أولًا: ولادة العصر النووي وبداية سباق التسلّح

في حزيران/يونيو 1945 أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان في مؤتمر بوتسدام عن نجاح تجربة سلاح جديد سيغيّر وجه التاريخ الإنساني عسكريًا وسياسيًا. فقد كُلّل مشروع مانهاتن بالنجاح، وأُجريت أول تجربة لقنبلة نووية في صحراء لاموغوردو بولاية نيو مكسيكو في 16 تموز/يوليو 1945، لتُدشّن الولايات المتحدة الأمريكية العصر النووي. وبعد أقل من شهرين وقع الاستخدام الفعلي للقنبلة في أواخر الحرب العالمية الثانية، حيث تم إلقاء قنبلة “الولد الصغير” فوق هيروشيما في 6 آب/أغسطس 1945، وقنبلة “الرجل السمين” فوق ناغازاكي في 9 آب/أغسطس 1945. كانتا قنبلتين ذريتين بدائيتين نسبيًا، إلا أن طاقة كل منهما فاقت طاقة أي سلاح استُخدم في الحرب قبلهما، وهو ما أثبت فاعلية السلاح النووي في تحقيق أهداف عسكرية وسياسية فورية على نحوٍ مرعب.

احتكرت الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة الذرية طيلة أربع سنوات، وفي 29 آب/أغسطس 1949 كسر الاتحاد السوفياتي هذا الاحتكار، وقام بتفجير أول سلاح نووي في سيميبالاتينسك في كازاخستان، وأطلق عليه اسم «البرق الأول». ثم دخلت الدول في سباق تسلّح نووي، حيث انضمت كلٌّ من بريطانيا، وفرنسا، والصين، والهند. ورغم أن برنامج إنتاج هذا النوع من الأسلحة يمثّل عبئًا على الموارد المالية والتقنية للبلدان الفقيرة، إلا أنه مثّل الضمان الوحيد لردع أي هجوم سوفياتي. ومع هذا كان الجميع يدرك أن تنفيذ الردع سوف يؤدي إلى انتحارٍ متبادل شامل. ورغم تتابع التلويح بتهديدات استخدام الأسلحة النووية بين الدول المتحاربة، إلا أن التهديد الفعلي والأخير الذي أدخل العالم في ما يُعرف بـ”الرعب النووي” تَمثَّل أساسًا بأزمة الصواريخ الكوبية في تشرين الأول/أكتوبر 1962 بين القطبين العالميين النوويين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في ظل الحرب الباردة، وانتهت الأزمة باقتراح كينيدي سحب الصواريخ الأمريكية من تركيا. ومنذ ذلك الوقت تنامت الجهود الدولية في محاولة لتخلص من هذا السلاح المدمر أو على الأقل ضبطه والحدّ منه.

ثانيًا: معاهدات الضبط النووي

خلال العقدين الأخيرين شهد العالم استنكارًا صريحًا للسلاح النووي لما تُخلّفه تجاربه من أضرار بيئية وصحية، وما يفرضه وجوده من قلق وجودي. وبدأ ضبط الانتشار النووي رسميًا مع توقيع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) في عام 1968، والتي دخلت حيّز التنفيذ عام 1970 بوصفها حجر الأساس للأمن النووي العالمي. وقد قامت هذه المعاهدة على ثلاث ركائز: منع الانتشار، ونزع السلاح، والحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، حيث منحت للدول الخمس النووية حينها – الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفياتي، وبريطانيا، وفرنسا، والصين – الشرعية المؤقتة في امتلاك السلاح مقابل الالتزام بتقليص ترسانتها تدريجيًا ومنع نقل أو تزويد الأسلحة النووية إلى الدول غير النووية. وهو ما كرّس نوعًا من الطبقية في النظام النووي، إذ تُمنع الدول المشاركة في المعاهدة من امتلاك السلاح النووي، بينما تحتفظ الدول الخمس بسلاحها. ومع نهاية الحرب الباردة لم يتحقق أي نزع فعلي للسلاح، بل تضخّمت الترسانات وتحولت إلى ورقة ضغط جيوسياسية.

ولتصحيح هذا الخلل مررت الجمعية العامة للأمم المتحدة، عام 2017، معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW)، والتي تُعدُّ أول نص قانوني دولي يُجرّم امتلاك أو تطوير أو نقل أو استخدام الأسلحة النووية، ويهدف إلى إزالتها بالكامل.

دخلت المعاهدة حيّز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2021 بعد مصادقة أكثر من خمسين دولة، لكنها رُفضت من جانب الدول النووية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب الدول التي تعتمد على المظلة النووية الأمريكية مثل اليابان وألمانيا وكندا. وقد رأت واشنطن أن المعاهدة غير واقعية لأنها تتجاوز حق الردع كضمانٍ للأمن الدولي، في حين عدّتها دول الجنوب، وبخاصة الدول الأفريقية وأمريكا اللاتينية، ضرورة أخلاقية لتجريم السلاح الذي قد يقود العالم إلى الفناء.

تدريجيًا، بدأ نظام ضبط السلاح النووي يتفكك، فقد انسحبت الولايات المتحدة في عام 2019 من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (INF) التي أُبرمت عام 1987 بحجة تجاوزات روسية، وفي عام 2020 انسحبت أيضًا من معاهدة الأجواء المفتوحة (Open Skies). في المقابل، جمّدت موسكو التزاماتها في عدة اتفاقيات، ومع تراجع الثقة بين القوتين انتقل العالم إلى سباق تسلّح نووي صامت. في خضمّ هذا الوضع، برز البرنامج الإيراني كأحد أكثر الملفات الساخنة في المجال النووي. فرغم أن طهران قد وقّعت الاتفاق النووي المعروف بخطة العمل المشتركة (JCPOA) من أجل تقليص مستوى تخصيب اليورانيوم لضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أن انسحاب الولايات المتحدة منه في 2018 جعل طهران تستأنف تخصيب اليورانيوم بمستويات أعلى من المسموح بها، وتقترب من العتبة النووية من دون إعلانٍ صريح عن امتلاكها السلاح. ورغم تدمير منشآتها النووية بهجمات أمريكية – إسرائيلية، إلا أنه لا يمكن الجزم بأن البنية التحتية والتقنية اللازمة لصناعة القنبلة قد تدمّرت بالفعل، بل على العكس من ذلك أكدت هذه الهجمات نجاعة السلاح النووي في فرض القوة الدولية.

ثالثًا: النووي في ظل الانهيار الأخلاقي العالمي: من غزة إلى موسكو

مثّل إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2025 عن نجاح تجربة صاروخ “بوريفيستنيك” ذي المحرك النووي، إلى جانب طوربيد نووي ذاتي القيادة، تجسيدًا لتحول عميق في المنظور الأخلاقي للسياسة الدولية. فالعالم الذي صمت أمام إبادة شعب أعزل في غزة وسمح بكل تلك الخروق الإنسانية والدولية، أتاح لبوتين أن يعيد تعريف القوة بوصفها حقًا مطلقًا، في ظل انهيار القانون الدولي الذي فقد شرعيته الأخلاقية أمام فشله الذريع في حماية حقوق الإنسان في غزة.

نجحت موسكو في استغلال هذا الانشغال العالمي بالأزمة الأخلاقية لتطوير ترسانتها النووية حتى تقدم نفسها لاحقًا كبديل للولايات المتحدة المشاركة في حرب الإبادة ضد غزة. وتقوم قوة روسيا على ابتكار أسلحة لا مثيل لها في العالم، أو “أسلحة نهاية العالم” على نحو ما قامت به الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية عندما أخرجت للعالم قنبلة ذرية هي الأولى من نوعها واستخدمتها فعليًا، وهو ما أظهر قوتها الهائلة. وهو ما يثبت أن الولايات المتحدة لم تؤسس سيادتها على العالم من طريق نظام قيَمي أخلاقي يدعو إلى السلم، بل على أساس القوة والترهيب، وهذا ما تسعى إليه روسيا في ظل تأزم الوضع على الساحة العالمية من أجل سحب كرسي السيادة العالمية من عدوها التقليدي.

فالاختبار النووي الروسي في جوهره رسالة موجهة إلى نظام دولي بدأ يتفكك منذ انهيار أساسه الأخلاقي الإنساني في غزة، والذي قام عليه ميثاق الأمم المتحدة كرد فعل على وحشية الفعل البشري في الحربين الشاملتين.

في الجانب الآخر، رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تجربة الصاروخ الروسي بالأمر باستئناف التجارب النووية لأول مرة بعد نحو ثلاثة وثلاثين عامًا، حيث كان التوقف الفعلي للتجارب النووية للولايات المتحدة في أوائل التسعينيات. غير أن ترامب لم يصرّح بنوع هذه التجارب، وأعرب عن أن العودة إليها تمثل مواكبة لخصمَيه روسيا والصين، وهو ما يمكن أن نعدّه بداية سباق تسلح نووي جديد في عالم متعدد الرؤوس النووية.

بناءً على هذا، يمكننا القول إن صمت النظام الدولي عن مأساة غزة فتح الباب أمام القوى الكبرى لتستأنف تجاربها النووية التي مُنعت سابقًا تحت غطاء الالتزام الأخلاقي. فحرب غزة أعطت شرارة الانحراف الأخلاقي الذي يسبق الانزلاق نحو الهاوية. والتاريخ يعلمنا أن الحرب تبدأ من شرخ في الضمير الإنساني، وتوقف العالم عن الشعور بالذنب تجاه الدماء، حينها فقط تصبح المعاهدات الإنسانية والأخلاقية مجرد حبر على ورق، ويعود الإنسان ليطلق غريزته التدميرية في حربٍ كل شيء فيها مباح.

رابعًا: هل نشهد حربًا باردة ثانية؟

يبدو أننا نشهد انهيارًا للنظام الدولي وبداية آخر بقواعد جديدة. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الباردة، يعيد التاريخ نفسه وتستأنف الدول الكبرى تجاربها وتطويرها ترسانتها النووية مع صعود دول نووية ناشئة، وعودة مصطلحات: سباق التسلح، الردع، العقوبات، والتحالفات إلى الواجهة من جديد. غير أن الاختلاف الجوهري هو أن ما يحدث اليوم لا يقوم على انقسام أيديولوجي كما كان بين الرأسمالية والشيوعية، بل على تنافس استراتيجي.

فروسيا لم ترث البعد الأيديولوجي للاتحاد السوفياتي، بل ورثت منه هاجس المكانة ومنطق الصعود كقوة عالمية. فهي تسعى لإعادة تعريف النظام العالمي الجديد. أما الولايات المتحدة الأمريكية فتعدّ روسيا والصين خصمَين استراتيجيَّين يهدفان إلى تفكيك النظام الليبرالي الذي أسسته إبان الحرب العالمية الثانية. وبالتالي يعود منطق المواجهة من دون إعلان رسمي للحرب، وهو ما يعيدنا إلى توترات الحرب الباردة في نسختها العسكرية والرقمية المعولمة.

لكن الحرب الباردة الثانية – إن صحّ التعبير – لا تقوم فقط على ثنائية واشنطن وموسكو، فالصين تمثل القطب الثالث الذي يعيد توزيع موازين القوى. فالعالم لم يعد ميدانًا مغلقًا بين قوتين عظيمتين نوويتين ذوات أذرع إقليمية، وإنما أصبح شبكة متداخلة من القوى النووية التي تملك ما يكفي لتحقيق مبدأ توازن الرعب، بغضّ النظر عن حجم الدولة وقوتها. فكل طرف يسعى لاستعراض قدرته على الرد في حال التهديد، وهو ما يعيد إلى الأذهان مبدأ “التدمير المتبادل المؤكد” الذي صبغ العقل الاستراتيجي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. غير أن الردع في نسخته الحديثة لا يقتصر على السلاح النووي فحسب، بل يشمل أيضًا الذكاء الاصطناعي العسكري والحروب السيبرانية. وما يجعل اللحظة الراهنة أكثر خطورة من الحرب الباردة هو غياب الضوابط الرقابية التي كانت تضبط الصراع.

فحينها كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يتقاسمان العالم، ورغم التنافس كانا يحرصان على تجنب المواجهة المباشرة خوفًا من الانتحار الجماعي. أما اليوم، في ظل سقوط المنظومة الأخلاقية واختراقات القانون الدولي، فتغيب الضوابط والخطوط الحمر.

ومع عودة التجارب النووية وانهيار المعاهدات القديمة انتقلنا من مرحلة “الردع الواعي” إلى مرحلة “الردع الفوضوي”، حيث تصبح القوة النووية في أيدي الكثرة، ولا ضمانات حقيقية لمنع استخدامها.

إضافة إلى الحروب القائمة في أوكرانيا وغزة التي باتت مختبرًا تُجرب فيه الأسلحة العسكرية الجديدة كالطائرات المسيّرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي للاستهداف والتجسس والهجمات السيبرانية، وهذا التداخل بين الحرب التقليدية والرقمية والنووية يعبر عن جيل جديد من الحروب أكثر نظافة، لا تُدار بالمواجهة المباشرة بل من خلف الشاشات، يصبح فيها الإنسان مجرد بيانات ويموت من دون أن يرى قاتله.

يمكننا القول إننا نعيش في حرب باردة غير معلنة تتحرك في الملفات الكبرى من أوكرانيا إلى تايوان، ومن إيران إلى غزة، وتدار بالعقوبات الدولية والسياسات الدبلوماسية والتكنولوجيا وهندسة التحالفات، وتعيد تكوين ناظم دولي جديد في عالم متعدد الأقطاب يسعى كل قطب إلى فرض سيادته.

حيث تصعد روسيا والصين في مقابل الولايات المتحدة وحلف الناتو، فموسكو تسعى لكسر احتكار الغرب لمنظومة الردع من خلال مشاريعها النووية، أما الصين فقد دخلت مرحلة التحديث النووي وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل ترد واشنطن بتحديث قدراتها النووية والتلويح بالانسحاب من المعاهدات الدولية النووية. وبالتالي لم يعد الردع مجرد وسيلة للترهيب ومنع الحرب، بل أصبح أداة لتثبيت المكانة الجيوسياسية. ومع تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي في القرار العسكري أصبح من الصعب التحكم في التصعيد.

خامسًا: العرب وسباق التسلح النووي: بين التأثر والتبعية

في خضم هذه الأحداث المتسارعة والسباق المحموم بين القوى النووية الكبرى، يقف الوطن العربي في موقع المتفرج لا الفاعل. فبينما تسعى الدول لتحديث ترسانتها النووية وتطوير منظومتها الدفاعية وبنيتها التحتية الرقمية، من “بوريفيستنيك” الروسي إلى استئناف التجارب النووية الأمريكية، وصولًا إلى صعود الصين كقوة تكنولوجية متقدمة، تظل البلدان العربية من دون أي مشروع جماعي يحفظ أمنها الاستراتيجي ويحقق مبدأ الردع. فقد كشفت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط عن هشاشة البنية الدفاعية العربية والتبعية الأمنية للغرب، إذ لا تمتلك أي دولة عربية برنامجًا نوويًا عسكريًا معلنًا أو بنية تحتية تسمح بتوفيره، وفي المقابل تتقدم إيران أكثر من العتبة النووية وقريبًا ستصبح ثاني قوة نووية في الشرق الأوسط بعد إسرائيل التي تخشى تهديد وجودها وفقدان احتكارها السلاح النووي في المنطقة.

رغم أن بعض البلدان العربية أعلنت عن مشاريع ذات طابع سلمي في مجال الطاقة النووية مثل محطة “براكة” التي دشنتها الإمارات، ومشروع الضبعة الذي شرعت في تنفيذه مصر بالتعاون مع روسيا، فإن هذه المشاريع تظل مدنية سلمية محكومة برقابة دولية.

في حين تكمن المشكلة الحقيقية ليس في غياب القدرات، وإنما في عدم وجود رؤية سياسية مشتركة توحد البلدان العربية في قضايا الأمن القومي.

في هذا الإطار، برزت إلى الواجهة الاتفاقية الدفاعية بين باكستان والسعودية التي فسرها الكثيرون على أنها تفتح المجال لنوع من المظلة النووية الباكستانية للمملكة في حال أي تهديد إيراني، وهو ما يبُرز ضرورة توازن الرعب في المنطقة، بحيث لو احتكر طرف السلاح النووي، سيضطر الطرف الآخر غير المالك هذا السلاح إلى اللجوء إلى تحالف نووي مع قوى نووية كبرى.

أما على المستوى السياسي، فلا يزال اقتراح إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية حبرًا على ورق، فرغم مرور ما يزيد على ثلاثة عقود على طرحه في الأمم المتحدة، إلا أنه يواجه عوائق تنفيذه من جانب إسرائيل التي تمتلك ترسانة نووية غير معلنة وغير خاضعة للرقابة الدولية، ورفض إيران التخلي عن برنامجها النووي.

ويتفاقم الوضع أكثر فأكثر مع سباق التحالفات العربية مع القوى الكبرى لضمان أمنها وحماية مصالحها، فاستمرار هذه الحاجة إلى الضمانات الأمنية الأجنبية يكرّس تبعية البلدان العربية ويُضعف استقلال قراراتها الاستراتيجية. بهذا المعنى يمكننا القول إن موقع العرب اليوم من سباق التسلح النووي هو موقع الضحية الجيوسياسية المحاصرة بين مشروع نووي إيراني في طور التكوين، وردع إسرائيلي قائم من دون رقابة، وتبعية غربية تُقتل بمقتضاها الإرادة العربية.

إذًا، يكمن التحدي الأكبر في الانتقال من التأثر إلى الفعل من طريق صوغ استراتيجية شاملة للأمن القومي العربي تنطلق من تعاون تقني وعلمي وعسكري، وتؤسس لنظام أمني دفاعي عربي مستقل يجعل للعرب مكانًا في نظام دولي جديد يتكون على تنافس نووي تكنولوجي بين الكبار. وإلى حين تحقق ذلك، ستظل البلدان العربية مجرد متفرج تُرسم خرائط النفوذ على مرأى من عينيه.

سادسًا: مستقبل الحرب النووية: من منطق الردع إلى معادلة الفناء الذكي

دخل العقل الاستراتيجي للدول الكبرى طورًا جديدًا من الشك والترقب، واستُبدلت الجبهات التقليدية بأخرى لامرئية، وبدأ السباق نحو التفوق التكنولوجي العسكري. ومع كل إعلان عن تطوير سلاح جديد أو نجاح تجربة، تتجدد روح الحرب الباردة في صورة مختلفة؛ حرب بلا جبهات ولا إعلان، ولكنها مشحونة باحتمال الانفجار في أية لحظة. وفي هذا السياق لا يمكننا أن نفصل الحاضر عن المستقبل.

يبدو أن مستقبل الحرب لن يتجسد في قنبلة تسوّي مدينة بالأرض كما حدث في هيروشيما وناغازاكي، بل في صاروخ ذكي يعمل بطاقة نووية، يسافر لآلاف الكيلومترات ويتجنب الاعتراضات بذكاء، ولا يُعلم متى أو أين سيسقط، أو في طوربيد نووي ذاتي الدفع يمكنه تدمير موانئ كاملة.

لقد انتهى زمن السلاح الغبي، ودخلنا في عهد جديد من الأسلحة الذكية التي تفكر مثل البشر، بل لربما يُعطى لها القرار بناءً على البيانات والاحتمالات التي تُزوَّد بها. هذا التحول من السلاح الغبي إلى السلاح الذكي يعكس الخطر الذي سيتسبب فيه دخول الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة العسكرية، وبخاصة الأسلحة النووية، حيث إن أي خطأ في التقدير أو خلل تقني بفعل هجوم سيبراني قد يؤدي إلى إنذار كاذب ويمنح القرار بالرد.

إذًا، أكبر تهديد لمستقبل البشرية ليس الزر النووي ذاته، بل الآلة التي ستضغط عليه. وهنا يتغير السؤال من: هل ستستخدم الدول السلاح النووي؟ إلى: هل يبقى القرار بيد البشر من الأساس؟.

رغم ذلك، لا يمكننا تجاهل البعد السياسي، فالدول التي تملك السلاح النووي مدركة تمامًا خطورة استخدامه على نفسها أولًا، فلا يمكنها أن تنسى القاعدة التي تحكم هذا السلاح وهي “التدمير المتبادل”. فمن يرد أن يدخل حربًا يكن ثمنها فناؤه وفناء عدوه، وربما الكوكب كله. وبالتالي، إن حدثت حرب نووية فستكون حربًا هجينة تجمع بين الطاقة النووية كجزء من السلاح، لكنها ليست السلاح نفسه، مثل الصاروخ الروسي، إلى جانب الأسلحة التقليدية والحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

يمكننا القول حينها إننا سنصل إلى حرب ليست فقط متعددة الجبهات، بل متنوعة الأسلحة، أضعف سلاح فيها يعادل أو يتجاوز قوة أي سلاح استُخدم في الحروب الماضية التي عرفها الإنسان عبر التاريخ.

على المدى البعيد سيظهر ما يسمى “عصر الردع الذكي”، حيث سيتخذ الذكاء الاصطناعي قرار الحرب والسِّلم، وستتركز جهود الدول في تطوير أنظمة لا تعرف الخطأ في تحديد هدفها وإصابته، بل وحتى في تقرير ما هو هذا الهدف. وبينما يراهن البعض على أن التكنولوجيا ستجعل الحرب أكثر تحكمًا، يذهب آخرون إلى أنها ستجعل من خطأ بسيط كارثة حقيقية.

في الختام، قد أدرك الإنسان منذ أن امتلك السلاح النووي أنه يحمل موطن قوته وبذور فنائه في الوقت ذاته. والآن طوّر أنظمة ذكية ربما ستسرّع هذا الفناء، فعندما يُعطى القرار لآلة لا تشعر، ستفعل ما لم يجرؤ البشر على فعله. واليوم، مع تطور الصواريخ النووية والأنظمة ذاتية التشغيل، يبدو أن الخطر لم يعد في القنبلة نفسها، بل في الخوارزمية التي تتحكم بها.

ويظل السؤال الأخلاقي قائمًا: إن كانت الحروب ستُدار من هنا فصاعدًا من غرف القيادة ومن داخل الخوارزميات، وعندما يكون الإنسان رقمًا على شاشة يُمحى بنقرة زر واحدة، فهل هذا يعني أن العالم تخلّص من بُعده الإنساني الأخلاقي؟ وأنه لا يزال هو نفسه عالم الحربين؟ إلا إذا قرر طرف آخر الانقلاب على البشر قبل الآلة.

سابعًا: نهاية قد ترسمها الطبيعة قبل القنبلة

تزايد الحديث في السنوات الأخيرة حول إمكان انقطاع الإنترنت عن العالم وضرب البنية التحتية التي تقوم عليها وتعطل الاتصالات والكهرباء وعودة الإنسان إلى حضارة بدائية. قد تبدو الفرضية في حد ذاتها وكأنها مشهد من فيلم خيال علمي، وليس هناك إثباتات علمية بشأن حدوث كوارث طبيعية تؤدي إلى نهاية الحضارة الحديثة، ولكن لا يوجد أيضًا ما ينفي حدوث مثل هذا. فمنذ كورونا أدرك الإنسان أن الطبيعة بإمكانها فعل الكثير له إلى درجة تعطيل حياته كلها، لأنه لا يوجد أي مانع للطبيعة حين تقرر أن تثور على الإنسان. ونستحضر هنا القول المنسوب لألبرت آينشتاين: “لا أعلم بما سنقاتل به في الحرب العالمية الثالثة، ولكني أضمن لك أن الحرب العالمية الرابعة سنقاتل فيها بالعصي والحجارة”. ويعني هذا أن لكل شيء نهاية، حتى العلم نفسه، وأن تلك الأنظمة والأسلحة ستكون يومًا ما مجرد معادن بلا فائدة، حينها فقط ستنقلب الموازين ويصبح الصراع على الموارد، وتتراجع الدول الصناعية المتقدمة التي تعتمد بصورة أساسية على التكنولوجيا لمصلحة الدول الفقيرة البدائية التي تعرف جيدًا سُبل البقاء حتى من دون تكنولوجيا.

تظل هذه الفرضية قائمة، لأنه في النهاية خصم الإنسان الأول منذ وُجد على هذه الأرض هو الطبيعة التي يمكنها أن تنقلب عليه في أي وقت.

كتب ذات صلة:

التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي: الكتاب السنوي 2023

المصادر:

آية مصدق: كاتبة وباحثة تونسية.

حقوق الصورة لـ “وكالة فرانس برس”.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز