أولًا: معطيات مفاهيمية ومؤشرات ميدانية

هناك من يُرجع أسباب النزاعات في البلدان النامية، وبخاصة الأفريقية، إلى العلاقات القائمة على الروابط التقليدية والعصبية والقبلية، ففيها ينزع الأفراد والجماعات إلى محاباة تضامن القرابة على حساب الولاء للكيانات المفترض أنها أكثر استجابة من الناحية المدنية والاقتصادية لمتطلبات العالم المعاصر كالدولة الأمة. وقد أيقنت الأنثروبولوجيا الوظيفية التي هي وريثة أعمال السوسيولوجي إميل دوركايم التعارض بين القبيلة والدولة بل أبرزته في بعض النواحي‏[1].

سيؤدي الجوار السكني في حالة الخوف، من ناحية التجاور الجغرافي، دورًا كبيرًا في الإبقاء اليقظ أو الإذكاء السريع للعصبية، تلك القوة شبه البيولوجية أو شبه الغريزية؛ فالعصبية لا تنتج من قصد مبيَّت، ولا تتأتى من التزام أو شراكة، ولا من عقد اجتماعي، فهي مجرَّد امتداد طبيعي لداعي البقاء لدى نوع معين لا يمكن أن يستمر من دون تضامن، غير أن الروابط الجوارية التقليدية ثبت عجزها عن الدفع بدول أفريقيا تحديدًا في سلم التنمية بل كانت أسبابًا مباشرة في إطالة عمر الأزمات واستدامتها.

تتمظهر مفاهيم القرب في أدبيات الأنظمة السياسية العالمية تحديدًا، وفي أحيان كثيرة توظف بصورة علاقات زبونية فجة في مواعيد السياسة الانتخابية للأسف الشديد.

عاشت الجزائر مواعيد انتخابية متباينة منذ الحراك السياسي الأصيل سنة 2019 بحسب التسمية الدستورية، بحيث تغيرت مفاهيم القرب والتجاور في المسيرات الأسبوعية كل جمعة. لقد ألغت المطالب مفاهيم الجغرافيا الوطنية الكلاسيكية بين الشمال والجنوب، لأن طبيعة المطالب تؤسس لعقد مدني رغم أن زخم المسيرات اختلف بحسب المناطق شمالًا وجنوبًا شرقًا وغربًا.

لقد برز مفهوم القرب من المركز، بحسب تعبير رواد التنمية السياسية، وارتبط بالعلاقة مع التحديث، بحيث تجلت المسيرات والمطالبات على نحوٍ أقوى وأمتن وأكثر جلاءً في حين انعكس مفاهيم البعد على طبيعة المطالب، حيث إن المطلب الأكبر، واليافطة الأكثر جلاءً، هما إزالة رموز بوتفليقة وتغيير الخارطة السياسية بصورة مطلقة.

لقد تجلت مظاهر ما يسميه السوسيولوجي المنصف ونَّاس الشخصية الجغرافية والشخصية القاعدية، إذ إن الجغرافيا والتاريخ يساهمان في ضبط معيشة الأفراد وتحديد توجهاتهم وإنتاج العلاقات فيما بينهم، وبالتالي تكوين الخصائص الكبرى للمجتمع وطبيعة المطالب. ولأن المجتمع الجزائري مجتمع أزمات من الأساس في التاريخ السياسي المعاصر فهو مجتمع يتميز بسلوك سياسي هُشمت سويته على مراحل وعقود بسبب سيطرة الفساد وسطوة الدكتاتورية المقنَّعة بغطاء ديمقراطية شبيهة.

تميَّزت المدن الكبرى بعلاقات دولية مدنية في حين تميَّزت المدن الداخلية الصحراوية بمفاهيم منكفئة على نفسها ومرتبطة بالعمود الفقري لعلاقات الجوار والتديُّن والركون إلى الدعة والسكون، ومن ثم ظهرت الزبونية المالية في المدن الكبرى، والزبونية العشائرية بنوعها الأكثر بروزًا في المدن الداخلية، وهو ما انعكس على طبيعة المخرجات الانتخابية، والنتائج التفصيلية تؤكد ذلك، فعادة ما توصف المدن بكونها خزانًا للأصوات الانتخابية الموالية في حين تعرف مناطق الشمال سلوكًا انتخابيًا متأرجحًا بين العزوف والمقاطعة والتصويت بـ لا. (انظر الملحق الخاص بنتائج انتخابات الولايات).

إن الزبونية، أو الشللية، استراتيجية ظرفية ومتغيرة تنبني على عدد محدود من الأفراد الذين تربطهم علاقات القرابة أو الجهة أو العائلة أو القبيلة، وذلك من أجل تحصيل مكاسب معينة.

إنها نوع من أنواع رأس المال اللاشكلي وهي ظاهرة تزحف على المجتمع القروي أو الحضري على السواء وتبرز إلى السطح في كل موعد انتخابي، وقد يلجأ المشرع إلى الاستقواء بها لضمان استمرارية صموده في وجه أعاصير مطالب التغيير.

وظف بوتفليقة علاقات الجوار والقرب على نحو مثّل نهاية له مستقبلًا، إذ كانت قريته الصغيرة التي ينتمي إليها خلال مرحلة حكمه هي قلعة الحكم وإصدار القرارات المصيرية في وزارة العدل والقضاء والإعلام والداخلية والاقتصاد. وقد مثَّلت إطارات ولاية تلمسان، وتحديدًا قرية بوتفليقة – مسيردة – نواة صناعة القرار، فكانت هي الأصل، والبقيةُ الاستثناء. ومن الوجوه البارزة التي حكمت على مدى عقدين من الزمان وزراء مثل الطيب لوح والهامل وبلعيز والأخوة كونناف، وهؤلاء جميعًا شكَّلوا مع مرور الوقت أوليغارشيا سياسوية ومالية في آن واحد، وجلهم ينتمون إلى المنطقة الجغرافية الضيقة نفسها.

لقد كان من نتيجة هذا السلوك الذي انتهجته إدارة بوتفليقة إحساسٌ بالشعور بالإحباط من الإدارة والحكومات التي لا تشجع الكفاءات وتعطي الأولوية للمنطقة ومنطق القرابة الضيِّق. وقد انتشر هذا الفكر الشللي في بقايا الإدارات التنفيذية وصولًا إلى المؤسسات البحثية التي استطاع هذا المنطق الضيق تطويقها بحيث سيطرت قيم وانتماءات ما قبل حداثية.

لقد انتشر في عهد بوتفليقة ما يسميه الوالي السابق بشير فريك «جهوَنة» الحكومات والمناصب الحساسة وعدّها من المآخذ الكبرى التي ستبقى راسخة في الذاكرة حول نظام حكم بوتفليقة، واعتماده أسلوب الجهوية بصورة مفضوحة ومبالغ فيها بإسناد المسؤوليات والتعيينات في المناصب الحكومية أو في المؤسسات السيادية الحساسة في الدولة، سواءٌ كانت أمنية أو سياسية أو إدارية وحتى اقتصادية، إلى المقربين جهويًا؛ فقد استحوذت ولاية تلمسان وحدها على 12 حقيبة وزارية من الوزارات الاستراتيجية الحساسة والسيادية، أما الحقائب الوزارية الأخرى فأُسندت إلى جماعة الكوتا السياسية وأحزاب التآلف الرئاسي في أغلب الحالات وصولًا إلى مدير التشريفات، مختار رقيق، الذي خرج من الرئاسة وهو من كبار الأثرياء‏[2]؟

أنتجت مرحلة بوتفليقة شخصية تهرُّبية والتفافيَّة، تحاول التمظهر بمظاهر الوطنية، لكنها براغماتية ونفعية بالأساس، وقد انسحبت هذه المظاهر بقوة في الركح السياسي، وتحديدًا في البرلمان الذي لم تطأه أقدام بوتفليقة نهائيًا؛ فقد ترأست المؤسسة البرلمانية شخصيات تتمتع بالنفوذ المالي على غرار السادة الجميعي وطليبة وسعيداني، وهذه الشخصيات بعضها يقضي محكوميته في السجن، وبعضها هارب خارج القطر، وبعضها انتهت مدة محكوميته.

إنها مظاهر غريبة للقرب الذي يتخذ أبعادًا غريبة في المخيال السياسي والممارسة السياسية، فقد سيطرت على النفوذ المالي لبعض الولايات الجزائرية شخصيات سياسية لا تنتمي إليها جغرافيًا ولكنها تتحكم فيها ماليًا، وهذا ملمح لوحظ في ولايات الشرق مثل عنابة وغيرها.

لقد شكلت عدة ولايات في الجزائر نموذجًا جليًا للزبونية السياسية التي تبنى على مقايضة الولاء والدعم في الانتخابات والمناسبات السياسية بامتيازات متنوعة لا تكون غالبًا مبررة، ولكن مع ذلك يظل المفهوم متعددًا في دلالاته وفي ممارساته، وقد تجلَّى في كثير من الولايات الجنوبية الداخلية بروز فئات من الساسة أنصاف الأميين من الذين استطاعوا أن يشوهوا الحياة السياسية باستحواذهم على مقاعد البرلمان موظِّفين علاقات القرب والجوار بحكم امتداداتهم القبلية الواسعة، وتمتُّعهم بسطوة المال الفاسد الناجم عن القروض المالية التي تأنف المجتمعات الداخلية على التعاطي بها بحكم درجة التديُّن المرتفعة؛ فتجد هذه الطبقات الفاسدة السياسية الجديدة ملجأً للبروز والتحكم في مفاصل الحياة وصناعة القرار السياسي والمالي. وكثير من الولاة لم يستطيعوا أن يتخذوا قرارات ضد بعض الساسة رغم الجرائم التي ارتكبوها.

ترتبط علاقات الجوار في المدن الداخلية والرعوية بالمال والسياسة، مثل الأغواط ورقلة الجلفة البيض، التي استطاعت أن تستحوذ على قرارها السياسي والحزبي شخصيات معروفة لدى الجميع، وبعضها تَسمى بأسماء مستعارة لها علاقة بسلطة المال‏[3].

من وجهة نظر سوسيولوجية يبرِّر بعض الباحثين لجوء الجزائري إلى علاقات الترابط العشائري الضيق، وبخاصة في سنوات التسعينيات وما بعدها، إلى تبنّي الحلول الشخصية كخيار وحيد بعد اقتناعهم بصعوبة المراهنة على الحلول الجماعية، وبخاصة بعد سنوات الإرهاب دفعت على الأقل جيلين إلى التحفظ عن بناء علاقات اجتماعية والانغلاق على الذات والاكتفاء بعلاقات محدودة جدًا وسطحية، واستعادة فكرة المغامرة في علاقات جديدة تعني بالضرورة استبعاد العمل الجماعي لإنتاج حلول جماعية للأزمات التي يعانيها المجتمع. هذا المعنى في جزء منه محرِّك لثقافة المواطنة ما دمنا نعتمد على الشراكة للتعايش في الوطن نفسه ونتقاسم المهمَّات والأدوار لترقية الوطن والحفاظ عليه، فكيف يمكن إيجاد ثقافة مواطنة بلا مواطن والاقتصار على وجود مجموعة من الأفراد في حيِّز جغرافي مشترك؟ وكلما زاد التوجه نحو الحلول الفردية على حساب الحلول الجماعية تسببت الفردانية في تعطيل المصلحة العامة، وكلما ارتفع منسوب البيروقراطية تراجع الشعور بالمواطنة وارتفع منسوب اليأس والشعور بالعجز عن القدرة على تغيير الأمور ليلتفت الأفراد مرة أخرى من جديد حول بناهم التقليدية وانتماءاتهم العروشية والجهوية على حساب انتمائهم إلى الوطن.

هذه المؤشرات تؤثر مباشرة في السلوك الانتخابي؛ فالعملية الانتخابية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمجال الجغرافي والترابي. وتشير الإحصاءات إلى أنه كلما كان المجال الترابي أقرب إلى المجال القروي كان تأثيره في السلوك الانتخابي أكبر، وكلما كان المجال أقرب إلى الحضري دخلت محددات أخرى في التأثير؛ ففي المدينة تضمحل معاني العصبية وأشكالها وينخفض الولاء المحلي بانخفاض التضامن الآلي والضمير الجمعي ليحل محله التضامن العضوي والفردانية‏[4].

هذا ما نسجله في المدن الداخلية حيث تتوطد أواصر العصبية بينما تضمحل في ولايات الشمال الجزائري والمدن الكبرى، غير أن مناطق القبايل الكبرى تبقى محافظة على خصوصياتها في أشكال التضامن والتواصل والسلوك الانتخابي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 554 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 554 نيسان/أبريل 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 554 في نيسان/أبريل 2025.

بوحنية قوي: أستاذ العلوم السياسية، مدير مشروع الحكامة والمواطنة
في ظل السياسات التنموية الجديدة، جامعة ورقلة – الجزائر.

[1] للاستزادة أكثر، انظر: عبد الودود ولد الشيخ، القبيلة والدولة في أفريقيا، ترجمة محمد بابا ولد أشفغ (بيروت: الدار العربية للعلوم – ناشرون؛ الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2013)، ص 13.

[2] بشير فريك، حكم بوتفليقة: جنون أم خيانة؟، ط 2 (الجزائر: دار الأمة، 2019)، ص 223 وما بعدها.

[3] المنصف وناس، الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2011).

[4] نور الدين بكيس ونوال رزقي، كيف تصبح مواطنًا سيئًا في الجزائر؟ (الجزائر: دار سارة للنشر، 2018)، ص 161.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز