مقدمة

لقد أثّر التحوّل العالمي نحو السيارات الكهربائية بدرجة كبيرة في صناعة السيارات وتسبب في ضربة قوية للمنتجين النفطيين حول العالم. كان لهذا التحوُّل تأثير سلبي بخاصة على شركات النفط في بلدان الخليج، مثل السعودية والإمارات، حيث أدّى انخفاض مبيعات النفط وتراجع الأسعار إلى عواقب اقتصادية وخيمة. قبل اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015، كان الطلب العالمي على النفط قويًا، ولكن التحول نحو الطاقة النظيفة أثر سلبًا في هذه الدول التي تعتمد اقتصاداتها أكثر فأكثر على صادرات النفط الخام.

فبطارية من الليثيوم قد تكون سببًا في تفوق السيارة الكهربائية التي يتم شحنها من خلال محطات خاصة وبأسعار رمزية – رغم أن وقت الشحن قد يكون حتى اليوم أطول بساعات من وقت التزود بالوقود للسيارات التقليدية التي تعمل بالبترول – إلا أن ذلك لم يمنع الكثيرين من التوجه إلى السيارات الكهربائية لكونها تحسنت وتطورت بصورة عملية ومتقنة عن سابقاتها.

فمنذ عام 2015 تقريبًا بدأ عصر ازدهار بيع السيارات الكهربائية، حيث بيعت أكثر من مليون عربة كهربائية حينها لتكون بداية لصعود ناجح لفكرة حُجّمت سنوات طويلة بسبب عدة عوامل، أهمها:

– تدني أسعار النفط مقارنة بسعر توفير محركات كهربائية والبطاريات والاستثمار بها.

– عدم تهيئة العالم للتحول إلى العربات الكهربائية وذلك لكثرة الاهتمام بتصنيع السيارات التي تعتمد على الوقود الأحفوري.

– قوة لوبي السيارات الأمريكي الذي كان يمتنع عن فكرة التوجه إلى السيارات الكهربائية نظرًا إلى الأرباح التي كان يجنيها من خطوط الإنتاج للمحركات التي تعمل بالوقود، الأمر نفسه مع شركات السيارات الأوروبية وبالأخص الألمانية.

– قوة لوبي شركات النفط التي تتعاون دائمًا مع لوبي السيارات الأمريكية التي تقدم أسعارًا للنفط أرخص كثيرًا، ولا ترغب في الاستثمار في البحث عن بدائل، لكيلا تخسر ما تم تطويره من منشآت نفطية منتشرة لديها حول العالم.

– التوجه العالمي غير المهتم للبيئة والمناخ وذلك لعدم حصول ضرر حقيقي على البيئة في أوروبا وأمريكا بالتحديد، نظرًا إلى أن معظم الحفر والتنقيب يكون في دول خارج الاتحاد الأوروبي وأمريكا.

– تكميم أفواه نشطاء البيئة والحفاظ عليها وإبعادهم من الأضواء والإعلام بصورة ملحوظة، بسبب مطالباتهم الكثيرة بالتعويضات التي تثقل كاهل الشركات والدول.

انعكس هذا كله على ما تقدم ذكره منذ عام 2008 حينما بدأت الأسعار بالصعود التدريجي «انتقل سعر النفط من 36 دولارًا للبرميل في عام 2004 إلى 61 دولارًا في عام 2006 وإلى نحو 143 دولارًا نهاية يونيو/حزيران 2008»‏[1]، إلى جانب ظهور بوادر الأزمة المالية التي عصفت بالعالم وعلى رأسها أكبر مستورد للنفط وهي الولايات المتحدة الأمريكية خلال العام نفسه، ومن جهة أخرى بدأت الأصوات تعلو لدى الدول المستهلكة للنفط أنه قد حان الوقت – بسبب هذا الانفلات في الأسعار – للبحث عن موارد أخرى للطاقة بديلة بسعر أقل وجودة أفضل، لذا تم تفعيل الكثير من المبادرات التي كانت سابقًا قيد التقييد أو التي لم يكن لها أولوية كالاتفاقيات الدولية التي ترسخ مفهوم الاهتمام بالمناخ والبيئة، وتم ضخ الأموال في الأبحاث والدراسات التي تعزز مفهوم البحث عن حلول للطاقة تكون نظيفة وفعالة على المستوى الطويل لا على نحوٍ مؤقت – أي متجددة، وهذا ما حدث بالفعل.

يدور موضوع الدراسة حول البحث في الحلول التي وضعتها بلدان مجلس التعاون لبلدان الخليج العربية لكي تحافظ على استقرارها السياسي والاقتصادي، وبخاصة مع المتغيرات التي طرأت على التوجهات العالمية بعد الدعوات إلى الحفاظ على المناخ وتقليل نسبة الانبعاثات الكربونية، منذ توقيع معظم دول العالم على اتفاقية باريس سنة 2015، التي أدخلت نوعًا من المحاسبة العالمية للدول غير الملتزمة باستقرار أو خفض نسبة الكربون، التي تؤثر في كوكب الأرض كونها مصدرًا للتلوث. وعليه كان التوجه بالبدء بأكثر الوسائل التي يعتمد عليها معظم البشر وهي العربة، لتغيير نمطها من كونها تعمل بالوقود الأحفوري إلى الكهرباء، والتي ستكون بداية إلى توجه شامل يعني بالتخلص التام من الوقود الأحفوري بحسب الخطة الأوروبية في عام 2030 أو قبلها، وهو ما انعكس على بلدان الخليج التي بدأت بالبحث هي أيضًا عن البدائل في محاولة لتدارك هذا التوجه الذي يمسها سياسيًا واقتصاديًا أمام المجتمع الدولي.

تنطلق الدراسة من إشكالية التداعيات السياسية والاقتصادية للتحوُّل العالمي نحو السيارات الكهربائية، مع التركيز على مناطق مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتحليل تأثيره في بلدان الخليج المنتجة للنفط. كما تستكشف الدراسة كيف تسعى هذه الدول إلى إيجاد حلول بديلة ومستدامة للتحضير لمستقبل ما بعد النفط، في ظل الجهود الدولية الرامية إلى تقليل واردات النفط.

يجيب البحث عن التساؤلات الآتية:

– هل أصبح من الضروري على بلدان الخليج للحفاظ على دورها السياسي والاقتصادي العالمي البحث عن البديل اللازم لتغذية العالم بطاقة أخرى غير النفط؟

– لماذا كانت اتفاقية باريس الفيصل في التأثير على بلدان الخليج المنتجة للنفط؟

– من المستفيد الأول من تقليص الدور السياسي لبلدان الخليج في المنطقة وإضعافها من ناحية اقتصادية؟

– هل أوروبا فعلًا جاهزة للحفاظ أصلًا على المناخ والتأقلم مع فكرة السيارات الكهربائية؟

– هل العالم اليوم منسجم مع فكرة السيارات الكهربائية؟ أم أنها مجرد ضغوط سياسية للضغط على بلدان الخليج المنتجة للنفط لخفض أسعار النفط؟

تم وضع حدود الدراسة بما يتوافق مع فكرة انتعاش مبيعات السيارات الكهربائية أي منذ اجتماع الدول واجماعهم حول اتفاقية باريس المعنية بالمناخ أي منذ عام 2015 من دون إغفال الخلفية التاريخية السابقة التي يحتاج إليها القارئ لفهم فكرة الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة أو الطاقة الكهربائية.

تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:

– محاولة لتوضيح فكرة القلق المتكرر لدى بلدان الخليج من المتغيرات السياسية والاقتصادية المتشابكة وتوضيح دور الولايات المتحدة الأمريكية عليها.

– شرح المشهد السياسي وفكرة غضب المجتمعات العالمية من ارتفاع أسعار الطاقة وأثر ذلك فيهم، وبخاصة أنها قد تكون سببًا رئيسيًا في توجيه الكثير إلى الاقتناع بأن السيارات الكهربائية حل حقيقي ويلامس الواقع.

– معرفة الانعكاسات التي قد تحدث على طبيعة هذا الانتقال على المستويين الخليجي والدولي وما يتبعه من مشهد سياسي عام.

– التعرُّف إلى الحدود والمدة الزمنية التي من الممكن تطبيق الانتقال إليها، وهل فعلًا بالإمكان تطبيق ذلك.

– التشديد على جدية التحوُّل إلى الطاقة النظيفة ومتطلبات تلك الجدية، وبخاصة أن أوروبا بوجه عام على وجه الخصوص من أكثر الدول إلحاحًا بذلك، إلا انها في الوقت نفسه لا تمتثل لما تطالب به ووضح الأمر بصورة حقيقية أثناء الحرب الروسية – الأوكرانية.

– وهل تكنولوجيا السيارات الكهربائية وبنيتها التحتية جاهزة في العالم ككل؟ أم أن الأمر قد يستغرق سنوات أطول من الجدول الزمني الذي تم إقراره لها.

تعتمد الدراسة المنهج التاريخي؛ فلقد تم الاعتماد على الكثير من المراحل الزمنية والتسلسل الزمني في الانتقال ما بين الاحداث التاريخية التي حدثت قبل توقيع اتفاقية باريس وبعده.

– المنهج الوصفي: تعدّ هذه الدراسة وصفية حيث تتحدث عن الجوانب السياسية والاقتصادية وتصف الحالة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 554 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 554 نيسان/أبريل 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 554 في نيسان/أبريل 2025.

حسين أحمد البوحليقة: باحث دكتوراه في العلوم السياسية، جامعة بيروت العربية.

[1] صباح نعوش، «ارتفاع أسعار النفط.. الأسباب والتداعيات،» الجزيرة نت، 30 حزيران/يونيو 2008، <https://bit.ly/42M75t4> (شوهد في 1 كانون الثاني/يناير 2024).

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز