مقدمة

تطرح هذه المقالة موضوعًا جديدًا لا نعرف إذا كان قد تمّ التطرق إليه من قبلُ بالصيغة التي تقدمها هذه الصفحات. إنها ظاهرة العلمانية المغشوشة في تونس والمغرب والجزائر. تُبيّن مقولة هذا البحث أن العلمانية في مجتمعات المغرب العربي هي علمانية مشوَّهة ومغشوشة لأنها منحرفة عن الأصل ومشوِّهة له. دعنا، إذًا، نتعرف على أصل معنى العلمانية في الغرب لنتمكّن لاحقًا من المقارنة بينها وبين معالم العلمانية اليوم في تلك المجتمعات لنرى قوة أو ضعف مشروعية تسمية علمانية هذه الشعوب بأنها مغشوشة، ومن ثَم فهي تدعو في عجالة عاقلة إلى الفهم والتفسير أولًا، ثُم إلى إصلاح ذات البين ثانيًا مع هذه العلمانية، لكي تتحول إلى علمانية سليمة تنسجم مع الهوية الثقافية للشعوب المغاربية.

أولًا: أضواء على فكرة العلمانية العادية

تدلّ مفردة العلمانية على عملية انحسار تأثير الدين في سلوكيات الأفراد وحركية المجتمعات. فالكلمة الإنكليزية Secularisation تطلق على العلمانية.

انتشرت العلمانية في المجتمعات الغربية المعاصرة الأمر الذي أثر أيضًا في سلوكيات أفراد وبنى مجتمعات العالم الثالث. وهو سلوك وليد لعلاقة الغالب بالمغلوب كما أكد ابن خلدون «في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»‏[1]. فعلى سبيل المثال، وقع طلاق كامل بين الدين والعلم في المجتمعات الغربية منذ عصر النهضة. فحدث تقليد هذا الأمر بطريقة واسعة من طرف علماء ومفكري نخب المجتمعات النامية. تضرر البعد الديني عموديًّا لدى نخب العلماء والمفكرين ثم أفقيا لدى عامة الناس في المجتمعات الغربية الحديثة. ويجوز وصف انحسار البعد الديني بأنه ضرب من التصدع في منظومة الهويات التي تتكوّن من مجموعة من العناصر الثقافية وفي طليعتها اللغات والديانات. فتهميش البعد الديني يعني وجود تصدع في نصف منظومة هويات الأفراد والمجتمعات نظرًا إلى أن الأديان واللغات هي المقومات الرئيسية‏[2] لميلاد الهويات.

1 – العلمانية ذات البعد الواحد

أما لغات المجتمعات الغربية فلم يقع تهميشها بين أفرادها ومؤسساتها. فالألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية بقت اللغات الأولى في الاستعمال بين المواطنين وفي المؤسسات في تلك المجتمعات الأوروبية. ولا تقتصر مكانة تلك اللغات على مجرد الاستعمال الشامل والكامل لهذه اللغات. بل توجد علاقات نفسية حميمة بين مواطني ومؤسسات تلك المجتمعات ولغاتها الوطنية. إذ إن وجود علاقة سليمة للغات في مجتمعاتها يشمل جبهتين: الاستعمال الشامل والكامل للغات الوطنية في كل أنشطة تلك المجتمعات، من جهة، وحضور مواقف نفسية قوية تدافع وتتحمس وتغار على اللغات الوطنية، من جهة أخرى. وهكذا يتبين أن العلمانية تمسّ في المجتمعات الغربية الحديثة قطب الدين المسيحي بفروعه المختلفة. أما التصدع في قطب اللغات الوطنية فهو مفقود على مستويين: عدم الاستعمال الكامل والشامل وضعف الشعور النفسي لدى الخاصة والعامة نحو اللغات الوطنية.

2 – معاني المفهوم

العلمانية إذًا، هي مفهوم فكري يساعد على الفهم والتفسير لكثير من الظواهر والقضايا في المجتمعات، نستعمله هنا لدراسة ثلاثة مجتمعات من المغرب العربي: الجزائر والمغرب وتونس. ومن المناسب منهجيًّا التوقف عند المعاني والدلالات المتعددة التي تقترن بكلمة مفهوم concept. فالبعض يرى أن هذا الأخير هو عبارة عن فكرة مجردة أو مفهوم عام مثل مفهوم فكرة التطور‏[3]. وهناك من يعدّ المفهوم أداة فكرية تسمح بإدراك العلاقات الموجودة بين بعض الظواهر. فمثلًا، القرد الذي تعلم إطفاء النار في المنزل بواسطة ماء الحنفية ولكنه لم يستعمل ماء البحيرة للقيام بالشيء نفسه، فإنه يُنظر إليه على أنه لم يستوعب مفهوم الماء بصفة عامة وعلاقته بإطفاء النار‏[4]. ويذهب البعض الآخر إلى حسبان المفاهيم نوعًا من المادة الغروية الذهنية التي تربط تجاربنا الماضية بتفاعلاتنا الحاضرة مع العالم، إذ إن المفاهيم نفسها مرتبطة ببنى معارفنا الرحبة‏[5]. ونختم هذه التعريفات لمصطلح المفهوم بما جاء في موسوعة علم الاجتماع حول هذا الموضوع. تقول هذه الموسوعة إن المفهوم يشير إما إلى علاقات الأشياء أو إلى وصف خاصياتها. إن المفاهيم ليست أقوالًا جازمة، ومن ثم فهي لا تتصف لا بالصواب ولا بالبطلان. فمن جهة، تعطي المفاهيم بكل بساطة مجموعة من المفردات اللغوية تحتاج إليها نظرية ما. كما تحدد المفاهيم، من جهة ثانية، موضوع البحث نفسه. وعندما تترابط المفاهيم في إطار ما يكون ذلك إشارة إلى بداية ميلاد نظرية‏[6]. ولعل هذا التعريف السوسيولوجي للمفهوم هو الذي سوف تتجلى معالمه أكثر في متن هذه الدراسة.

3 – معالم تشوُّه العلمانية في المغرب العربي

يمكن الحديث عن تشوّه مفهوم وممارسة العلمانية في المجتمع التونسي ونظيرَيْه المغربي والجزائري من خلال مؤشرَيْن رئيسيَّين نسميهما التصدع اللغوي والتصدع الديني كما سنبيّن ذلك. تكفي هنا الإشارة إلى بعض الملامح العامة التي تشوّه معنى العلمانية في تلك المجتمعات. على سبيل المثال، مقارنةً بمفهوم العلمانية ذات البعد الواحد في المجتمعات الغربية كما رأينا، فإن النخب المغاربية ومجتمعاتها تتبنى علمانية ذات بعدين. فبينما حصرت وتحصر النخب الغربية ومجتمعاتها تعاملها مع العلمانية في تهميش دور الدين في حياة الأفراد والمجتمعات، جنحت وتجنح النخب المغاربية ومجتمعاتها إلى تهميش كل من الدين الإسلامي واللغة العربية من حياة الناس الشخصية والحياة الاجتماعية. وهكذا، فيجوز القول إن تقليد تلك النخب ومجتمعاتها للعلمانية الغربية هي عملية مغشوشة وفي أحسن الأحوال منحرفة أو مشوَّهة. إذ إن تلك النخب ومجتمعاتها انحرفت وتنحرف عن المثال الأصلي الغربي للعلمانية الذي يهمش الدين فقط، بينما أضافت تلك النخب المغاربية عملية التهميش أيضًا إلى لغتها العربية.

وعلى مستوى ثان، يتمثل الغش كذلك في فشل تلك النخب ومجتمعاتها في الوفاء لأخلاقيات المناداة بقيم المجتمع المدني التي طالما تفتخر بالمناداة بها. فالعناية باللغة العربية وحمايتها وإعطائها المكانة الأولى كلغة وطنية مطلب مدني في مجتمعات تقول إن العربية هي لغتها الوطنية الأولى. ومن ثمّ، يُعَدّ تهميشُها سلوكا يتصف بكثير من الغش وفقًا لأخلاقيات المجتمع المدني. وبالتأكيد إن ممارسة العلمانية المغشوشة لدى تلك النخب ومجتمعاتها ذات جذور استعمارية أحدثت نوعين من التصدع في هوية النخب المغاربية ومجتمعاتها أدّيا إلى ميلاد علمانية مغشوشة تهاجم ليس الجانب الديني فقط من هوية الشعوب المغاربية وإنما تنقَضُ أيضًا وربما بأكثر قوةً على الجانب اللغوي لمنظومة الهوية العربية الإسلامية في بلدان المغرب العربي. فلهذه العلمانية المغشوشة آثار سلبية كذلك على ممارسة الديمقراطية. تتنكر معظم النخب السياسية والثقافية المغاربية للسماح للإسلام السياسي بالحضور والمشاركة في حركة مسيرة الشعوب المغاربية. أي أن تلك النخب تبنت، وتتبنى، إقصاء الإسلاميين لا احتضانهم داخل مجتمعاتها للعمل معًا وبتساوٍ لمصلحة المواطَنة الكاملة والعدالة الاجتماعية المنصفة بين جميع المواطنين. ترفض كل من مبادئ الديمقراطية والإسلام مثل ذلك السلوك الشائع لدى الكثيرين من أصحاب العلمانية المغشوشة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 558 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 558 آب/أغسطس 2025

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 558 في آب/ أغسطس 2025.

محمود الذوادي: عالم الاجتماع – تونس.

[1] أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993)، ص 116.

[2]   Peter Kivisto, Multiculturalism in a Global Society (Malden, MA: Blackwell, 2002), p. 14.

[3] Judy Pearsall and Bill Trumble, eds., Oxford English Reference Dictionary (Oxford: Oxford University Press, 1995), pp. 298-299.

[4]   Norbert Sillamy, Dictionnaire de Psychologie (Paris: Editions Larousse, 1998), p. 63.

[5]   Gregory L. Murphy, The Big Book of Concepts (Cambridge, MA: The MIT Press, 2004), p. 1.

[6] Encyclopedia of Sociology (Guilford, Connecticut: The Dushkin Publishing Group, Inc., 1974), p. 55.


بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز