مقدمة
أضحت الطبيعة الراهنة للمنظومة الدولية المتَّسمة بالتشتُّت وتعدُّد المتدخلين والفاعلين في مسلسل صناعة القرار على المستوى الدولي تفرض منطقًا جديدًا في العلاقات الدولية، بل إن المنظومة الدولية اليوم أصبحت أكثر هشاشة من التأثير فيها من مختلف المتدخلين باختلاف أنواعهم أو أطيافهم؛ فالتأثير في القرارات الدولية اليوم ليس حكرًا على الأغلبيات كما على الأقليات والمجموعات العرقية والإثنية والسياسية وغيرها، كما أضحى لكل من الشباب والنساء مكانة متمايزة تؤثر وتصنع القرار على المستوى الدولي. وبالعودة إلى الطلاب بوصفهم الفئة الشبابية الأكثر فاعلية من التأثير على مختلف الصعد، برزت مكانة هاته الفئة الأخيرة بفعل عدة محددات ومتغيرات اجتماعية وسياسية في المقام الأول، جنبًا إلى جنب مع محددات أخرى؛ فأخذت الحركات الطلابية تنبض كشرارة أمل أو فتيل ثورة، بل أضحت البيئة الطلابية معتركًا لصراع سياسي انتقل من قلب إطاره التشريعي المنظم صوب صخب الجامعات وحماسة الشبان والشابّات الطلاب.
إن تزايد نفوذ وتأثير الحركات الطلابية في مسلسل صناعة القرار وفي المشهد السياسي الدولي بوجه عام أسهمت فيه محددات متعددة، على رأسها تشبُّع المناخ الدولي بحماية الحقوق والحريات التي تأتي في مقدمها حرية التعبير وحرية التظاهر علاوة على مناخ العولمة والتقدم التقاني وتسهيله للوصول المفتوح إلى المعلومات من طريق المسطحات الرقمية من مواقع للتواصل الاجتماعي وغيرها، التي تحمل المعلومة كما تعمل على حمل المشاعر الجماعية من خلال مجموعة من الميكانيزمات الرقمية وعلى رأسها الهشتاغات. هذا الميكانيزم، رغم حداثته نسبيًّا، هو مثل علامة فارقة في النضال الطلابي بوجه خاص، والاحتجاجات والانتفاضات بوجه عام، ولا سيّما في ظل العقد الحالي، ينضاف إلى ذلك مناخ القومية المشتركة التي تنقل المشاعر المشتركة – بما في ذلك الاحتجاجات – كما هي الحال مع القومية الأوروبية في ثورات ربيع براغ على سبيل المثال لا الحصر، وكما هي الحال أيضًا مع القومية العربية التي أفرزت لنا الربيع العربي.
ويجد الشباب مكانته في تكوين التاريخ عبر مختلف المحطات، ليس هذا فقط بل إن مجموع الثورات التي شهدتها البشرية كان للشباب والطلاب دور فيها بشكل من الأشكال.
استطاعت التنظيمات الطلابية، من خلال مجموعة من المحطات البارزة التي طبعت التاريخ، أن تخلق لنفسها مكانة متميزة داخل الأوساط السياسية الوطنية والدولية، إذ إن تأثيرها الملموس أخذ يستأثر الفاعلين السياسيين وصناع القرار على المستوى الدولي انتقلت معه الحركات الطلابية من فاعل مستجد محدود التأثير الذي يمكن وصفه حد الهامشي، أو العابر داخل الحياة السياسية إلى قوة دافعة ومحورية في مسلسل العملية السياسية حيث أضحت معه الحركات والتنظيمات الطلابية ليس مجرد منصة للتعبير عن طموح الشباب، بل أصبحت وسيلة فاعلة وبارزة داخل الحياة السياسية تسأل السلطة السياسية، وتطالب بإصلاحات وتؤثر في مسار صناعة القرار وتحديد الأولويات في المشاريع الحكومية. أكثر من ذلك فقد صنعت هاته التنظيمات الطلابية على المستوى الدولي مكانة خاصة في مسلسل صناعة السياسات العمومية لتتفوق على الفاعلين التقليديين داخل المسلسل من جماعات للضغط ونقابات من خلال قدرتها على احتكار الرأي العام وتكوينه والتأثير في الأجندة السياسية الوطنية والدولية؛ علاوة على قدرتها على توسيع نفوذها من الإطار الوطني نحو الإطار الإقليمي ثم الدولي، وهو ما يخلق معه شبكة للتضامن واسعة النطاق يمكن أن يمتد نطاقها إلى دول العالم وتعمل من خلالها على توجيه الرأي العام الدولي نحو قضايا جوهرية وتدفع المنتظم والمجتمع الدوليين تجاه تبنّي مطالبها وأخذ خطوات وتغيير سياسات، كان يستعصي التأثير فيها من جانب مختلف الفاعلين بل وحتى أقواهم، والتاريخ يشهد على ذلك.
وانطلقت الحركات والاحتجاجات الطلابية كطليعة للنضال ضد الاستعمار وإسقاط الديكتاتوريات والنضال في وجه اللاعدالة، نحو مرحلة ومنطق جديدين للتأثير في إعادة تكوين منطق العملية السياسية على المستويين الوطني والدولي.
فتتجلى أهمية البحث في الوقوف على التحول في طبيعة الحركات الطلابية التي انطلقت من تأثير محدود لا يتجاوز المحيط الجامعي نحو التأثير والتحكم في صناعة القرار بل على الأكثر من ذلك التحكم في مسار العملية السياسية واستمرارية الأنظمة من عدمه وتشكيل معالم الدولة ومكوناتها. ليس هذا وحسب، بل تعدّاه إلى التأثير في صنع القرار على المستوى الدولي من داخل المنظومة الأممية وخارجها بشأن مجموعة من الإشكالات حتى ولو كانت بعيدة الأثر على الجسم الطلابي.
من هنا تبرز أهمية الموضوع من خلال الإجابة عن إشكالية أساسية تسأل عن موقع الحركات الطلابية في تكوين المشهد السياسي والتأثير في مسلسل صنع القرار الدولي؟
وتتمخض عن هاته الإشكالية مجموعة من التساؤلات ذات الأهمية من قبيل: – أي تأثير للحركات الطلابية في واقع الحياة السياسية؟ – أي دور للحركات الطلابية في مسار النضال ضد الاستعمار؟ – على أي مستوى يمكن استجلاء دور الحركات الطلابية في تكوين أهم الأحداث التاريخية؟ – ما مكانة الطلاب في رسم سياسات مستقبلية والتأثير في أخرى؟
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 558 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 558 في آب/ أغسطس 2025.
بدر زيتوني: رئيس المنتدى الدولي الطلابي. باحث في العلوم القانونية والسياسية، جامعة محمد الخامس، الرباط – السويسي، المغرب.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



