مقدمة

تقدم هذه الدراسة قراءة تحليلية نقدية لـ «الحداثة الغربية» ببعديها الفلسفي النظري والسياسي التطبيقي، فهل كانت هذه الفلسفة حقًا فلسفة ذات أبعاد إنسانية أم أنها كانت أسيرة النظرة المركزية الأوروبية والإنسان الأبيض دون سواه؟ تناقش هذه الدراسة مشكلة موجودة لدى بعض الباحثين، الذين ظنوا أن تاريخ الحداثة كان تاريخاً ناصع البياض، وصفحات كتابها كلها بيض، كما أظهرها مفكرو الغرب، مهمّشين صفحاتها القاتمة. وتركّز الدراسة على إظهار تلك الصفحات القاتمة التي تم إخفاؤها ونقلها من الهامش إلى متن كتاب الحداثة.

تسعى الدارسة لتحقيق عدة من أهداف، أهمها: تفكيك الخطاب الحداثي المتمركز حول الذات الغربية وإظهار عنصريته ولاإنسانيته تجاه الشعوب المستعمَرة، والقبض على أسطورة التفوُّق الجيني الغربي متلبِّسة في عنصريتها ووضعها في قفص الاتهام.

توصلت الدراسة إلى عدة نتائج، من أهمها أن التاريخ الاستعماري لحداثة الغرب، كان تاريخاً أسود، وأن الحضارة الغربية كانت حضارة سادية، وأفعالها مع الشعوب المحتلة تؤكد ذلك وكل الأساطير التي أطلقها الغربيون حول تفوقهم العرقي والحضاري كانت مؤدلجة، وأن الحداثة كانت فخاً من ضمن الفخاخ التي وضعها الغرب الاستعماري لتسويق غزوه واحتلاله للشعوب في إطار رأسمالية الغرب الاستعمارية المتدثرة بالحداثة.

تنطلق هذه الدراسة من سؤال رئيس فحواه: هل كان تاريخ الحداثة الغربية – كما رُوّج له – تاريخًا ناصع البياض؟ أم أن هناك صفحات أُغفلت أو هُمّشت من صفحات ذلك التاريخ؟ تفترض الدراسة أن تاريخ الحداثة كان تاريخًا أسودَ، تمت أسطرته بما يوافق هوى الاستعمار الغربي، وقد كتبه المستعمر المنتصر على الشعوب المقهورة، تبييضًا لجرائمه بحقها، وترويجًا لاستعماره لها. تحاول هذه الدراسة إظهار تاريخ الحداثة المظلم الذي هُمِّش لحساب سردية ضرورة الحداثة الاستعمارية ونقل ما تم تهميشه إلى المتن. سَعت الدراسة لتحقيق الكثير من الأهداف، أهمها:

– قراءة المسكوت عنه والمهمَّش في تاريخ الحداثة وإظهار الصفحات القاتمة في ذلك التاريخ وخصوصًا المرتبطة منها بالاستعمار.

– تفكيك الخطاب الحداثي المتمركز حول الذات الغربية وإظهار عنصريته ولاإنسانيته تجاه الشعوب المستعمرة.

– القبض على أسطورة التفوُّق الجيني الغربي متلبسة في عنصريتها ووضعها في قفص الاتهام ومساءلتها عن جرائمها بحق الشعوب المستَعمرة.

– التركيز على العدوانية الوحشية التي أظهرها المستعمر الغربي تجاه الشعوب الأخرى، وردّها إلى جذورها التي خرجت منها.

وقد استعمل الباحث في دراسته المنهج الوصفي التحليلي في تحليله مقولات الحداثة، وكذلك المنهج التفكيكي في تفكيك خطاب الحداثة الاستعماري، لمعرفة ما أخفاه ذلك الخطاب من خلال ما أعلنه وما نفاه في ما شدد عليه.

أولًا: معنى الحداثة

يمثل الكلام على الحداثة حديثًا عن عصر النهضة الأوروبية والإصلاح الديني والثورة العلمية والعصر الحديث وعصر التنوير وظهور الرأسمالية والثورة الصناعية، وكل ما له علاقة بالنزعة الإنسانية، وبالعقلانية والعلم. وقد استُعملت كلمة الحداثة (Modernism) اللاتينية أول مرة في نهاية القرن الخامس عشر، لتمييز الحاضر المسيحي حينها من الماضي الوثني الروماني.

ومصطلح الحداثة (Modernism)، بما هو صورة التحديث وتعبير الحديث (Modern) بما يمثل من مادةٍ للحداثة، بدأ استعمالهما أواخر القرن السادس عشر، وقد استُعملا كتعبير مرادف لمفهوم اللحظة الحاضرة وكان يعني نوعًا من التغيير الجذري من الأسوأ إلى الأحسن‏[1].

بدأ استخدم لفظ التحديث ولفظ الحداثة ولفظ حداثي بمعنىً واحد في القرن الثامن عشر، وكان مرادفًا لكلمة (العصر) فأصبحت كلمة حداثي تعني (عصري) وتعني أيضًا: تحسين أو محَسّن أو أحسن من السابق له وهكذا، وفي القرن التاسع عشر أصبح مفهوم الحداثة يعني التقدم، وكل ما هو مطلوب أو مرغوب فيه إلى حد ما.

وإذا أردنا الحصر والتدقيق نستطيع القول إن مصطلح الحداثة، كتعبير عام وشامل لكل منجزات الحضارة الغربية، يدل على الفلسفة التي سادت في المجتمعات الغربية، فكرًا وسلوكًا وثقافةً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ويحدد بمقدار قرنِ من الزمان، أي في الحقبة 1850 – 1950. ظهر مصطلح الحداثة أول مرة في مجال الفن والشعر، لدى الشاعرين الفرنسيين: جيرار دونرفال وشارل بودلير سنة 1850، وكان ذلك المصطلح عندهما يعني: انفتاح الشاعر والفنان على عصره، وتجاوزه للأطر التقليدية التي تعيق تجليات الإبداع‏[2].

لا يمكن إعطاء تعريف منطقي جامع مانع للحداثة، لأنها ليست وصفة جاهزة يمكن تمثلها ومن ثم تعريفها، لكننا «نستطيع تحديد تاريخ الحداثة بتتبُّع الهزات العنيفة التي حدثت في مسيرة البشرية وأدت إلى تغيرات جذرية في وعي الناس ومفرداتهم الثقافية ومعطيات حياتهم في المأكل والأزياء والتوازنات السياسية والاقتصادية»‏[3].

والسبب في ذلك أن الحداثة متشعِّبة الموضوعات، مختلفة المسارات، فهناك حداثة الفكر وحداثة الفن والآداب والعمارة والتخطيط العمراني والأزياء وحداثة الاقتصاد والتدريب، ولكلِ واحدِ من تلك المسارات «تاريخه الذي يشكل سيروراته وحضوره داخل منظومة القيم الاجتماعية في علاقتها بنموذجها التاريخي وآفاقها المستقبلية، لذلك فإن مفهوم الحداثة سيظل مفهومًا متشظيًا وعصيًا على التحديد»‏[4].

فمن الصعب «تطويق معنى الحداثة وضبط كل مكوّناتها، وإنما يكون من اليسير رصد بعض معالمها وعلاماتها في بعض المجالات»‏[5]. جلّ ما نستطيعه هو تتبُّع صفاتها ومكوناتها للوصول إلى مفهومها، لأن مفردة الحداثة من أكثر المفرداتِ إثارةً للجدل، وقد ورطت مفكري العالم «في أدغالها سعيًا وراء تفسيرها وإصرارًا على شرعنتها بوصفها مفهومًا إنسانيًا كونيًا قادرًا على عبور الحدود الزمكانية، الأمر الذي جعلها محل خلاف عنيف بين المجموعات البشرية من جهة، والأفراد وتوجهاتهم الأيدولوجية من جهة أخرى»‏[6].

والسبب في ذلك هو التداخل المفهومي بين مفردة حداثة «مع مفردة حديث التي تتجلى على طول مسار التاريخ البشري، فكل لحظةِ، كما ذهب ابن قتيبة قديمًا، تحمل قِدمها وحداثتها؛ وكل حديث، كما ذهب باث، هو انتقالي وعابر. لذا هناك حداثات بقدر ما هناك من حُقبِ ومجتمعات»‏[7].

وهناك من يُقابل بين التحديث (Modernisation) والتخلُّف، حاسبًا التحديث مسارًا خطيًّا زمنيًّا، تنتقل خلاله المجتمعات، اقتصاديًا واجتماعيًا، من الحالة التقليدية للتخلف في المجتمعات غير الغربية إلى الحالة الحديثة للتطور، على نحو ما حدث في الغرب، وتلك المقابلة تدرج ضمن الفخاخ التي وضعها الغرب الاستعماري لتسويق غزوه واحتلاله للشعوب، إذ «ليس التحديث إلا أداة إلحاق مع تحوُّل الرأسمالية إلى نظام كوني للعالم غير الحديث (غير الغربي) بالعالم الرأسمالي الحديث (الغربي)»‏[8]. فالتحديث سابق على الحداثة، والحداثة هي وصف للتحديث، فهي «الأفكار والقيم والعلاقات التي تُميِّز المجتمعات المحدثة، عن المجتمعات التقليدية أو السابقة»‏[9].

وهناك من يرى التحديث بداية لسيطرة اليهود على العالم، ويصبح «التاريخ الحقيقي للعالم الحديث الذي يعمل في الخفاء خلف التاريخ الظاهر الذي يقود اليهود بدورهم فيه أو يقوم العصر الحديث بدوره في سيطرة اليهود على العالم»‏[10].

يمكننا الاقتراب من تعريف الحداثة بالقول: إنها تعني «انتشار لمنتجات النشاط العقلي، العلمية، التكنولوجية، الإدارية، فهي تتضمن عملية التمييز المتنامي لعديد من قطاعات الحياة الاجتماعية: السياسية والاقتصادية والحياة العائلية والدين والفن على وجه الخصوص»‏[11].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 553 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 553 آذار/مارس 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 553 في آذار/مارس 2025.

عرفات عبد الخبير الرميمة: باحث في مركز أبحاث التنمية الشاملة، جامعة صنعاء.

[1] انظر: رايموند ويليامز، طرائق الحداثة، ترجمة فاروق عبد القادر، عالم المعرفة؛ العدد 246 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1999)، ص 52.

[2] انظر: أوليفر ليمان، مستقبل الفلسفة في القرن الحادي والعشرين: آفاق جديدة للفكر الإنساني، ترجمة مصطفى محمود محمد؛ مراجعة رمضان بسطاويسي، عالم المعرفة؛ العدد 301 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2004)، ص 142. انظر أيضًا: عادل عبد المهدي، إشكالية الإسلام والحداثة (بيروت: دار الهادي، 2001)، ص 5.

[3] عبد العليم محمد إسماعيل، «فخ الحداثة ومشكلات الترحيل،» تبيّن للدراسات الفكرية والثقافية، العدد 8 (ربيع 2014)، ص 61.

[4] المصدر نفسه، ص 59.

[5] محمد سبيلا، مدارات الحداثة (بيروت: الشبكة العربية للدراسات والنشر، 2009)، ص 123.

[6] إسماعيل، المصدر نفسه، ص 57 – 58.

[7] المصدر نفسه، ص 59.

[8] رضا هلال، تحديث التخلف: الدولة والمجتمع والإسلام في مصر (القاهرة: سينا للنشر، 1993)، ص 15.

[9] المصدر نفسه، ص 16.

[10] مالك بن نبي، المسألة اليهودية، وجهة العالم الإسلامي؛ ج 2 (دمشق: دار الفكر 2012)، 80.

[11] آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1997)، ص 29.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز