والأطروحات. نتساءل عن طبيعة العوامل الخارجية وما هو تأثيرها في صيرورة ثقافة الشعوب السودانية، وما موقف الشعوب السودانية من تلك التأثيرات الخارجية. الأسئلة المباشرة التي سوف تجيب عنها هذه الدراسة هي: متى وكيف ولماذا حدثت عوامل خارجية أثرت في ثقافة الشعوب السودانية، وإلى أي مدى أسهمت العوامل الخارجية في تكوين مشتركات ثقافية بين شعوب السودان؟
أرى أنه من الضروري مشاركة الدراسة في النقاش الدائر بين الباحثين حول العلاقة بين المدخلات الداخلية والتدخلات الخارجية في إحداث التغيير في المجتمعات البشرية. يطرح ذلك النقاش السؤال المحوري الآتي: أيهما أكثر تأثيرًا، الداخل أم الخارج؟ في هذا السياق، برز إدريس سالم الحسن بتعريفه الثقافة، وتوضيح موضوعاتها ومجالاتها النظرية والعملية، ومناقشة العلاقة بين المكونات الداخلية والخارجية ذات الطابع الثقافي[3]. الأهم في نظرنا هنا هو الركون إلى عملية التحليل، التي تقوم على تفكيك الكل إلى أجزائه، تحديدًا الفصل بين الداخل والخارج، بالتركيز على العامل الخارجي. نقصد بالعامل الخارجي الفاعلين الذين يعبرون الحدود الجغرافية للقيام بأنشطة في مجتمعات أخرى. الفاعلون الذين نشير إليهم هم: المستعمرون، والشركات، والتجار، ورجال الدين، والمنصات الرقمية. يقوم هؤلاء الفاعلون بأنشطة متعددة ومتشابكة تشمل الجوانب الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ويتم ذلك عبر وسائل متنوعة مثل المؤسسات، أو الدعوة المباشرة، أو عبر وسائل الإعلام والاتصال.
تتمثل الأطروحة التي نسعى لإثباتها في هذه الدراسة بأن المدخلات الخارجية كان لها دور كبير في تكوين وإعادة تكوين الكثير من المشتركات الثقافية السودانية، وأن للعوامل الخارجية دورًا مهمًّا في تماسك ثقافة الشعوب السودانية. نتناول الفرضية من خلال ثلاث حقب تاريخية متعاقبة، أطلقنا عليها اسم «الموجات الثقافية الخارجية».
تعتمد منهجية هذه الدراسة على عدد من الوسائل البحثية نجملها في النقاط السبع الآتية. هدف هذه الوسائل البحثية، المتداخلة، هو معالجة موضوع الدراسة والإجابة عن الأسئلة المطروحة أعلاه.
أولًا، نتناول الموضوع ضمن إطار زمني طويل، لأن الفعل الثقافي يتكون ويتبلور عبر مدة طويلة من الزمن، كما أنه يتسم بالتعقيد والتداخل.
ثانيًا، نستخدم منهج التحليل التاريخي من خلال تقسيم الموضوع إلى حقب تاريخية متعاقبة، إذ تتسم كل حقبة بخصائص وظروف فريدة، مع الأخذ في الحسبان التفاعل الجدلي بين كل حقبة والتي تليها، وربما بينها وبين حقب أخرى.
ثالثًا، نبدأ كل حقبة بتحديد العوامل الخارجية التي تدخل على الشعوب السودانية، ثم نتعرف إلى مدى إسهام هذه المدخلات في خلق المشتركات الثقافية.
رابعًا، نستخدم الدولة، والقوى تحت الدولة، والنظام الدولي كأدوات تحليلية للقضايا المطروحة.
خامسًا، نفصل الأنشطة الثقافية عن الأنشطة الإنسانية الأخرى، أي الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع التركيز على الآداب، واللغات، والفنون، وأساليب واللباس، وطرائق الطهي، والممارسات الروحية، وتصورات الحياة.
سادسًا، تعتمد مصادر الدراسة على أوراق الباحث في العلاقات الدولية، ومراجع في علم الفولكلور والثقافة، ومناقشات مع عدد من المتخصصين في المجالات ذات الصلة، إضافة إلى المصادر الثانوية ذات الصلة.
سابعًا، نقسم الدراسة إلى عدة عناوين، بحيث يتناول كل عنوان حقبة أو موجة ثقافية خارجية: الموجة الخارجية الأولى تتناول حقبة ما قبل الاستعمار البريطاني؛ الموجة الخارجية الثانية تتناول حقبة الاستعمار البريطاني، والموجة الخارجية الثالثة تتناول حقبة العولمة الحالية.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 557 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 557 في تموز/يوليو 2025.
حامد عثمان أحمد: أستاذ مشارك، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية – جامعة الخرطوم.
[1] انظر: سيد حامد حريز، الهوية والوحدة الوطنية في السودان: جدلية الثقافة والسياسة (القاهرة: الدار العالمية للنشر، 2017).
[2] علي إبراهيم الضو، منسق، مشروع بحث «المشتركات الثقافية في المجتمع السوداني» (الخرطوم: معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم، 2017).
[3] إدريس سالم الحسن، رؤى سودانية: مقالات في المعرفة والثقافة والمجتمع، سلسلة دراسات استراتيجية؛ 16 (الخرطوم: مركز الدراسات الاستراتيجية، 2001).
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



