نحن في زمن الذكاء الاصطناعي وثقافته؛ فقد بات علمًا ومعرفةً وممارسة شائعة في معظم أنحاء العالم؛ فالتقدم التكنولوجي في الذكاء الاصطناعي يدعم التحوّل الرقمي في الخدمات الحكومية والقطاع الخاص والأمن السيبراني، ويحمي البنى التحتية الرقمية الحيوية والحوسبة والبيانات الضخمة التي تُعد أساس الاقتصاد الرقمي، وكذلك التكنولوجيا المالية لقيادة التحوّل في الخدمات المصرفية والطاقة المتجددة. كما يغيّر الذكاء الاصطناعي مفهوم العمل محوّلًا الوظائف من التكرار إلى الإبداع عبر وكلاء أذكياء يتعلّمون باستمرار.
إلى ذلك، يُسهم الذكاء الاصطناعي في تغيير طريقة تفكيرنا إذا ما اعتمدنا كثيرًا على تقنياته التي أضحت أداة تطوير مذهلة إذا استُخدمت بوعي، لأنها توفّر الوقت، وتوسّع منظورنا، وتساعدنا على توليد الأفكار. لكنها حين تتحوّل إلى بديل دائم، يصبح الإنسان معها مستهلكًا للفكر أكثر منه منتجًا له.
لعل قرصنة الدماغ أخطر ملفات الأمن السيبراني؛ فالكاتب المتخصص راغب ملّي ينسب إلى إسلام محمد سرور، الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، قوله إن خطورة هذه التقنيات تكمن في قدرتها على مراقبة عمل الخلايا العصبية واستجابتها للمؤثرات الحسيّة بما يسمح بالتعرّف إلى السلوك البشري والتنبّه والتحكم فيه عبر المعلومات التي تجمعها الأجهزة، وهو ما يسمح تاليًا بالتحكم المباشر فيها (الأجهزة) وبث نبضات عصبية تغيّر الحالة النفسية للشخص وقد تدفعه إلى ارتكاب أفعال تحت تأثير هذا الاختراق (راجع مقالته في صحيفة النهار بتاريخ 2 أيلول/سبتمبر 2025). في هذا المجال، أبدى التريليونير الأمريكي إيلون ماسك، مالك كبرى الشركات الأمريكية في عالم تكنولوجيا المعلوماتية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، خشيته من أن تتفوّق أنظمة الذكاء الاصطناعي على البشر وتتحكم فيهم بعدما نجحت شركته «نورا لينك» في زرع تقنيات ذكية في الدماغ للتواصل مباشرةً مــع حواسيب (كومبيوترات) من خلال التفكير، وذلك لمساعدة المصابين بشلل أو الذين يعانون أمراضًا عصبية.
تتعذر الإحاطة في ورقة واحدة بكل جوانب الذكاء الاصطناعي وأبعاده ومحاسنه ومخاطره في مختلف الحقول والعلوم والفنون والمهن والاستخدامات. لذا اخترتُ التركيز على مخاطر الذكاء الاصطناعي على أمننا القومي، وخصوصًا في الصراع مع كيان الاحتلال الصهيوني. غير أنني لم أقع شخصيًا على نصّ متكامل يرصد ما توصّل إليه هذا الكيان من استخدامات ونجاحات في هذا المجال. لكن ما تيسّر لي الاطلاع عليه من نصوص وتصريحات لمسؤولين صهاينة شتى، يشير إلى أن كيان الاحتلال يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستخبارات العاملة على تحديد أمكنة وجود قادة منظمات المقاومة المعادية، وخصوصًا الفلسطينية واللبنانية بقصد اغتيالهم، وفي نشر هذه التقنيات بين الضباط لاستخدامها في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمليات، وذلك لمعرفة طبيعة وهوية الهدف المراد التصويب عليه. كما تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات الدماغية لإشعار وحدات الجيش الإسرائيلي بأنها مهدّدة من جانب العدو بعناصر تحمل قاذفات صواريخ. إلى ذلك، ثبت استخدام الاحتلال في حرب الإبادة التي يشنها في غزة الإنسانَ الآلي (Robot) في الأحياء المكتظة بالمباني والسكان وذلك لتخفيف خسائره في الجنود.
لعل أهم وأخطر ما يجب أن نعلمه في هذا المضمار حرص العدو الصهيوني، قبل معركة طوفان الأقصى بزمن طويل، على إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف ميادين الحياة المدنية والعسكرية. فقد نسبت وكالة رويترز بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2025 إلى العقيد إيلي برنوم في مقابلةٍ إعلامية أن نحو نصف عدد الفنيين لدى كيان الاحتلال يتم تركيز تخصصهم في الذكاء الاصطناعي، وأن عدد الفنيين العاملين في ذلك الوقت، أي قبل خمسة أشهر من اندلاع معركة طوفان الأقصى، يربو على 20 بالمئة من مجموع تعدادهم العام. وكانت الصحافة الإسرائيلية نسبت خلال شهر أيار/مايو 2025 إلى قيادة الجيش الإسرائيلي أنها رفعت تقريرًا إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حول كيفية العثور على القادة المطلوبين (من حركة الجهاد الإسلامي) واغتيالهم باستخدام أجهزة الاستشعار ومعالجة المعلومات الاستخبارية المرئية والمسموعة، والبصمات الإلكترونية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحلل المعلومات، وأن نتنياهو أبدى اغتباطه لأن جيشه «حقق فجوة كبيرة بيننا وبين أعدائنا».
هذه المعلومات، سواءٌ أكانت صحيحة أم كاذبة، تقودنا إلى وجوب معرفة ما لدينا، نحن العرب من المحيط إلى الخليج، من جهود وإنجازات في مختلف ميادين الذكاء الاصطناعي.
الحقيقة أن ما لديّ شخصيًا يقتصر على النواحي المدنية، ومعظمها مُستقى من التغطية الإعلامية التي حظي بها معرض Gitex Global الذي انطلقت فعالياته خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي في دبي. وقد استخلصتُ مما جرى عرضه حول أحدث فصول الثورة الرقمية أن الذكاء الاصطناعي لا يُعدّ خيارًا استراتيجيًا فقط بل أضحى أيضًا ضرورة وجودية في معادلة الأمن السيبراني، إذ تبدو بلاد العرب عمومًا، ولا سيَّما فلسطين ولبنان، مكشوفين أمام العدو الصهيوني القادر على إلحاق بالغ الخسائر والأضرار البشرية والاقتصادية بنا جميعًا، فإن المقاومين والنهضويين العرب مطالَبون أمام أنفسهم وأمتهم بأن يبادروا بلا إبطاء إلى كشف وتظهير المخاطر الشديدة الماثلة التي تحيق بأمنهم القومي نتيجةَ تفوّق العدو الصهيوني وقدرته على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة في هذا المجال، وخصوصًا تلك التي لا تقتصر قدرتها على الناحية العسكرية النارية فقط، بل تتعداها إلى ما هو أخطر كثيرًا: القدرة على قرصنة الدماغ، أيْ على ما يعرف علميًا بـِ Brainjacking وتنطوي على قدرة لمراقبة عمل الخلايا العصبية ومدى استجابتها للمؤثرات الحسيّة، بما يسمح بالتعرّف إلى السلوك البشري أو التنبؤ به عبر البيانات الي تجمعها أجهزة الذكاء الاصطناعي. وإذا تم اختراق هذه الأجهزة، سواء كانت خارجية أم مزروعة، ففي الإمكان حينها التحكم المباشر في أي من الأجهزة وبث نبضات عصبية تغيّر الحالة النفسية للشخص وتوجّه ردود أفعاله، وقد تدفعه إلى ارتكاب أفعال خطيرة أو في غير مصلحته.
لنتصوّر مثلًا أن العدو الصهيوني نجح في اختراق الأجهزة التي تراقب الخلايا العصبية لقائدٍ سياسي أو عسكري لبناني أو فلسطيني، ثم بث العدو نبضات عصبية تحمل القائد المستهدَف على تغيير حالته النفسية وتدفعه إلى ارتكاب فعل غير مقبول أو ضد مصلحته أو مصلحة بلاده، كأن يقوم بالاستسلام للعدو أو الاعتراف بدولته غير الشرعية. ألا يمثّل هذا الاحتمال الخطير حافزًا لنا للتعلّم والتمرّس بكيفية منعه؟
يقدّم الذكاء الاصطناعي إلينا الجواب الشافي. ذلك أنه يتيح للفرد، كما للجماعة، استخدام وسيلة القرصنة الدماغية التي أشرت إليها آنفًا بغية بث نبضات عصبية تحمل قيادة العدو على إجهاض وتعطيل فعل الاستسلام له أو الاعتراف بكيانه غير الشرعي.
لكن، ماذا لو امتنع قادة بلادنا، لسبب أو لآخر، عن التدخل لحمل قيادة العدو على بث نبضات عصبية تهدف إلى إلغاء أو وقف عملية إكراه عدوها (العربي) على الاستسلام؟
إلى ذلك، ثمة أسئلة أخرى طريفة تطرحها ظاهرة الذكاء الاصطناعي واستخدماته وتداعياته:
– ماذا لو تطورت تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى درجة تصنيع جنس آلي موازٍ للجنس البشري ومتصارع معه؟
– أيُ أيديولوجيات وسياسات سيعتمدها الجنس الآلي في صراعه مع الجنس البشري؟
– هل تندلع حرب بين الجنسين البشري والآلي يستخدمان فيها أسلحة متطورة ينطوي جميعها على تطبيقات من الذكاء الطبيعي والاصطناعي؟
يتحصّل من كل هذه الأسئلة والتحديات الخطيرة أن العرب ملزمون بالدفاع عن أنفسهم في كل الظروف، وأن الامتناع عن الدفاع عن النفس يمثّل نقصًا، بل نقيصة فاضحة، الأمر الذي يستوجب معالجةً جدّية وعميقة، أرى مباشرتها على الأسس الآتية:
أولًا، مبادرة القوى الوطنية النهضوية على الصعيدين القطري والقومي إلى تنظيم وتنسيق حملة توعية شاملة للشعب، مواطنين ومسؤولين، تشرح وتحدّد أصدقاءنا وأعداءنا، وكيفية التعاون مع الأصدقاء لمواجهة الأعداء في ضوء الظروف والتحديات الراهنة والبازغة.
ثانيًا، وجوب اكتناه واعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والفنية وفق جدول للحاجات والضروريات الأكثر أهمية وخطورة وجدوى.
ثالثًا، وجوب قيام الدول العربية والإسلامية والصديقة المؤيدة للمقاومة الفلسطينية، التي توصّلت إلى إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في أسلحتها المصنّعة أو المطورّة، بتزويد المقاومة الفلسطينية بهذه الأسلحة بغية اعتماد قواعد جديدة للاشتباك بينها وبين القوات الإسرائيلية وصولًا إلى تحقيق توازن في الردع حيالها.
رابعًا، عقد اتفاقات تعاون مشترك في ميادين الذكاء الاصطناعي بين الدول العربية والإسلامية والصديقة المؤيدة للمقاومة الفلسطينية، ثنائيًا فيما بينها، أو في إطار صيغةٍ عربية أو إقليمية أو دولية مناسبة.
خامسًا، السعي لإقامة وكالة دولية تابعة للأمم المتحدة مهمتها مراقبة كل وجوه استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف أنشطة الحياة العامة، وخصوصًا ما يتعلق منها بإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الأدمغة البشرية بغية التأثير والتغيير في تفكير البشر أو السيطرة والتحكم في الجنس البشري أفرادًا وجماعات، ومعاقبة المخالفين
أجل، لعل أخطر تحدٍّ يواجهه الجنس البشري، حاضرًا ومستقبلًا، هو احتمال أن يتفوّق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري، فيصبح مصير البشرية برُمَّتها أسير الصراع بين أجهزة وآليات الذكاء الاصطناعي نفسها المتفلّتة من رقابة قيادات الجنس البشري وسيطرتها أو بين آليات الذكاء الاصطناعي وقدرات الذكاء الطبيعي البشري.
لمن ستكون الغلبة؟
هذا هو سؤال الحاضر والمستقبل.
كتب ذات صلة:
المصادر:
هذه هي افتتاحية العدد 562 من مجلة المستقبل العربي لشهر كانون الأول/ديسمبر 2025.
عصام نعمان: محامٍ وكاتب وعضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية.
حقوق الصورة محفوظة لـ “غيتي ايميجز” Getty Images
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



