مقدمة

عرفت العلاقات الإيرانية – الروسية خلال العقدين الأخيرين تحوّلات استراتيجية جوهرية، إذ انتقلت من تقارب مصلحي ظرفي إلى شراكة متنامية ذات أبعاد مؤسسية واستراتيجية، نابعة من تلاقي المصالح الوطنية للبلدين في مواجهة تحديات النظام الدولي المتعدد الأقطاب. وتعكس هذه الدينامية سعي موسكو وطهران لتعظيم المكاسب وتقليل المخاطر في بيئة دولية شديدة التقلب، تتسم بتصاعد الصراع بين القوى الكبرى وإعادة تكوين موازين النفوذ الإقليمي والدولي.

تستند هذه الدراسة إلى المنهج الواقعي البنيوي، الذي يرى أن سلوك الدول يتحدد بفعل بنية النظام الدولي لا وفقًا للسياسات الداخلية أو المصالح اللحظية فقط، وهو ما يجعل تحركات روسيا وإيران استجابة عقلانية للقيود والفرص البنيوية التي يفرضها النظام العالمي. من هذا المنظور، يُنظر إلى تعزيز الشراكة الروسية – الإيرانية على أنه استثمار مدروس للتقلبات الدولية، بما يضمن للطرفين توسيع قدراتهما الاستراتيجية وتثبيت موقعهما في النظام الدولي الجديد، مع مراعاة التوازن بين مصالحهما المختلفة وإدارة أي تفاوتات محتملة في النفوذ.

عرفت العلاقات بين موسكو وطهران تقلبات منذ تسعينيات القرن الماضي، متأثرة بسياسات روسيا الخارجية تجاه الغرب والمنطقة. ومنذ عام 2012 أعاد الرئيس بوتين توجيه اهتمام موسكو نحو شركاء غير غربيين، وهو ما أتاح لإيران تعزيز روابطها مع روسيا. ومع اندلاع الأزمة الروسية – الأوكرانية عام 2022، تعمّق التعاون بين الطرفين، إذ قدمت إيران دعمًا سياسيًا محدودًا مراعية مصالحها الوطنية، في حين أفادت موسكو من شريك موثوق به لتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وهو ما عزز الشراكة في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية.

الإطار المنهجي

تواجه العلاقات الدولية تحولات مستمرة بفعل تغيرات بنيوية في النظام الدولي، وهو ما ينعكس مباشرة على سياسات الدول الكبرى واستراتيجياتها الإقليمية والدولية. وقد شهدت العلاقات الروسية – الإيرانية منذ عام 2022 مرحلة مفصلية نتيجة اندلاع الأزمة الروسية – الأوكرانية، التي أعادت رسم أولويات القوى الكبرى وفرضت قيودًا وفرصًا جديدة أمام الفاعلين الإقليميين والدوليين.

تثير هذه التطورات سؤالًا أساسيًا: كيف أثرت الأزمة الروسية – الأوكرانية في تطوير العلاقات بين روسيا وإيران في ضوء التحولات البنيوية للنظام الدولي؟ وهذا يطرح بدوره عددًا من التساؤلات الفرعية: ما هي الأهداف الاستراتيجية لكل من روسيا وإيران في تعزيز علاقاتهما الثنائية خلال العقدين الأخيرين، وكيف انعكست هذه الأهداف على سياساتهما الخارجية؟ وكيف أثرت الأزمة الروسية – الأوكرانية على طبيعة ومستوى التعاون بين روسيا وإيران في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية؟ وما مدى قدرة روسيا وإيران على تحويل تقاربهما الحالي إلى شراكة استراتيجية مؤسسية ومستدامة في ظل التحولات البنيوية المستمرة للنظام الدولي؟

تتجلى أهمية هذا الموضوع في فهم المناخ العام الحاكم للعلاقات الروسية – الإيرانية، وكيف يمكن التحالفات الإقليمية أن تعيد تكوين موازين القوى، وكيف أن السياسة الروسية والإيرانية قد ساهمت في تعزيز نفوذ كل منهما، وتأثير ذلك في تغير موازين القوى في الشرق الأوسط.

كما تسهم الدراسة في استشراف مستقبل التعاون بينهما وإمكانات تحويل هذا التقارب الاستراتيجي المؤسسي إلى شراكة مستدامة قادرة على مواجهة تحديات النظام الدولي الجديد.

تستند هذه الدراسة إلى المنهج الواقعي البنيوي، الذي ينطلق من فرضية أن سلوك الدول لا يمكن فهمه إلا من خلال تأثيرات البنية الدولية وما تفرضه من قيود وفرص أمام الفاعلين الرئيسيين. وفقًا لهذا المنظور، تُفسَّر الخطوات التي اتخذتها كلٌّ من موسكو وطهران في مجالات التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي بوصفها سلوكًا عقلانيًا نابعًا من إدراكهما لما تفرضه الأزمة الأوكرانية (الدولية) من قيود وفرص، بهدف حماية وتعظيم مصالحهما الوطنية وتقليل المخاطر ضمن بيئة دولية مضطربة تتسم بتصاعد الصراع بين القوى الكبرى.

يوجد الكثير من الدراسات التي ركزت على تقديم وجهات نظر مختلفة حول تطور العلاقات الإيرانية – الروسية وأصولها والقوى الدافعة وراء تطورها. ففي حين أشار نيكولاي كوغانوف إلى عام 2012 بوصفه العام الذي بدأ فيه التقارب‏[1]، يرى مع بيوتر دوتكيويتش أن آذار/مارس 2014 كان حافزًا قويًا لتحول أكثر جذرية في السياسة الخارجية الروسية تجاه إيران. ووفقًا للمؤلفين، هناك الكثير من العوامل التي دفعت الدول إلى التقارب من نفوذ روسيا الرافض للنظام العالمي في «الخارج القريب» والمحاولات الأكثر وضوحًا لتعزيز العلاقات مع الصين ودول البريكس وباكستان والسعودية وكذلك إيران في محاولة لمراجعة النظام العالمي وإنشاء قطب معارض للولايات المتحدة والعالم الغربي بوجه عام‏[2].

كما يبحث كولائي ونائيني، في مقال بعنوان «تأثير روسيا والتنافس الأمريكي على الوضع الإقليمي لإيران»، كيف غيّر «الربيع العربي» النظام الأمني وأثر في الاستراتيجيات السياسية والعسكرية للقوى الكبرى في الشرق الأوسط‏[3].

إلى ذلك، يشير الكثير من الباحثين إلى أن العلاقة ليست قوية كما قد تبدو، وأن هناك قيودًا كثيرة على احتمالات تعميق العلاقات بصورة أكبر، منها مقال جيرمانيه وجراجويسكس الذي يرى أنه رغم التعاون الوثيق بين البلدين وبخاصة منذ بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فإن هناك بعض التوترات بين البلدين‏[4].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 565 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 565 آذار/مارس 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 565 في آذار/مارس 2026.

رشا محمد عبد الجليل عبد الحليم: رئيسة فريق عمل في مركز المعلومات
ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء المصري.

حقوق الصورة لرويترز.

[1] Nikolay Kozhanov and St Petersburg, «Russian–Iranian Dialogue after 2012: Turning a New Page?,» Russian Analytical Digest, no. 192, 10 November 2016, <https://css.ethz.ch/content/dam/ethz/special-interest/gess/cis/center-for-securities-studies/pdfs/RAD192.pdf>.

[2] Piotr Dutkiewicz and Nikolay Kozhanov, «Civil War in Syria and the Evolution of Russian-Iranian Relations,» Emirates Policy Center, 25 May 2016, <https://epc.ae/en/details/publications/civil-war-in-syria-and-the-evolution-of-russian-iranian-relations>.

[3] الهه کولائی وأمین نایینی، «تاثیر رقابت خاورمیانه‌ای روسیه و ایالات متحده آمریکا بر جایگاه منطقه‌ای ایران (2011 – 2019)،» دانشگاه آزاد اسلامی، شماره 45 دوره 12 زمستان 1399، <https://sanad.iau.ir/journal/pir/Article/680914?jid=680914>.

[4] Анна Георгиевна Бугаева, «Rossiysko-iranskie torgovye i diplomaticheskie otnosheniya pervoy poloviny XIX veka,» Izvestiya Rossijskovo gosudarstvennovo pedagicheskovo universiteta im. A. N. Gercena, 2008, <https://cyberleninka.ru/article/n/rossiysko-iranskie-torgovye-i-diplomaticheskie-otnosheniya-pervoy-poloviny-xix-veka>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز