في الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي، شنّت الولايات المتحدة عدواناً عسكرياً على فنزويلا شمل قصف العاصمة كاراكاس وخطف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس عضوة الجمعية الوطنية. وعلى الرغم من أهمية هذا الحدث، فإن النظر إليه بمعزل عن التاريخ الإقليمي الأوسع يؤدي إلى فهم مشوّه بلا شك. من هذا المنطلق، من الضروري البدء بتحليل أوسع للحقبة التاريخية الراهنة في أمريكا اللاتينية، بعد أكثر من عقدين على صعود قوى يسارية وتقدمية في كثير من بلدان القارة الجنوبية، وفنزويلا في مقدمها. أين وصلت هذه القوى اليوم؟ وهل ما زالت تمثّل حلقة حيّة في سلسلة النضال الأممي ضد الرأسمالية والإمبريالية؟ وكيف سلكت الثورة البوليفارية مسارها الوعر لتظفر بنجاحات متعاقبة؟ وأين هي الآن بعد التطورات الأخيرة؟ وإلى أين تتجه؟ وكيف يمكن شعوب القارة الجنوبية أن تقاوم الإمبريالية الأمريكية اليوم في ظل هذا التصعيد الخطير والمتواصل؟ تزداد اليوم هذه الأسئلة إلحاحاً في ظل التحوّلات المهمّة الجارية في النظام العالمي: صعود قوى أوراسية جديدة، واشتداد الحروب الهجينة والعقوبات والحصارات، وتكثُّف الحرب الإمبريالية والصهيونية على فلسطين وحركات المقاومة العربية وإيران، واستمرار عسكرة البحر الكاريبي ونصف الكرة الغربي.

في هذا الحوار، يقدّم المنظّر والمناضل الماركسي كريس جيلبرت[1]، المنخرط منذ عقدين في الثورة البوليفارية، قراءة تحليلية تضع التصعيد الأخير في سياق تاريخ المواجهة بين فنزويلا والهيمنة الأمريكية، وتناقش تداعياته على البلد والإقليم. كما يتناول تجربة الكوميونات الفنزويلية بوصفها أحد أبرز تجليات السلطة الشعبية ومحاولة عملية لبناء بديل اشتراكي، مع ما تفتحه من إمكانات وأسئلة أمام مجتمعات أخرى، بما فيها مجتمعاتنا العربية والإسلامية. كريس هو أستاذ في «الجامعة البوليفارية في فنزويلا» في كاراكاس ومحرر مساهم في مونثلي ريفيو، لديه الكثير من المقالات والمؤلفات أهمها كتاب الكوميونة أو لا شيء! الحركة الكوميونية الفنزويلية ومشروعها الاشتراكي (2023)، وأجرى إلى جانب ذلك عددًا من الدراسات الميدانية المعمّقة حول الانتقال إلى الاشتراكية والكوميونات في فنزويلا.

******

 في الثالث من كانون الثاني/يناير من هذا العام، نفّذت الولايات المتحدة هجوماً شنيعاً في الليل على فنزويلا، تضمّن قصف كاراكاس ومحيطها وخطف رئيس الجمهورية. سنناقش هذا الهجوم والردّ عليه بمزيد من التفصيل لاحقاً في هذا الحوار. لكن دعنا نبدأ بمنظورٍ تاريخي أوسع حول أمريكا اللاتينية، وبالتحديد حقبة الانتصارات التقدمية التي يُطلق عليها أحياناً اسم «المدّ الوردي». يشير هذا المصطلح إلى موجة من الحكومات اليسارية في كثير من بلدان أمريكا اللاتينية أعادت ترتيب أولويات الدولة باتجاه العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية من خلال توسيع الحماية الاجتماعية واستعادة بعض الموارد العامة وبناء آليات للتكامل الإقليمي. كيف تفهم ما يُسمى «المدّ الوردي»، وكيف، من الناحية العملية، يعمل بوصفه حلقة في سلسلة النضال ضد الرأسمالية والإمبريالية، وما الذي تعنيه الهجمات الأخيرة لحقبة التغيُّر هذه؟

إن وسائل الإعلام الجماهيرية تفعل، على نحوٍ يوميّ معتاد، ما فعلته النظرية ما بعد الحداثية في كتبها: تدمير الفهم التاريخي. وهي تفعل ذلك جزئياً عبر التركيز على «أحداث» تبدو وكأنها فريدة واستثنائية، وكأنها لحظات شبه «خلاصية» تفصل الزمن إلى «ما قبل» و«ما بعد»، وتُصوَّر كقطيعة كاملة مع كل ما سبقها. بهذا المعنى، فإن ما جرى في الثالث من كانون الثاني/يناير في فنزويلا يُقدَّم بصورة ممنهجة في وسائل الإعلام الجماهيرية بوصفه «حدثاً» بلا سياق تاريخي يُذكر. وينتج من ذلك قدرٌ كبير من الالتباس، بما في ذلك لدى اليسار. لذلك فإن توجيهك للنقاش أولاً نحو التاريخ الراهن لأمريكا اللاتينية وسؤالك عن سياق «المدّ الوردي» أمرٌ وجيه، بل وضروري.

انطلاقاً من الحاضر، وفي ضوء الهجمات، أرى أنه من المهم النظر إلى المحددات التاريخية للنضال في أمريكا اللاتينية خلال المرحلة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي؛ فقد كانت تسعينيات القرن العشرين مرحلة تمتعت فيها الولايات المتحدة بمستويات جديدة من الهيمنة في الإقليم. وكدليل على ضعفها، فإن كثيراً من الحركات المناهضة للهيمنة في قارتنا انصرفت خلال التسعينيات بصورة صريحة عن مسألة سلطة الدولة وركّزت بدلاً من ذلك على «القضايا الاجتماعية». من هنا ظهر وجهٌ جديد للنضال: «الحركة الاجتماعية»، التي هيمنت على جانب كبير من التسعينيات. كانت هذه تُسمى «الحركية»[2]، وقد عبّرت عن نفسها بصورة جماعية في فضاءات مثل «المنتدى الاجتماعي العالمي».

ومع مطلع القرن الجديد في فنزويلا، دفع هوغو تشافيز النضال خطوةً أبعد، على نحوٍ غير مسبوق، مُظهراً أنه كان يمكن القوى اليسارية الشعبية في أمريكا اللاتينية أن تنتزع سلطة الدولة عبر التعبئة الجماهيرية والانتخابات. وقد مثّل ذلك، بمعنىً ما، ولادة موجة ما يُسمّى حكومات «المدّ الوردي» التي يمكن وصفها بأنها القوى الاجتماعية التي عرفتها التسعينيات وهي تدخل السلطة، أو تعود إليها، عبر وسائل ديمقراطية وانتخابية في بلدان مثل الأرجنتين وفنزويلا والإكوادور ونيكاراغوا والسلفادور والبرازيل وهندوراس وتشيلي وأوروغواي وباراغواي. وفي السلطة، مارست حكومات «المدّ الوردي» السيادة على الموارد، ووسّعت البرامج الاجتماعية، واتخذت أحياناً خطوات باتجاه الاشتراكية. وواصلت الحكومات التقدمية الجديدة، في الوقت نفسه، حمل كثيرٍ من الأشكال التشاركية التي كانت قد تطوّرت انطلاقاً من جذورها في الحركات الاجتماعية خلال التسعينيات، مع تركيزٍ على السلطة الشعبية والديمقراطية القاعدية في ممارساتها للحكم.

وبما أن الولايات المتحدة هي مركز الرجعية العالمية وعدوّ جميع الشعوب الساعية إلى تقرير مصيرها، فقد بدأت، على نحوٍ طبيعي، بالتحرّك ضد مثل هذه الجهود. وقد استخدمت أساليب متعدّدة. ففي بعض الأحيان، رعَت انقلاباتٍ على الطراز القديم تستند إلى قوى الشرطة والجيش. وقد تكون هذه الانقلابات فاشلة (مثل فنزويلا عامي 2002 و2019) أو ناجحة (مثل هندوراس عام 2009، وبوليفيا عام 2019). لكنها استخدمت أيضاً نوعاً أحدث نسبياً من الانقلابات البرلمانية – القضائية (كما حدث في البرازيل وباراغواي وبيرو). إضافةً إلى ذلك، لم تتردّد الولايات المتحدة في فرض إجراءاتٍ قسرية أحادية، أو ما يُسمّى «العقوبات». ومع ذلك، ظلّت الاستراتيجية الأمريكية طوال هذه المرحلة تتحرّك ضمن حدود الاعتراف بأن دول أمريكا اللاتينية تمتلك قدراً من السيادة، حتى وإن كان محدوداً. يعني ذلك، مع استثناء كولومبيا وهايتي، أن الولايات المتحدة تجنّبت غالبًا التدخل العسكري المباشر. لذلك، أجريت هذه الانقلابات بعد غزو بنما عام 1989 (باستثناء اختطاف الولايات المتحدة لرئيس هايتي جان برتران أريستيد عام 2004) من دون تدخلٍ عسكري أمريكي معلن، وكانت هذه الانقلابات تتمحور، في ظاهرها على الأقل، حول إيصال قوى محلية إلى السلطة تكون أكثر ملاءمةً للمصالح الأمريكية. وقد عكس مجمل أسلوب التعامل الإمبريالي هذا، بوصفه وجهًا من أوجه السيطرة الإقليمية، حالة الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة على نصف الكرة الغربي الذي لا يُنازعها أحد عليه تقريباً. في المقابل، كانت فكرة الكفاح المسلح المناهض للإمبريالية هي الأخرى إلى حدٍّ ما خارج المشهد نتيجة الغياب النسبي للتدخل العسكري المباشر (باستثناء كولومبيا حيث واصلت الولايات المتحدة تمويل حربٍ تقودها الدولة ضد الشعب الكولومبي، وكذلك هايتي حيث جرى إخفاء التدخل تحت مسميات المساعدة «الإنسانية» أو «الأمنية»).

والآن، شهد هذا الوضع العام الذي كان الشرط التاريخي لظهور «المدّ الوردي» تغيُّراً كبيراً خلال العام المنصرم تقريباً؛ فمع خسارة الولايات المتحدة هيمنتها العالمية بصورة واضحة، وإدراكها وجود تهديدات حتى لهيمنتها الإقليمية، باتت تنتهج اليوم تدخلاتٍ أكثر مخاطرةً ومباشرة. تشمل هذه التدخلات: الابتزاز العلني للناخبين الأرجنتينيين في تشرين الأول/أكتوبر الماضي للتأثير في الانتخابات التشريعية، والتدخل المتعدد المستويات في الانتخابات الرئاسية في هندوراس عام 2025، والتشديد الجديد وغير المسبوق للحصار القاسي على كوبا (وهو في حدّ ذاته فعلٌ يُعدّ عملياً عملاً حربياً)، والتهديدات المتكررة بتدخلٍ عسكري في المكسيك وكولومبيا، وقصف كاراكاس في الثالث من كانون الثاني/يناير وما تلاه من اختطاف الرئيس مادورو. ومع هذه الأفعال التي ترقى إلى انتهاك صريح وغالباً عسكري للسيادة الوطنية، يصبح من شبه الحتمي أن تضطر بلدان أمريكا اللاتينية أيضاً إلى الاستعداد للكفاح المسلَّح ضد الإمبريالية الأمريكية بطريقةٍ جديدة دفاعًا عن نفسها في مواجهة هذا المنحى الأكثر اضطراباً ومباشرةً وخطورةً من التدخل الإمبريالي.

كلّ هذا يعني أنه مع اقتراب نهاية حقبة الهيمنة الأمريكية التي لا يتحدّاها أحد، أصبح مشروعها للسيطرة على نصف الكرة الأرضية أكثر عدوانية على نحوٍ صريح. وعلى المدى المتوسط أو الطويل، ستضطر بلدان الإقليم وشعوبه إلى إعادة تعلّم وإعادة اختراع أشكالٍ من الكفاح المسلّح ضد الإمبريالية الأمريكية، دفاعاً عن نفسها من الولايات المتحدة وللاستفادة من حالة انحدار الأخيرة. هنا تبرز فرصٌ للتعلّم من التقليد المجيد لمقاومة الإمبريالية والصهيونية في غرب آسيا، مثل النضالات التي تخوضها الآن حماس وحزب الله وأنصار الله، وكذلك الجمهورية الإسلامية في إيران. وأعتقد أن الحاجة إلى الاستعداد بصورةٍ أشمل للكفاح المسلّح ضد الإمبريالية في أمريكا اللاتينية ستظل قائمة، حتى لو تمت إزاحة القوى الفاشية – التي ترفع شعار «فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» – التي تحكم الولايات المتحدة الآن عبر العزل أو في الانتخابات المقبلة. وسبب قولي ذلك هو أن التحوّل الجاري في الاستراتيجية الإمبريالية يستجيب لحاجات نظامٍ إمبرياليّ آخذٍ في الانحدار. وهذا يعني أن الحزب الديمقراطي سيطبّق من الآن فصاعداً أساليب مماثلة من التدخل المباشر والعدواني.

 يبدو من دون شكّ أن فنزويلا حالة فريدة جداً في نوعها في القارة اللاتينية. كيف تصف التجربة البوليفارية في فنزويلا، من تشافيز إلى مادورو، وهل في رأيك استطاعت أن تتغلب خلال أكثر من عقدين على بعض مشكلات بناء الاشتراكية التي واجهتها بلدان أخرى؟

في ذروة «المدّ الوردي» المشار إليه أعلاه، حين كان التدخل العسكري الأمريكي المباشر أقلّ نسبياً، وحين كان الاحترام، ولو الاسمي، لسيادة بلدان أمريكا اللاتينية سمةً مُعرِّفة لتلك الحقبة، أصبحت فنزويلا بالفعل طليعةً للقوى التقدمية. بيد أن وجود فنزويلا في طليعة التغيير خلال هذه المرحلة لم يكن يعني قط أنها لا تحتاج إلى دعم بلدانٍ وشعوبٍ أخرى في الإقليم. وبالمعنى العام، فإن أي بناءٍ ذي شأن لبديلٍ في أمريكا اللاتينية لا بد من أن يحمل طابعاً إقليمياً. فالاقتصادات الأكثر تنوعاً في البرازيل والأرجنتين والمكسيك، وقوة حركات السكان الأصليين في القارة وانضباطها ورؤيتها الكوميونية، وكذلك التطور العلمي والتربوي والثقافي في كوبا وفي الكاريبي عموماً، كلها مكوّنات مهمة في الثورة في أمريكا اللاتينية. وينبغي أن تلتقي عناصر القوة هذه كلها في عملية تكامل إقليمي تحترم تنوّع شعوبنا وتقاليدها الثقافية. ويمكن أن أضيف أيضاً أن قرب منطقتنا من مركز الإمبريالية – التي سعت طويلاً إلى تحويل منطقتنا إلى «حديقة خلفية» لها، الأمر الذي أفضى إلى خبراتٍ مهمّة ومكلِّفة في عملية التعلّم – يمنحها دوراً خاصاً في الثورة العالمية المناهضة للإمبريالية.

مثّلت الاشتراكية في قارتنا طموحاً قديماً متجذّراً؛ فقد تلقّفت شعوب أمريكا اللاتينية أفكار ثورة أكتوبر الروسية، وقبلها أفكارَ كوميونيي باريس. والشيوعية هنا تقليدٌ حيّ – «النظرية رمادية، أما شجرة الحياة فخضراء» كما قال يوهان غوته – وينبغي أن تُفهم بالمعنى الثاني، أي بوصفها مشروعاً حيّاً. هنا في فنزويلا، كما في أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية، أدَّت النظم العقائدية لدى الشعوب الأصلية والأفريقية والعناصر التحررية في المسيحية إلى جعل الشيوعية أكثر قوّة، بل وأكثر «أرثوذكسية» على نحوٍ مفارق ممّا كان يمكن أن تكون عليه من دونها، وربما أكثر ممّا هي عليه في أماكن أخرى من العالم. ولا تخلو أمريكا اللاتينية مِمَن ينظر إلى ماركس وإنجلز ولينين بوصفهم «آلهة العائلة»[3] وآباءً مؤسِّسين لأمريكا اللاتينية! وصحيح أن البعض قد يرى في «مسيحانية» أمريكا اللاتينية تجاه الشيوعية نقطة ضعف – ولا شكّ أنها أسهمت في بعض الأخطاء اليسارية والمبالغات – لكنها يمكن أن تكون مصدر قوّة أيضاً إذا اقترنت بما سمّته مارتا هارنيكر «بيداغوجيا الحدود»[4] وبوعيٍ رصين بأن تلك التطلعات الشيوعية الطوباوية تحتاج إلى قاعدة مادية قد يستغرق بناؤها وقتاً طويلاً.

تحمل التجربة الثورية الفنزويلية كثيراً من الدروس للاشتراكيين في أجزاء أخرى من العالم. ومن بين أهم ما جرى ويجري تعلّمه في فنزويلا أن مشروع البناء الاشتراكي يقتضي علاقةً جدلية لكن تكاملية بين سلطة الدولة المتحوّلة – بمعنى سلطة الدولة بعد إدخال مركز قرار ثوري جديد فيها – وعمليات البناء القاعدي من أسفل. ففي المستوى الثاني، أي القاعدة الشعبية، يمكن تطوير «أيضٍ اجتماعي»[5] جديد، ولكن دائماً تحت رعاية دولة قوية وتنسيقها، إذ لا غنى عن الدولة من أجل رعاية التحوّلات القاعدية وحماية البلد في الوقت نفسه بتنظيم الدفاع في مواجهة الاعتداءات الإمبريالية. كما ينبغي للدولة أن تتولّى الشقّ الأثقل من عملية التصنيع والتقدّم التكنولوجي اللازمين لبناء السيادة، وهو شقّ يتجاوز بطبيعة الحال قدرات المجتمعات المحلية.

 في قراءتك لكارل ماركس، لا يختزل «بديل» الرأسمالية إلى تأميمات أو دولة رفاه موسّعة، وإنما يتمثل بتحوّلٍ في منطق القيمة – من «قيمة تبادلية» مُسلَّعة وخاضعة للسوق إلى «قيمة استعمالية» مباشرة – بالتوازي مع إعادة تنظيم الإنتاج والاستهلاك والسياسة والحكم والتخطيط، جميعها على مستوى قاعدي، ومسنودة بمؤسساتٍ إنتاجية تعاونية تُدار ذاتياً من جانب أعضاء المجتمع المحلي. إذا ترجمنا ذلك اليوم كما يظهر في كتاباتك وعملك الميداني إلى تصميمٍ مؤسساتي اقتصادي ملموس على صعيد الملكية والتوزيع والإدارة السياسية، فإنه من الواضح أن الكوميونات الاشتراكية المناهضة للإمبريالية في فنزويلا قد قطعت بالفعل شوطاً كبيراً بدعم من الدولة. في رأيك، كيف يمكن أن نعرّف الكوميونة الفنزويلية؟ ما هي نقاط قوتها وما هي مشكلاتها؟ وكيف يمكن الكوميونيين أن يضمنوا خروجاً كاملاً من مجتمع السوق والتبادل الرأسمالي في ظل بيئةٍ إقليمية ودولية رأسمالية وإمبريالية معادية؟

لا تسير أي عملية ثورية – أو بالأحرى، أي عملية ثورية ناجحة – في خطٍّ مستقيم؛ فاللحظة الثورية الحقيقية، وهي ما شهدناه هنا في فنزويلا في مطلع القرن الحادي والعشرين، تعبِّئ، بحكم تعريفها، جماهير الشعب، وتطلق بالتالي أعمق تطلّعاتهم إلى التحرّر على جميع الصعد. وهذه تمثّل ما نسمّيه اللحظة «الطوباوية» للثورة. وقد حدث ذلك بالفعل هنا في فنزويلا. لقد اختبرتُ كل ذلك في أشدّه حين وصلت إلى البلاد قبل نحو عشرين عاماً: كانت لحظةً من النشوة يسودها إحساسٌ دائم تقريباً بأن كل شيء يعود للجميع، حتى على الصعيد الدولي. وكان أحد الشعارات المكتوبة على متاجر الدولة واللافتات والقمصان يقول: «فنزويلا للجميع» (Venezuela es de todos)، وكان هذا الشعار يُرفَع بصدق، مع شمول الأجانب والزائرين في هذا «الجميع». وكان المرء يشعر – وإن كان هذا الإحساس مشروطاً جزئياً، بالطبع، بما عُرف وقتها باسم «الدورة الفائقة»[6] لأسعار السلع – بأن عالم الوفرة على وشك أن يطلّ من خلف المنعطف.

تمثَّل المسار اللاحق للثورة في التفاوض بين هذه التطلعات الطموحة جدًّا – مشروعٍ جذري شامل ذي جوهرٍ شيوعي – من جهة، والعقبات والضغوط الواقعية التي تواجهها الثورة من جهة أخرى، بما في ذلك الحاجات الملحّة للتطوّر التكنولوجي والدفاع، إلى جانب التحالفات والتسويات الضرورية التي لا بدّ من عقدها. ومن المفارقات والتوترات الملازمة لكلّ ثورة تجري في عالمٍ تهيمن عليه الإمبريالية الأمريكية أنّك تعلن السعي إلى تحرّرٍ شامل وعالمٍ خالٍ من القهر والاستغلال، متجاوزاً اضطهاد النوع الاجتماعي والاضطهاد العنصري، وتعلن هدف إقامة علاقة منسجمة مع الطبيعة؛ بيد أنّ ممارستك العملية اليومية تتمثّل ببناء جيشٍ فعّال واتّخاذ قرارات وتسويات نفعية جداً. إن القيادة الثورية الجيّدة، التي حظيت بها فنزويلا في الرئيس تشافيز والرئيس مادورو، والتي تتمثّل اليوم بالرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز، تقوم على إدارة هذا الوضع من دون أن تفقد أبداً إدراك أيٍّ من قطبيه: الطوباوي-الاستراتيجي والعملي. وأعتقد أن ذلك قد أُنجِز حتى الآن على نحوٍ جيّدٍ جدًا، وإن كان ذلك قد جرى، بطبيعة الحال، بطرائق يشوبها بالضرورة قدر لا مفرّ منه من النقص وعدم التكافؤ.

تنتمي الكوميونة الاشتراكية الفنزويلية بلا شك إلى الجانب الأقصى والأكثر طموحاً في هذه المعادلة؛ فهي تجسّد الرغبة في تجاوز عالم الاستغلال وجميع أوجه القهر. ويرتبط تاريخها المباشر بمشروع بناء الاشتراكية الذي أعلنه تشافيز عام 2006، ثم حاول تقنينه عام 2007 عبر الإصلاح الدستوري الذي لم يُكتب له النجاح، قبل أن يجد عام 2009 مقاربة مختلفة تمثّلت في الكوميونة. وينبغي مع ذلك التذكير بأن تشافيز، في الوقت نفسه الذي سعى خلاله إلى هذا المشروع الجذري جداً والطموح إلى أقصى الحدود، كان يُنجز أيضاً مشاريع «تنموية» نفعية – من قبيل مشروع النفط الثقيل في حزام أورينوكو الذي انطوى على مشاركة دولية واسعة – وبرامج رفاه اجتماعي واسعة النطاق مثل «المهمة الفنزويلية الكبرى للإسكان». وهكذا، كان السعي إلى الهدف «الطوباوي» والاستراتيجي دائماً مقترناً بقدرٍ عالٍ من الواقعية الصلبة. وقد حاول تشافيز ومادورو والشعب – وما زالوا يحاولون – «اقتحام السماء عنوةً» كما قال ماركس عن كوميونيي باريس، لكنهم ظلّوا في الوقت نفسه محافظين على أقدامهم راسخةً على الأرض. أعتقد أن هذا هو ما يعنيه أن يكون المرء ثورياً، لا مجرّد «روحٍ جميلة» رومانسية بحسب تعبير هيجل.

ينبغي ملاحظة أن التوتّر الناجم عن التفاوض بين الجانب الاشتراكي الأكثر طموحاً للثورة البوليفارية من جهة، والقضايا العملية المتعلّقة بالنجاة في هذا العالم من جهة أخرى، موجودٌ أيضاً «داخل» الكوميونات نفسها، إذ تتحدث هذه الأخيرة عن أسمى المُثُل الاشتراكية، لكن ممارستها العملية اليومية غالباً ما تتمثّل بحلّ مشكلات ترتبط بالصرف الصحي أو جمع النفايات… إلخ. هنا أيضاً، تتطلّب إدارة هذا التوتّر قيادةً ثورية، إلى جانب قدرة القاعدة الاجتماعية على رؤية المستقبل المشرق للتحرّر على جميع الصعد والوفرة ذات المغزى في أكثر الأنشطة اليومية تواضعاً، حتى لو كان ذلك المستقبل هدفاً بعيد المنال. إن تلازم هذين البعدين جزءٌ من أي مشروع ثوري ناجح. ولأَضرِب مثالين عابرين إلى حدٍّ ما، يمكن القول إن ذلك التلازم تجسّد في «جيش التحرير الشعبي الصيني» الذي حارب الفاشية والاحتلال الياباني واضعاً ذلك النضال ضد الفاشية في إطار المشروع الشيوعي الأوسع. كما تجلّى هذا التلازم بصورة بديعة في رواية «الإسمنت» الواقعية الاشتراكية لفيودور غلادكوڤ (1925)، حيث تُقدَّم مهمّة بناء المستقبل الشيوعي بصورة حَرفية تقريباً على أنها محاولة لإعادة تشغيل مصنع إسمنت تحت نيران قوات «الجيش الأبيض» وبين عدد لا يُحصى من الصعوبات الاجتماعية والمادية.

كل هذا يعني أن «الخروج الكامل» من مجتمع السوق – وبخاصة أنه يقتضي هزيمة الإمبريالية الأمريكية في معركة على صعيد عالمي – هدفٌ بعيد المنال. ولن يكون بلوغ هذا الهدف عمليةً سهلةً أو قصيرةً أو أحادية الخط. إن التحدّي يكمن في إبقاء هذا الهدف حيّاً في الأفق مع بناء أجزاء منه والعيش فيها في الوقت الحاضر. وذلك يتطلّب قيادةً ماهرة وخلاّقة، ومهاراتٍ تواصلية، وخيالاً إنسانياً. إنه تحدٍّ حقيقي، لكنه ممكن التحقيق. ولدينا أمثلة عليه في الماضي كما أشرتُ آنفاً.

 كيف يمكن في رأيك أن تستفاد المجتمعات العربية (التي لا تحتوي أغلبها عملية سياسية بالمستوى نفسه الحاصل في أمريكا اللاتينية) من المقاومة الشعبية القاعدية، السياسية والاقتصادية والثقافية، التي تنطوي عليها تجربة الكوميونات في فنزويلا؟

ليس من شأني أن أقول، فيما يتعلّق بالمجتمعات العربية، كيف يمكنها أن تستفيد من المثال الفنزويلي في بناء الكوميونة الاشتراكية؛ لكن يمكنني الإشارة إلى أنّ هناك تبادلاً فكرياً ممتداً منذ زمن طويل بين أمريكا اللاتينية والبلدان العربية، وما زال مستمراً حتى اليوم. ما أستطيع قوله هو إن المشروع الاستراتيجي للتحرّر من الإمبريالية والبدء في مسيرة نحو الاشتراكية يحمل طابعاً كونياً في عصرنا، لأن العدوّ الرئيسي (المنظومة الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة) وكثيراً من البُنى الجوهرية للهيمنة، هي نفسها في كل مكان. وهذا يعني أن ما يُتعلَّم في سياقٍ معيّن يكاد يكون مضمون الصلة بسياقٍ آخر، مع فسح المجال بالطبع لاختلافات مهمّة جداً من حيث قوى الإنتاج والتاريخ والثقافة السياسية والتقاليد وما إلى ذلك.

ومع ذلك، أودّ أن أشير إلى أنّ الاختلافات الثقافية والمجتمعية لا ينبغي التضخيم من شأنها بالطريقة التي يُشجّعنا عليها الفكر ما بعد الحداثي وما بعد البنيوي؛ إن أخطاءً جسيمة قد ارتُكِبت بسبب الطريقة غير الجدلية التي حثّنا بها هذا النمط من التفكير على تصوّر اختلافاتنا. إن الاعتراف بوجود الاختلاف لا ينفي الطابع الكوني، وإنما يؤكّد صحّتَه ويُعبِّر عنها. بكلمات أخرى، «الكوني» لا يعبِّر عن نفسه من خلال نفي الاختلاف – فمَن يظنّ ذلك يخلط بين «الكوني» و«العام» أو «المتجانِس» – وإنما يعبِّر عن نفسه من خلال الظاهرة المحددة والفردية بما «تنطوي عليه من اختلافات». على سبيل المثال، إن الإقرار بخصوصية مجتمعاتنا الأصلية القديمة والقائمة اليوم في أمريكا اللاتينية – وهي مجتمعات كثيراً ما تجسِّد ممارسات اشتراكية موجودة بالفعل – لا ينفي بل يؤكّد صحّة اكتشافات ماركس في شأن إمكان تجاوز «إنتاج القيمة» عبر «الجمعية الحرة للعمّال والملكية الاجتماعية». إننا نصبح أكثر ماركسية وأكثر شيوعية – لا أقلّ ماركسية وأقلّ شيوعية – حين نعترف بالخصوصية الفريدة للمجتمع الأصلي ونُقدِّرها. وهذا ما بيّنه المفكّر الماركسي الكبير في أمريكا اللاتينية خوسيه كارلوس مارياتيغي، الذي أوضح أن تحليل ما كان يُعرف في زمانه بـ«مسألة الشعوب الأصلية» على الأسس التي وضعتها الشعوب الأصلية نفسها سيقودنا إلى المسألة الأكثر ماركسية على الإطلاق: مشكلة الأرض (أي علاقات الملكية). كما أظهر مارياتيغي كيف أن التقارب بين الحركة الاشتراكية الحديثة وكفاح الشعوب الأصلية للحفاظ على استخدامهم للأراضي بطريقة اشتراكية فعليّة في بيرو يمكن أن يعزز قوة كلتا الحركتين وفقاً لشروطهما الخاصة.

أودّ الإشارة إلى أن الكوميونة في ذاتها لا ينبغي تحويلها إلى «صَنَم» ونوع من «ترياق اشتراكي شامل» يصلح تلقائياً لجميع الشعوب والأمم. في الأماكن التي توجد فيها تقاليد كوميونية قد يكون لهذا الشكل شأنٌ ووزن. لكن هناك كثير من المشاريع الكوميونية التي تدّعي تبنّي مُثُل اشتراكية أو الانتماء إلى اليسار، من دون أن تكون نافعةً للاشتراكية أو مناهِضةً للإمبريالية، رغم أن ذلك يُشكِّل اليوم شرطاً لا غنى عنه لأي مشروع ذي قيمة (المثال الأكثر وضوحاً على استخدام الصيغة الكوميونية لأغراض خبيثة تخدم الإمبريالية والصهيونية هو الكيبوتس الإسرائيلي، الذي يعمل كأداة لسلب الفلسطينيين أراضيهم. وهناك أمثلة أخرى أيضاً لمشاريع كوميونية تؤدّي وظائف تخدم الإمبريالية في مناطق أخرى من العالم). لقد رأى ماركس بالفعل قيمةً في كثير من المبادرات الكوميونية، لكن إذا ما قرأ المرء ماركس بقدرٍ معقول من الجِدّ سيجد نفسه وجهاً لوجه أمام حقيقة أن ماركس لم يكن «يدافع عن الكوميونة بوجه عام» بمعزل عن السياق والمضمون، لا في حالة كوميونة باريس ولا في حالة الكوميونة الريفية الروسية. فقد أدرك أن جعل هذه الكوميونات ذات قيمة يقتضي أن تكون جزءاً من سياق أوسع: ثورة التحرّر الوطني. وفي زماننا هذا يتمثّل ذلك السياق الأوسع بثورة تحرر وطني مناهِضة للإمبريالية وللصهيونية معاً، يقودها حزبٌ طليعي أو تنظيم قائم على أساس طبقي. إن الحاجة إلى أن تكون الكوميونة جزءاً من هذا المشروع الثوري الأوسع هي ما تُعلّمنا إيّاه الماركسية، وهو ما يتجلّى في فكر تشافيز. قال تشافيز: «الكوميونة المعزولة مضادّة للثورة»، و«الكوميونة خليّة، والخليّة تحتاج إلى جسد». كما شدّد على ضرورة بناء «نظام كوميوني وطني» (لمن يرغب في مزيدٍ من التوسّع في هذه الأفكار، يمكن الرجوع إلى مقالي الأخير: «الكوميونات الاشتراكية ومناهضة الإمبريالية: المقاربة الماركسية» المنشور في مونثلي ريفيو هذا الصيف).

وبما أنني ذكرت أعلاه إسهام العناصر التحرُّرية للمسيحية في المشروع الثوري بأمريكا اللاتينية، أودّ أن أقول شيئاً عن الإسلام، الدين السائد في البلدان العربية. ينطوي الإسلام بالطبع، شأنه شأن معظم الأديان الأخرى، على الكثير من العناصر التحررية والقيّمة للإنسانية، لكن أهميته بالنسبة إلى المشروع الثوري في عصرنا تتجاوز هذه السمات الخاصّة. الأمر وما فيه أن معظم الشعوب ذات الأغلبية المسلمة عاشت خلال القرون القليلة الماضية تحت سطوة أشكال من السيطرة الاستعمارية أو الإمبريالية من جانب القوى الشمالية. ونتيجةً لهذه التجربة، تميل الثقافة الإسلامية تاريخياً إلى اتخاذ مواقف مناهِضة للاستعمار وللإمبريالية. ويَردُ دليلٌ غير مباشر على ذلك حين يصبح الإسلام الدين الرسمي لدولةٍ مواليةٍ للاستعمار وللإمبريالية مثل السعودية، حيث تنشأ في هذه الحالة تصدّعاتٌ وتناقضات وحركات رفض متعددة. وهذا يذكّرنا بأن الإسلام، بحُكم مساراته التاريخية والجغرافية الأساسية، هو في جوهره دينُ المقهورين والمضطهَدين.

والآن سيكون ضرباً كاملاً من العبث – ومناقضاً في الواقع لكل مبدأ سوسيولوجي وتاريخي منسجم مع الماركسية – أن نتوهّم أن ثقافة المضطهَدين ونظم معتقداتهم في العالم ليست أصولاً ثورية. إن ما يقرب من مليارَي مسلم في العالم يمثّلون بلا شكّ أحد الأعمدة الرئيسية في النضال العالمي المناهض للإمبريالية الذي يطبع عصرنا.

 ابتداءً من صيف العام الماضي، نفّذت الولايات المتحدة انتشاراً عسكرياً واسع النطاق في منطقة الكاريبي. شملت هذه التحركات هجماتٍ بالطائرات المسيّرة والصواريخ استهدفت قوارب صيد، وأسفرت عن قتلٍ خارج نطاق القضاء لأكثر من 130 شخصاً، فضلاً عن عمليات استيلاء عنيفة ومتكرّرة على ناقلات نفط كانت تحمل الخام الفنزويلي. وقد تُوِّجت هذه الأفعال بقصف كاراكاس في الثالث من كانون الثاني/يناير من هذا العام والاختطاف غير القانوني للرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس عضو الجمعية الوطنية. كيف تفهم هذه الهجمات غير المسبوقة؟ وما الذي تتوقّعه من آثارها على المديين المتوسط والطويل؟ لقد أشرتَ إلى الاحتمال المتزايد لعودة الكفاح المسلّح بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة إزاء هذا النمط الجديد من التدخل الإمبريالي. لكن، إلى جانب ذلك، ما هي التحدّيات الأخرى التي تواجه فنزويلا وبلدان الإقليم في هذا السيناريو الجديد؟

بدأتُ هذه المقابلة بالإشارة إلى أهمية النظر إلى الثالث من كانون الثاني/يناير ضمن سياق تاريخي متصل. ومن المنطلق نفسه، أودّ التأكيد أن المقاربة المادية السليمة لأحداث ذلك اليوم تقتضي الاعتراف بمدى تأثير الظروف المحيطة بأفعال الإمبريالية الأمريكية، سواء قبل أو بعد اتخاذها قرار شن هجوم خاطف على فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو والمقاتلة الأولى سيليا فلوريس بصفة غير قانونية. فمن جهةٍ أولى، وضعت وحدة الكتلة الثورية داخل فنزويلا، وولاء المؤسسة العسكرية الراسخ، والطابع المسلّح للشعب، حدوداً فعلية لما كان في وسع الإمبريالية أن تقدم عليه في ذلك السياق. وهذا ما حال دون قيام الولايات المتحدة بغزوٍ بري تقليدي، كما حال دون إحداث تغييرٍ في النظام عبر انقلابٍ عسكري. ولجميع هذه الأسباب، لجأت الولايات المتحدة إلى تشديد الحصار، من خلال منع ناقلات النفط المحمّلة بالخام الفنزويلي من مغادرة البلاد، وقرّرت اختطاف الرئيس.

في الواقع، إن أقرب سابقة تاريخية لعملية الاختطاف غير القانونية للرئيس مادورو وسيليا فلوريس في الثالث من كانون الثاني/يناير هي العملية التي اغتيل فيها قائد «القوات المسلحة الثورية الكولومبية» (FARC) ألفونسو كانو عام 2011 مع بزوغ فجر مفاوضات السلام في كولومبيا، التي أفضت إلى تولّي تيموشينكو (رودريغو لوندونيو) قيادة حركة الغوار المناهضة للإمبريالية هذه لاستكمال مسار تفاوضي كان قد بدأ بالفعل. من هذه الزاوية – ومع استحضار الاستمراريات التاريخية مجدداً – يجدر التنبيه إلى أن قرارات الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز عقب هجوم الثالث من كانون الثاني/يناير تسير، في جوهرها، على الخطوط نفسها لخطة التفاوض التي كان نيكولاس مادورو قد رسمها سلفاً. فقبل اختطافه، كان مادورو قد استشرف احتمال مراجعة قانون المحروقات وانفتاحاً مضبوطاً أمام المصالح النفطية للولايات المتحدة. واللافت للنظر أن معظم خبراء النفط لا يتوقعون تغيراً كبيراً في حجم الإنتاج النفطي في فنزويلا خلال السنوات المقبلة، نظراً إلى انخفاض الأسعار وفتور حماسة المستثمرين. وعليه، فإن الوعود بـ«طفرة جديدة» تعود بمنافع كبيرة على أيِّ من الولايات المتحدة أو فنزويلا تبدو مستبعدة إلى حدٍّ بعيد.

من المهم الإقرار بأن السيناريو الجديد الذي أعقب الثالث من كانون الثاني/يناير ينطوي بالفعل على «تراجعٍ تكتيكي» وتحدياتٍ جسيمة أمام الثورة البوليفارية، وكذلك أمام القوى التقدمية في الإقليم، ولا سيَّما كوبا (التي شكّلت ثورتها مثالاً اشتراكياً ومنارة أملٍ للثوريين في أنحاء العالم). إن سيطرة الولايات المتحدة على مبيعات النفط الفنزويلي في المدى القريب تمثل بالفعل ضربة لسيادة فنزويلا في مجالٍ محدد. وما قامت به الحكومة الفنزويلية، أؤكد مجدداً، ينبغي النظر إليه بوصفه تراجعاً تكتيكياً. لقد كان من الحكمة الإقدام على مثل ذلك؛ فالتراجعات المضبوطة والتسويات المدروسة جزءٌ أصيل من أي خطة عمل ثورية. بيد أنه سيكون من الضروري – إذا أرادت الثورة الفنزويلية أن يبقى هذا التراجع تكتيكياً فحسب – أن تواصل تموضعها السياسي المناهض للإمبريالية وأن تؤكد سيادتها في مجالاتٍ أخرى، في حين تستعد لاستعادة السيطرة الكاملة على إنتاجها النفطي وتسويقه في وقتٍ لاحق.

ولكي تحافظ الثورة الفنزويلية على مشروعها الاستراتيجي في المرحلة الصعبة المقبلة، فإن لديها أصولاً مهمة، من بينها: (1) حزب سياسي قوي هو الحزب الاشتراكي الموحّد لفنزويلا (PSUV)، و(2) جيشٌ وفيّ متحالف مع الشعب فيما سمّاه تشافيز «التحالف المدني-العسكري»، و(3) تحسّن السيطرة على القطاع المالي، التي تطورت استجابةً للحصار الأمريكي خلال العقد الماضي. وفوق هذه العناصر الثلاثة، فإن «الأصل» الثوري الأكثر حسماً في فنزويلا –  بل جوهر الثورة نفسه – يتمثل بالتحالف بين السلطة الشعبية والحكومة الثورية. وهذا ما يجب الحفاظ عليه بأي ثمن. علاوة على ذلك، فإن مهمة السلطة الشعبية، وبخاصةٍ كما تتجلى في الكوميونات، ستكون في المرحلة المقبلة صون أسمى مُثُل الثورة الاشتراكية ومناهضة الإمبريالية، كما فعلت الحركة الكوميونية خلال أزمة الحصار في العقد المنصرم. وسيقع على عاتق هذه الحركة أيضاً السعي إلى الحفاظ على بعض الروابط الدولية الأكثر ثورية على أساس العلاقات بين الشعوب وبين بلدان الجنوب، وهي روابط ربما لا يكون من السهل على الدولة صونها حالياً عبر العلاقات الدبلوماسية العلنية.

والواقع أن هذا الأمر آخذٌ في الحدوث بالفعل، إذ عملت القوى الكوميونية بجدّ في حملات المطالبة بعودة الرئيس مادورو، وسعت إلى الحفاظ على بعض الأواصر الأممية، مثل الروابط مع القوى الثورية ضمن الشعب الكولومبي. وفي الوقت العصيب الذي نواجهه في المستقبل، تبرز أهمية صون الوحدة القوية للقوى الثورية في فنزويلا، تلك التي تجلت سواء خلال العقد الماضي أو في الاستجابات الفورية لهجوم الثالث من كانون الثاني/يناير. ومع ذلك، فقد تعايشت داخل الكتلة الثورية الموحّدة في فنزويلا، على الدوام، نزعاتٌ أقرب إلى الطبقة الوسطى وذات طابع تكنوقراطي من جهة، وأخرى أقرب إلى الطبقة العاملة وأكثر اتصالاً بالكوميونات من جهة أخرى. وقد تعزّزت النزعات الأولى خلال العقد الماضي بفعل سياساتٍ كانت ضرورية للصمود في وجه الحصار الإمبريالي. لذلك سيكون من المهم أن تُظهر القوى ذات النزعة الاشتراكية داخل الثورة، ولا سيَّما المنخرطة في الكوميونات، من خلال المثال العملي – كما فعلت في العقد الماضي – قدرتها ومتانتها في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية. ولكي أكون واضحاً، من الضروري أن يتخذ ذلك شكل عملٍ ملموسٍ ودؤوب في بناء الكوميونات وفي التكوين الأيديولوجي والعملي للجماهير، لا شكل خطابٍ استعراضي أو «نقدي» أجوف؛ أي سلسلة من الجهود التي تُبرهن بالفعل وبالمثال على أن القطاع الكوميوني هو الركيزة الأكثر صلابةً، والأكثر جدارةً بالثقة وانضباطاً، والأشد مناهضةً للإمبريالية في الثورة.

أريد أن أضيف ملاحظة أخيرة. لقد تقدّمت الفاشية في الولايات المتحدة واستولت فعلياً على السلطة هناك، على نحوٍ بات أكثر صراحة مع الولاية الثانية لدونالد ترامب. وفي الوقت نفسه، حقّقت إمبريالية ذات طابع فاشي وأكثر استعمارية صراحةً – إمبريالية «فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» – بعض الانتصارات الفعلية في إقليم أمريكا اللاتينية عبر لجوئها إلى مزيدٍ من العنف والتدخل العلني. قد يثير ذلك قدراً من اليأس داخل اليسار، ولا سيَّما أن استجابة القوى المناهضة للإمبريالية والفاشية في الإقليم كانت حتى الآن بطيئة ومفتقرة إلى التنظيم والحسم الكافيين. بيد أنه على اليسار أن يتحلّى بالصبر؛ فالفاشية غالباً ما تكسب المعارك الأولى، في حين يتطلب تبلور الردّ العميق المناهض لها وقتاً أطول. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن مناهضة الفاشية تستلزم تعبئة الأغلبيات المحبة للسلام في العالم، وجزئياً إلى أن أساليب تنظيمها الداخلي أكثر ديمقراطية. لكن ما إن تستيقظ هذه القوة حتى تكون طاقتها وإبداعها هائلين وتكون قدرتها على سحق أعداء التقدم الاجتماعي والتحرر الإنساني مدوّية.

المصادر:

نُشرت هذه المقابلة في مجلة المستقبل العربي العدد 565 في آذار/مارس 2026.

أجرى الحوار: إبراهيم يونس

مجلة المستقبل العربي العدد 565 آذار/مارس 2026

[1](*) باحث ومترجم مصري متخصص في علم الاجتماع، تُشكّل الماركسية وتحليل النظم العالمية محور اهتمامه، ويكتب على نحو مستمر عن شؤون أمريكا اللاتينية في الموقع الإلكتروني لشبكة الميادين وفي جريدة الأخبار اللبنانية.

انظر موقعه الإلكتروني الخاص:    <https://chrisgilbert.site>.

[2]  يشير مصطلح «الحركية» (movimentismo) إلى توجه سياسي واجتماعي يركّز على النشاط الشعبي المستقل عن الدولة، ويعتمد على شبكات التنسيق بين مجموعات مختلفة مع التركيز على المشاركة المدنية والمطالب المحلية بدلاً من الاستيلاء على السلطة السياسية. [المحاوِر]

[3]  تقديس حميمي كجزء من هوية العائلة لا تأليه أو عبادة. إنه أشبه بمكانة صور الزعيم جمال عبد الناصر والسيد حسن نصر الله في بيوت الكثير من المصريين واللبنانيين والعرب. [المحاوِر]

[4]  نهج يُعلي من شأن شرح وتوضيح الحدود والصعوبات المادّية والسياسية المتعلّقة بتحقيق الأهداف أمام الطبقات الشعبية. [المحاوِر]

[5]  يعود هذا المصطلح إلى الفيلسوف الهنغاري إشتفان ميزاروش، الذي اكتسبت نظريته حول الانتقال إلى الاشتراكية أهميةً خاصة في سياق الثورة البوليفارية في فنزويلا. يشير «الأيض الاجتماعي» (Social Metabolism) إلى طيف واسع من العلاقات الاجتماعية، بما في ذلك، وليس حصراً، العلاقات التي يُنظَّم العمل من خلالها. ويرى ميزاروش أن النظام الرأسمالي ينظّم هذه العلاقات على نحو هرميّ وغير ديمقراطي، في حين يقتضي تحقيق الاشتراكية تحويلًا شاملًا لهذه العلاقات الاجتماعية نفسها وفق منطق ديمقراطي جديد وجوهري. [المحاوِر]

[6]  مرحلة استمرت لقرابة عقد منذ بداية الألفية الجارية ارتفعت فيها أسعار السلع الأساسية والنفط والمعادن عالميّاً بفعل طلبٍ عالمي متزايد. [المحاوِر]


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز