تعيش المنطقة العربيّة والإقليم الشرق الأوسطي في العقود الأخيرة تحوّلاتٍ جذريّةً، تجمع بين أبعادٍ جيوسياسيّةٍ وأخرى قيميّةٍ وأخلاقيّةٍ. فالتّغيُّرات المتسارعة في موازين القوّة والعلاقات الدّوليّة أدّت إلى إعادة تكوين المشاهد السّياسيّة والمجتمعيّة، وهو ما جعل هذا الفضاء مسرحًا لصراعاتٍ بين منطق «الشّرعيّة الدّوليّة» كمرجعٍ مؤسّسيٍّ وقانونيٍّ، ومنطق «المشروعيّة الإنسانيّة» كمرجعٍ أخلاقيٍّ وقيميٍّ.
هذه الجدليّة ليست مجرّد إطارٍ نظريٍّ، بل هي حاضرةٌ في كلّ تفاعلٍ إقليميٍّ أو دوليٍّ، إذ يظهر التّوتّر بين ما تلزم به النّصوص القانونيّة وما تحتّمه الحاجات الإنسانيّة والمطالب الأخلاقيّة. وإذ يسعى هذا البحث إلى التّعامل مع هذه الإشكاليّة، فإنّه يركّز على دراسة الخطابات السّياسيّة المعلنة والمضمرة لبعض زعماء المنطقة، استجلاءً لمدى تأثير هذه الجدليّة على صنع القرار السّياسيّ وعلى تحديد مسارات المستقبل الإقليميّ.
تتبلور إشكاليّة هذا البحث في رصد الأبعاد المتداخلة لمفهوم الشّرعيّة الدّوليّة وصِلته المباشرة بالاستقرار والتّنمية في الشّرق الأوسط، إذ يواجه هذا الإقليم منذ عقود تحدّيات متشابكة تراوح بين الأزمات السّياسيّة والصّراعات العسكريّة والتّدخلات الخارجيّة. ولعلّ السّؤال المركزي الذي يطرحه هذا البحث يكمن في مدى قدرة الشّرعيّة الدّوليّة على الاستجابة لحاجات المنطقة في تحقيق الاستقرار الشّامل والتّنمية المستدامة، وذلك في ظلّ مطالب إنسانيّة مشروعة تتجاوز في معظم الأحيان الإطار القانونيّ الصّارم للمنظومة الدّوليّة. تزداد هذه الإشكاليّة عمقًا حين يلاحظ كيف يعمد بعض الفاعلين السّياسيين إلى استثمار مفاهيم الشّرعيّة والمشروعيّة الإنسانيّة في خطابهم السّياسي، بما يخدم أهدافًا متباينة، قد تكون علنيّةً في بعض الحالات أو ضمنيّة في حالات أخرى، وهو ما يطرح تساؤلات عن مدى أصالة هذا التّوظيف وحدود تأثيره في صنع القرار والسّياسات العامّة.
تنبع أهميّة هذا البحث من كونه يسعى إلى تقديم قراءة نقديّة معمّقة لطبيعة العلاقة بين الشّرعيّة الدّوليّة والمشروعيّة الإنسانيّة، وما يترتّب عن هذا التّفاعل من انعكاسات على السّياسات الإقليميّة في الشّرق الأوسط. فالمسألة لا تقتصر على تحليل قانوني ضيّق بل تتجاوز ذلك إلى تفكيك آليّات التّوظيف السّياسي للمفاهيم الدّوليّة والإنسانيّة داخل خطابات الزّعماء المحلّيين والإقليميين، وهو ما يمكن أن يساعد على فهم البنية العميقة للصّراعات القائمة واقتراح توصيّات عمليّة قابلة للتّنفيذ تسهم في تعزيز السّلام والاستقرار، عبر مقاربة تسعى إلى الجمع بين مقتضيات الشّرعيّة القانونيّة ومطالب المشروعيّة الإنسانيّة، على نحو يفتح المجال أمام حلول أكثر توازنًا وشموليّة.
تكمن أهداف البحث في جملة من المرتكزات التي تتوزّع بين التّحليل النّقدي والفهم التّفسيري والتّأسيس الاقتراحي. فمن جهة أولى، يسعى البحث إلى تحليل الخطاب السّياسي المعلن والمضمر لدى عدد من الزّعماء الفاعلين في الشّرق الأوسط، عبر تفكيك البنى الرّمزيّة واللّغويّة التي يعتمدونها في تبرير سياساتهم أو الدّفاع عن مواقفهم أمام المجتمع الدّولي أو شعوبهم، ومن جهة ثانية يهدف البحث إلى إبراز أثر التّحوّلات القيميّة والسّياسيّة في المنطقة في إعادة تكوين مفهوم الشّرعيّة، إذ أصبح هذا المفهوم رهينًا بالتّوازنات المتغيّرة التي تحكم علاقة القوى المحلّيّة بالقوى الإقليميّة والدّوليّة، ومن جهة ثالثة يتطلّع البحث إلى بناء فهم أعمق لطبيعة العلاقة التّفاعليّة بين الشّرعيّة الدّوليّة والمشروعيّة الإنسانيّة في سياق صوغ السّياسات الإقليميّة، وما يترتّب عن هذه العلاقة من إمكانات وفرص أو من قيود وتحدّيات، ويقترح البحث إمكان صوغ ميثاق إقليمي أو إطار معياري يمكن اعتماده في حالات النّزاع والتّفاوض، بما يوفّر أرضًا مشتركة بين الأطراف المتنازعة ويضمن في الوقت نفسه الحدّ الأدنى من مطالب الشّرعيّة والمشروعيّة.
يستند البحث من النّاحية النّظريّة إلى جملة من الأطر الفكريّة التي تسمح بإضاءة جوانب الموضوع. فمن بين هذه الأطر نظريّة الشّرعيّة السّياسيّة التي تدرس العلاقة بين السّلطة والقانون، وكيف يمكن المعايير الحقوقيّة أن تتحوّل إلى أداة لتقويم الممارسات السّياسيّة وتحديد مدى انسجامها مع المبادئ الإنسانيّة. وتساعد هذه النّظريّة على فهم المفارقة القائمة بين ما يعَدّ قانونيّا في النّظام الدّولي وبين ما يعَدّ مشروعًا في الوجدان الإنساني. يعتمد البحث على مقاربات تحليل الخطاب السّياسي التي تهتمّ بدراسة كيفيّة بناء المعاني وإنتاج الرّموز وتوجيه الرّأي العام من خلال استراتيجيّات لغويّة ورمزيّة، وهو ما يفتح المجال أمام الكشف عن الانزياحات المقصودة أو التّوظيفات الأيديولوجيّة لمفاهيم الشّرعيّة والمشروعيّة، ويستند كذلك إلى نظريّة الحقوق الإنسانيّة التي تركّز على القيم العالميّة والمبادئ الأخلاقيّة التي تتجاوز القوانين الوضعيّة، وهو ما يضع الشّرعيّة الدّوليّة أمام اختبار صعب حين تتعارض مقتضياتها مع المطالب الإنسانيّة الملحّة.
يتبنّى البحث مقاربةً نوعيّة تحليليّة تقوم على دراسة متعمّقة لعدد من النّماذج الممثّلة للخطابات الرّسميّة والتّصريحات الإعلاميّة الصّادرة من زعماء سياسيين في الشّرق الأوسط، وذلك قصدَ الوقوف على مدى انسجامها مع الواقع الميداني وقدرتها على التّأثير في مسار الأحداث. يعتمد الباحث على أدوات التّحليل الخطابي للكشف عن الأبعاد الرّمزيّة والباطنة للخطاب السّياسي، من خلال التّركيز على المفردات المتكرّرة، والاستعارات المستعملة، وبناء الصّور الذّهنيّة التي يراد ترسيخها في أذهان المتلقّين.
يكشف التّعمّق في هذه الجوانب أنّ الشّرعيّة الدّوليّة ليست مفهومًا محايدًا، بل هي إطار تتنازعه قوى متعدّدة تسعى إلى إعادة تعريفه وتوجيهه بما يخدم مصالحها، وفي الوقت نفسه فإنّ المشروعيّة الإنسانيّة، رغم طابعها الأخلاقي الرّفيع، تبقى عرضة للاستغلال السّياسي حين تُستحضر في سياقات تخدم أجندات خاصّة. من هنا يصبح فهم العلاقة التّفاعليّة بين هذين البعدين ضروريّا لتفسير السّياسات الإقليميّة المعقّدة في الشّرق الأوسط، إذ تُظهر التّجارب المتعدّدة في المنطقة أنّ الشّرعيّة الدّوليّة قد تُستعمل أحيانًا أداة لتبرير التّدخلات العسكريّة أو فرض العقوبات الاقتصاديّة، في حين تُستدعى المشروعيّة الإنسانيّة للدّفاع عن قضايا حقوق الإنسان أو دعم حركات التّحرّر، وهو ما يجعل التّوازن بينهما مسألة شائكة.
الهدف الأسمى من هذا المسار البحثي هو محاولة المساهمة في بلورة ميثاق إقليمي بديل يمكن أن يمثّل إطارًا مرجعيًّا لحالات النّزاع والتّفاوض، يوازن بين متطلّبات الشّرعيّة القانونيّة والمشروعيّة الإنسانيّة، ويتيح للدّول والشّعوب في المنطقة هامشًا أوسع للتّعبير عن مصالحها المشروعة من دون الاصطدام الدّائم بمحدّدات النّظام الدّولي القائم.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 564 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 564 في شباط/فبراير 2026.
النوري الشعري: اختصاص حضارة، جامعة صفاقس – تونس.
الصورة من GOOGLE EARTH
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



