مقدمة

تتناول الدراسة أُسس الوحدة الوطنية ومرتكزاتها في التجربة الدستورية الإماراتية، حيث تقف على مفهوم الوحدة الوطنية، وتُبرِز أهم مقومات الوحدة الوطنية في المجتمع الإماراتي، وتُوضّح أُسس المحافظة على تلك المقومات ومرتكزاتها في ظل الحكم الاتِّحادي للإمارات. تكمُن أهمية هذا البحث في أنّ اختيار الحكم الاتِّحادي للإمارات لم يكن يهدف في الأصل إلى معالجة  مشكلات التباين والتعدد الثقافي داخل المجتمع الإماراتي، بقدر ما كان هدفه الأساسي تقوية تلك الإمارات، وذلك بوجود دولة قويّة تحمي كيانها وتحافظ على مصالحها.

يعتمد البحث المنهج الاستقرائي والمنهج التاريخي والمنهج التحليلي، وقد حاولت جاهدًا استقاء المعلومات من مصادرها الأصلية.

تقتصر هذه الدراسة على تناول تجربة الحكم الاتِّحادي لدولة الإمارات منذُ نشأة الاتِّحاد حتى الآن، مع تناول خلفية تاريخية لكيفية نشأة الإمارات المكونة للاتِّحاد وموقعها الجغرافي وتركيب كيانها البشري.

تناولت معظم الدراسات التي اطلعتُ عليها موضوعات متناثرة ومبتورة في ما يتعلق بالوحدة الوطنية للمجتمع الإماراتي وتجربة الحكم الاتِّحادي في الإمارات بصفة عامة. ولم أعثُر – في ما اطَّلعت عليه من دراسات – على بحث ينفرد بتناول أُسس الوحدة الوطنية ومرتكزاتها في الاتِّحاد المذكور.

أولًا: ظروف نشأة الاتِّحاد الإماراتي وأهدافه

1 – الأوضاع السياسية والاجتماعية قبل نشأة الاتِّحاد الإماراتي

قبل نشأة الاتِّحاد الإماراتي كانت تسيطر على المجتمع القبلي في الإمارات قوتان كبيرتان هما قوة القواسم‏[1]، وقوة بني ياس‏[2]. سيطرت القوتان على معظم المنطقة بعد أن تخلّصت من سيطرة دولة آل بوسعيد (سلطنة عمان حاليًّا). وكانت القواسم قوة بحرية اتخذت من رأس الخيمة مقرًا لها، أما قوة بني ياس فقد كانت قوة برية بدأت في واحة ليوا بالظفرة حيث تكوَّنت من خمس عشرة قبيلة بقيادة آل نهيان. وكانت قوة القواسم البحرية على قدر عالٍ من الأهمية، حيث كانوا يسيطرون على المراكز التجارية الأساسية، وقد ضعُفت قوتهم بسبب ضرب بريطانيا لهم وإبرامها معاهدة معهم، فرضت بموجبها التزامات على حكام الإمارات (أبو ظبي، ورأس الخيمة، وعجمان، وأم القيوين) من جانب حكومة بومباي (البريطانية)، وتوالت معاهدات كثيرة إلى أن وصلت في عام 1853 إلى الصلح البحري المستديم، الذي أفضى إلى تسمية المنطقة الدول المتصالحة. تتسم هذه الاتفاقيات بأهمية كبيرة في ما يتعلق بهذه الجماعات التي كوّنت دولة الإمارات العربية المتحدة، فلم يتمتع رؤساء هذه الجماعات بصفة القيادة والحكم بالمعنى الحديث‏[3]. تمتّع حكام الإمارات بسلطة مطلقة في الحكم مع لجوئهم إلى المشورة للمجالس الإمارتية في الأمور المهمّة‏[4].

كانت بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي تخشى توغل الاتِّحاد السوفياتي في منطقة الخليج، كما كانت تتخوف من تزايد فرص المدِّ القومي العروبي فيها، وهو ما دعاها إلى إنشاء ما يعرف بمجلس الإمارات المتصالحة في عام 1952 حيث كانت قبل إنشاء هذا المجلس تتباحث مع حاكم كل إمارة على حدة. نظّم هذا المجلس أول مرة اجتماعًا دوريًا لمشايخ الإمارات السبع مرتين في السنة، لمناقشة القضايا التي تهم الأطراف، وقد نجح في تقوية العلاقات بين الإمارات المتصالحة. وفي حين كان الشيخ زايد يتحدث بقوة وحماسة في شأن أبو ظبي، كان الشيخ راشد لا يقل قوة وحماسة في ما يخصّ إمارة دبي. وقد أتاح الحضور المنتظم للشيخ زايد لاجتماعات المجلس خبرة كبيرة في التعامل مع حكّام المنطقة، كما أتاحت له فرصة التعرُّف إلى أولياء العهود وأبناء الحكّام الآخرين.

نشير هنا إلى أنّ الاتِّحاد بين الإمارات كان حلمًا يراود مخيِّلة الشيخ زايد والكثير من أبناء منطقة الخليج العربي، وبعد قرار بريطانيا الانسحاب من الخليج العربي اشتدّت الحماسة لتحقيق هذا الحلم، حيث جاءت الخطوة الأولى لانعقاد اجتماع تاريخي تم بين الشيخ زايد وبين سعيد آل مكتوم حاكم إمارة دبي في شباط/فبراير 1968 في منطقة السميح على الحدود بين الإمارتين. وقد أبدى الشيخ زايد سماحةً تدفعه إليها قيَم الأسرة العربية الواحدة وضرورة حل النزاعات الحدودية بين إمارتي أبو ظبي ودبيّ حيث تمخض عن هذا الاجتماع توقيع اتفاقية إقامة اتِّحاد (ثنائي) بين الإمارتين، كما اتفقا على دعوة إخوانهما من حكام الإمارات المتصالحة الأخرى لمناقشة هذا الاتفاق والاشتراك فيه، ومن ثم دعوة حاكمَي قطر والبحرين للتداول حول مستقبل المنطقة. أكد الشيخ زايد خلال هذا الاجتماع «أن رغبة إخوانه حكام الإمارات التقت مع رغبة أبناء الإمارات الذين يكوّنون شعبًا واحدًا يملك أرضًا واحدةً على قيام الاتِّحاد ليقوم بحفظ كيانها»‏[5].

كان مقررًا أن يتم تأسيس الاتِّحاد من الإمارات العربية التسع بحسب اتفاق عام 1968، لكن التجربة أظهرت أنّ هنالك الكثير من المشكلات والخلافات بين الإمارات، بعض هذه الخلافات قديم بسبب سياسة الاستعمار البريطاني القائم على مبدأ «فرِّق تسُد»، والبعض الاَخر كان بسبب بعض المنازعات المتعلقة بتقسيم الحدود حيث لم تكن هنالك معالم واضحة للحدود بين إمارات الساحل، إضافة إلى الخلاف بين الإمارات وبين الدول الكبرى في المنطقة (مثل الخلاف بين السعودية وأبو ظبي حول واحة البريمي، ومطالبة السعودية بطريق بري عبر الخليج يمر عبر أراضي أبو ظبي، والخلاف بين قطر والبحرين على ملكية إحدى الجزر الصغيرة، وكذلك الخلاف بسبب زعم إيران ملكيتها بعض الجزر العربية الواقعة بي إمارتي رأس الخيمة والشارقة، كما كانت تطالب من قبل بجزر البحرين)‏[6]، يضاف إلى ذلك ظهور الحسد والغيرة بين حكام الإمارات مع تدفق البترول في بعض إمارات الساحل، ونشوء إمارات غنية وأخرى فقيرة، وأهم من ذلك رؤية بعض الإمارات مثل الفجيرة وعجمان وأُم القيوين أنّ في الوجود البريطاني ضمانًا لاستقلالها، لذلك أصرَت جميع الإمارات على استمرار الوجود العسكري البريطاني في المنطقة. اصطدم مشروع الاتِّحاد بخلافات حادّة حول منصب رئيس الاتِّحاد، ونائبه، وتوزيع المقاعد المهمة في وزارات الاتِّحاد، ومقر عاصمة الاتِّحاد، ونسبة مساهمة كل منهم في ميزانية الاتِّحاد، وحول نسبة التمثيل في مجلس الاتِّحاد، إذ طالبت البحرين بتمثيل أكبر يتناسب مع حجم سكانها، وأعلنت فيما بعد تخلّيها عن الاتِّحاد بعد أن حلّت مشاكلها مع إيران، كما أعلنت استعدادها لنيل الاستقلال، وتبعتها قطر في الخروج من الاتِّحاد واستعدادها أيضًا لإعلان الاستقلال. وفي الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1971 جاء الإعلان عن الدولة الاتِّحادية الجديدة، حيث اتخذت أسلوبًا تدريجيًّا ومتأنيًّا تجاوزت فيه كثيرًا من الصعوبات الداخلية والخارجية، تمثلت بترسيخ فكرة الدولة الاتِّحادية، وتكريس الولاء لها عوضًا من القبيلة، بينما تمثلت التحدّيات الخارجية في الاعتراف بالكيان الاتِّحادي على المستوى الإقليمي والعربي والدولي. وقد تخلّفت إمارة رأس الخيمة عن توقيع ميثاق الاتِّحاد بسبب مطالبتها بأن يكون لها حق الاعتراض (الفيتو) داخل مجلس الاتِّحاد أسوةً بأبو ظبي ودبَيّ، ثم عادت في 2/12/1971 بعد قيام الاتِّحاد وأعلنت عن رغبتها في الانضمام إلى الاتِّحاد بعد تنازلها عن شروطها السابقة‏[7].

2 – أهداف قيام الاتِّحاد الإماراتي

نعتقد أنّ أهم الأسباب التي دعت إلى قيام هذا الاتِّحاد هي الآتية:

– العمل على تقوية الإمارات المتصالحة وتضامنها بعضها مع بعض لمواجهة مهددات بقائها من جانب الدول المحيطة بها.

– العمل على حل مشاكل الحدود التي أخذت طابع التوتر بين إمارة وأخرى حيث كانت حدود الإمارة مرتبطة بولاء القبيلة، وتُعدّ ديرة هذه القبائل المؤيدة للحكم حدودًا لها‏[8].

– العمل على تنمية وتطوير اقتصادات تلك الإمارات، والتواصل مع المجتمع الدولي بتأسيس دولة واحدة قوية تمثلها في المحافل الدولية وتدافع عن مصالحها.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 555 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 555 أيار/مايو 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 555 في أيار/مايو 2025.

الحسين عثمان الشريف عبد العزيز: أستاذ مساعد كلية الشريعة والقانون،
قسم القانون، جامعة الجوف – السعودية.

[1] نسب القواسم محل خلاف بين المؤرخين، إذ ذكر المؤرخ البريطاني كيلي أن القواسم فرع من قبيلة بني غافر الذين هاجروا من نجد إلى عمان في القرن السابع عشر تقريبًا، وفي حين ذكر المؤرخ المصري سيد نوفل أن أصلهم يعود الى قبيلة بني رشيد، يرى آخرون أن أصلهم يعود الى القاسم الكبير، بينما ينسب البعض ذريَّتهم الى القاسم الحرابي بن محمد الثائر. القواسم # نسبهم          <https://www.marefa.org/>.

[2] نسب بني ياس محل خلاف أيضًا يرجعهم البعض إلى ياس بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر القيسي، ويذكر البعض أن نسبهم يعود إلى قضاعة، انظر بني ياس  <https://ar.wikipedia.org/wiki/>.

[3] محمد بن هويدن، الفدرالية في الإمارات: النظرية والواقع والمستقبل (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2010)، ص 39 – 40، انظر أيضًا: روز ماري سعيد زحلان، «الوحدة والحكم: حالة الإمارات المتحدة،» ورقة قدمت إلى: التجارب العربية الوحدوية المعاصرة: تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: المركز، 1981)، ص 116.

[4] زحلان، المصدر نفسه، ص 119 – 120.

[5] جلال التدمري، ملامح الاستراتيجية القومية في النهج السياسي لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2002)، ص 8 – 9.

[6] أمين وديع، «الخليج العربي: التاريخ الحديث، النضال الوطني، الصراعات الاجتماعية، المطامع الاستعمارية في الخليج،» مجلة الطليعة (مؤسسة الأهرام)، السنة 8، العدد 3 (1972)، ص 34.

[7] المصدر نفسه، ص 34 – 35.

[8] ميثاق خير الله جلود، «مستقبل النظام الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة،» مجلة التربية والعلم، السنة 17، العدد 2 (2010)، ص 41.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز