مقدمة

تميَّزت هزيمة حزيران/يونيو 1967، بأنها لم تُصِب الأمة العربية في مقتل، بل أعادت إليها روح التحدي، لأنها مؤامرة لتطويع الأمة العربية وإرغامها على الإذعان والاستسلام. أو كما قال حسين الشافعي، كانت مؤامرة لإسقاط جمال عبد الناصر‏[1].

تحمَّل عبد الناصر مسؤولية النكسة، فقدَّم استقالته من جميع المناصب التي كان يشغلها، وقرر العودة إلى صفوف الجماهير، حتى لا يحمِّل غيره المسؤولية، أو يلقي باللوم على الآخرين. يقول محمد حسنين هيكل:

«جمال عبد الناصر نفسه تحمل المسئولية عن مأساة سنة 1967، وتحمَّلها كلها لم يوزعها يمينًا أو يسارًا شرقًا أو غربًا على كل الأطراف مستثنيًا نفسه»‏[2].

خرجت جماهير الشعب المصري، يومَي 9 و10/5/1967، رافضة الهزيمة، والاستقالة، مطالبة إيَّاه بالبقاء على رأس القيادة، والاستمرار في الاستعداد للمعركة، فأذعن عبد الناصر، وطفق يعدّ ويستعد بكل الوسائل والطرائق، لإزالة آثار العدوان، فكسر احتكار السلاح، وحقق التفوّق العسكري على العدو، وفرض عليه حصارًا سياسيًا خانقًا، وحشد إمكانيات الأمة العربية لمصلحة المعركة، وتأييد الشعوب الصديقة للقضية العربية.

لكن الأهداف تغيَّرت، والخطط استُبدِلت، ومسارات الحرب عُدِّلت، بعد رحيل عبد الناصر؛ فحرب أكتوبر 1973، لم تحقق أهدافها، بل تحولت إلى حرب تحريك للجمود السياسي والعسكري، فكان العبور محدودًا، فتوقفت القوات المصرية، عند حاجز يبعد نحو 20 كلم شرق قناة السويس.

ثم أدى تَمكُّن قوات العدو من العبور إلى غرب القناة إلى محاصرة الجيش المصري الثالث، وتهديد وجود الدولة المصرية برمّتها. وهو ما أدى إلى نشوب خلافات قوية وعميقة بين قادة القوات المسلحة المصرية والقيادة السياسية. ثم كان قبول السادات بالتفاوض المباشر مع العدو، من النتائج السلبية للحرب، فتسببت في حصول العدو، على أكثر مما كان يريد!

أولًا: جمال عبد الناصر والاستعداد لحرب التحرير

تحمّل عبد الناصر المسؤولية، وصمم على إزالة آثار العدوان، إذ «منذ اللحظة الأولى للهزيمة أوضح عبد الناصر أن الإرادة الذاتية هي العامل الفاصل لتحديد نتيجة المعركة… فالمعركة معركتنا، واللعبة لعبتنا، والأوراق أوراقنا، إن 100 بالمئة من أوراق اللعبة في يدنا ونحن لا يجوز أن نتركها في يد الغير»‏[3]. ثم جاءت قرارات مؤتمر القمة العربية في الخرطوم في آب/أغسطس 1967، داعمة لذلك التوجه، ومؤكدة حالة الإجماع السياسي العربي الرسمي، ثم تلتها مواقف كثير من الدول الصديقة، التي قطعت علاقاتها السياسية والعسكرية مع الكيان الصهيوني، وأيدت حقوق الشعب الفلسطيني، لتعبِّر عن تضامن دولي واسع مع القضية العربية.

عُزلت «إسرائيل» دوليًا، وتعرضت الولايات المتحدة لإحراج وانتقادات عالمية واسعة، ولموجة عداء شعبي ورسمي، قيَّد هامش الحراك السياسي الذي كانت تطمح إلى تأديته في المنطقة. وهو ما اعترف به وزير الخارجية الأمريكي في لقائه مع الصحافي المصري الشهير محمد حسنين هيكل في القاهرة بتاريخ 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1973، حيث قال:

«إنكم في هذه المرة تصرفتم بشكل مختلف عن تصرفكم سنة 1967. سنة 1967 أثرتم الدنيا علينا. أتحدث عما وقع وقتها بصرف النظر إن كنتم أو لم تكونوا على حق فيه – والنتيجة أن موجة عداء عارمة ضد الولايات المتحدة سادت المنطقة كلها… وهكذا عطلتم أي رغبة للولايات المتحدة في أداء دور لها تحس أنها قادرة عليه. سنة 1973 تصرف الرئيس السادات بهدوء أكثر – وسواء كنا مخطئين أو لم نكن مخطئين فإنكم فتحتم الباب أمامنا لدور نرغب في القيام به ونحس أننا قادرون عليه»‏[4].

بدأ عبد الناصر يترجم كل ذلك الزخم إلى أفعال؛ فأصدر توجيهًا بتاريخ 11/6/1967، إلى القائد العام للقوات المسلحة، يأمره فيه بتجهيز وإعداد القوات المسلحة للقيام بواجباتها في الدفاع عن الوطن وتحرير الأراضي المحتلة‏[5].

ثم بدأ العمل على زيادة أعداد القوات المسلحة، لتعويضها عن الفاقد، وتدريبها تدريبًا راقيًا ودقيقًا، وتزويدها بأحدث أنواع الأسلحة، وفي غضون ثلاث سنوات فقط، بلغ تعداد القوات المسلحة المصرية، ظهيرة يوم 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973، أكثر من 750,000 مقاتل. ثم صادق على خطة التحرير، المعروفة بـ«جرانيت 200»، أو بدر، وأوعز إلى القوات المسلحة بضرورة بدء الاستعداد للقتال لطرد العدو من سيناء كاملة‏[6].

توجَّه عبد الناصر إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية، للحصول على السلاح. ثم بدأ في إعداد القوات المسلحة وتهيئتها بإصدار جملة من القرارات، لاستكمال حلقات التوجيهات العسكرية، التي تغطي تحركات القوات المسلحة واستعداداتها، قانونيًا وإداريًا وميدانيًا. فقد «صدر التوجيه العسكري الاستراتيجي من القائد العام للقوات المسلحة المقرر في المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالمراحل الزمنية للحرب الشاملة كالآتي: – مرحلة الصمود من يوليو حتى مارس 1968. – مرحلة المواجهة مارس 68 حتى أبريل 1969. – مرحلة التحدي والردع أبريل 69 حتى تموز/يوليو 1970. – مرحلة التحرير الشامل»‏[7].

تمت تهيئة القوات المسلحة للقتال لا بتوفير السلاح والتدريب المناسبين فقط، بل برفع الروح المعنوية والقتالية أيضًا؛ فقام عبد الناصر بزيارة الجنود على خطوط النار، وكلف القيادات العسكرية والمدنية بزيارتهم والتحدث إليهم، وتم إعداد برامج إعلامية متقدمة، تبث برامج وطنية ودينية. وتمت تهيئة الاقتصاد الوطني لتحمل أعباء الحرب، بزيادة الإنتاج، واستقرار الأسعار، وعدالة التوزيع، وترشيد الاستهلاك، وإشراك الجميع في الإنتاج والتوزيع.

ثم بدأ حرب الاستنزاف بعد أقل من شهر من وقف إطلاق النار؛ فأرهق العدو، وكبّده خسائر كبيرة. استمرت هذه الحرب، متقطعة، ثلاث سنوات، ولم تتوقف إلا في تشرين الأول/أكتوبر 1970، بعد وفاة عبد الناصر. وهو نجح في إقامة حائط الصواريخ، الذي منع طيران العدو من التحليق غرب قناة السويس، وأحدث تفوقًا استراتيجيًا، أول مرة منذ سنة 1948، ونجح في حماية العمق المصري، وأنشأ غطاءً جويًا للقوات المصرية التي عبرت القناة في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 554 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 554 نيسان/أبريل 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 554 في نيسان/أبريل 2025.

محمد الهادي صالح: الأكاديمية الليبية للدراسات العليا،
مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية.

[1] حسين محمود حسن الشافعي، قائد سلاح الفرسان الذي أدى دورًا بارزًا في إنجاح ثورة تموز/يوليو 1952؛ عضو حركة الضباط الوحدويين الأحرار. تولى منصب نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، خلال المدة 1963 – 1975.

[2] محمد حسنين هيكل، حرب الثلاثين سنة، ج1: سنوات الغليان (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1988)، ص 23.

[3] أمين هويدي، مع عبد الناصر، ط 3 (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1985)، ص 86.

[4] محمد حسنين هيكل، عند مفترق الطرق: حرب أكتوبر ماذا حدث فيها وماذا حدث بعدها، ط 5 (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1985)، ص 179.

[5] لمزيد من المعلومات، انظر: محمد فوزي، حرب أكتوبر 1973: دراسة ودروس، ط 2 (طرابلس، ليبيا: المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، [د. ت.])، ص 47 وما بعدها.

[6] المصدر نفسه، ص 7.

[7] المصدر نفسه، ص 48.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز