مقدمة

يكتسي النقاش حول دور مختلف الفاعلين في الحقل السياسي، ومدى فاعليتهم وأثرهم في الحياة السياسية بوجه عام، أهمية بالغة في حقل العلوم السياسية ولدى الباحثين فيه.

في هذا الإطار يأتي دور الأحزاب السياسية كفاعل رئيس داخل أي حقل سياسي، تؤثر وتتأثر بالقواعد السائدة للعبة السياسية داخله. من هذا المنطلق يمكن التركيز على لون معين من هذه الأحزاب السياسية التي تتفاعل بدورها مع غيرها من الفرقاء السياسيين في إطار النسق السياسي الكلي، وتعبّر عن تقاطب مجتمعي يعدّ مكوِّنًا من مكوِّنات الساحة السياسية المغربية، وهو الممثل للتوجه اليساري في المغرب.

يمثل اليسار تيارًا فكريًا وسياسيًا دائمًا ما ينحو نحو التقدمية والتغيير والانتقال من وضع قد يكون فيه المجتمع محكومًا بقواعد السوق والحرية والليبرالية، تسيطر عليه نخبة سياسية واقتصادية معيَّنة، إلى وضع يرتكز على العدالة الاجتماعية بين مختلف أفراد المجتمع كما يعرف بمناصرته ودفاعه عن الجماهير الشعبية و«الكادحين» من العمال والفلاحين، استنادًا إلى الفكر الاشتراكي القائم أساسًا على مناهضة الرأسمالية والليبرالية، التي يعدّها محددًا وعاملًا في تطور واغتناء طبقة محددة وقليلة في المجتمع، على حساب بقية الطبقات الأخرى الواسعة.

ولا يمكن الاختلاف على أن مفهوم اليسار، وبخاصة في المغرب، التصق بمفهوم المعارضة، أي أن مختلف الأحزاب والتنظيمات والحركات ذات التوجهات اليسارية دائمًا ما كانت تمارس نوعًا من المعارضة للسياسات التي ينتهجها النظام – نقصد بالنظام المؤسسة الملكية أساسًا، التي كانت وما تزال تضطلع بأدوار جوهرية ومحورية في النظام السياسي المغربي – معبّرة بذلك عن جزء من القوى الاجتماعية التي يزخر بها المجتمع المغربي، وبهذا – من الناحية النظرية – تعدّ المعارضة قوة توازن ضرورية في المجال السياسي بوصفه مجالًا عموميًا، لأنها تنهض بواحد من أهم الأدوار في صناعة الاستقرار في المجتمعات الحديثة من خلال تمثيل مجموعة من القوى الاجتماعية وتحقيق مشاركتهم في الحياة السياسية وفي صنع القرار‏[1].

تبعًا لهذا، وتحديدًا للموضوع، يُقصد باليسار المعارض (أحزاب وتنظيمات) كل من يضع نفسه وراء هذا الوصف ويتخذ موقفًا معارضًا للنظام السياسي في المغرب في توجهاته الكبرى. ونظرًا إلى ارتكاز المقال على مفهوم اليسار المعارض وتركُّز إشكاليته على سؤال قوته، فإنه يصعب اختصار مفهوم اليسار المعارض من الناحية التنظيمية في حزب أو تنظيم بحدّ ذاته، فقد يسري هذا المفهوم على أحزاب في حقبة معيَّنة، وعلى غيره في أوقات أخرى، كما قد تخرج من هذا التصنيف أحزاب أخرى كانت في السابق تنتمي إليه (من ناحية تطوره التنظيمي). لكن من ناحية سؤال القوة، فالأمر يرتكز أساسًا على المرحلة الفاصلة بين الاستقلال ومنعطف التناوب التوافقي، الذي لا يمكن بعده الحديث عن قوة اليسار بوجه عام، وانطلاقًا من هذا سيركز المقال على تطور مختلف الأحزاب اليسارية التي عرفها المغرب منذ استقلاله، التي تنقسم إلى صنفين، يسار تقليدي يتمثل بالأساس في الاتحاد الوطني/الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التحرر/التقدم والاشتراكية، وصنف آخر يتمثل بما يمكن تسميته اليسار الجديد، وهو الذي خرج من رحم اليسار التقليدي وفق مراحل متعدِّدة.

والملاحظ اليوم أن اليسار كمكوِّن سياسي داخل النسق السياسي، يعيش على وقع تراجع كبير على مستويات متعددة، وهو ما يتيح وصف وضعه بالأزمة، لكن القول بأزمة اليسار المعارض في الوقت الحالي لا يستقيم، إلا إذا كان هذا الطيف السياسي عاش في مرحلة معيَّنة، مرحلة قوة وحضور قوي وملموس على مستوى الحياة السياسية، تسمح اليوم بالقول إنه عرف تحولًا انتقل به من مرحلة قوة إلى مرحلة أزمة. وديدن هذا المقال هو محاولة تسليط الضوء على المرحلة التي شهدت أوج اليسار في المغرب، بالانطلاق من سؤال محوري: كيف ألّف اليسار قوة سياسية معارضة طبعت حقبة مهمة من التاريخ السياسي للمغرب المستقل؟

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 553 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 553 آذار/مارس 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 553 في آذار/مارس 2025.

أيوب المريني: طالب باحث، جامعة محمد الخامس – الرباط.

[1] عبد الإله بلقزيز، السلطة والمعارضة: المجال السياسي العربي المعاصر – حالة المغرب (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص 10.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز