مدخل

تستهلك المشاريع الاستيطانية عقودًا طويلة، وأحيانًا قرونًا كثيرة، حتى تنتصر أو تندحر. وتكتنف هذا الزمن عمليات تقدم وتراجع ومفاوضات مع الشعوب الأصلية لكسب الزمن ما يلبث فاعلو المشاريع الاستيطانية الاستعمارية أن ينقضوها بعد أن يفرضوا وقائع جديدة على الأرض. في سياق ذلك تحقق بعض المشاريع الاستيطانية الاستعمارية انتصارها كما في الحالة الأمريكية. أو تنكسر بعد أن توسع نفسها في المكان والزمان المستقطعين (الزمكان)، بطريقة المصالحة بين الشعب الأصلي وبين المستوطنين السابقين بعد إزالة نظام الأبارتايد كما في حالة جنوب أفريقيا. أو تندحر نتاجًا لعملية تحرير وطني كما في حالة الاستعمار الفرنسي للجزائر، والاستيطان الاستعماري الفرنجي باسم الصليب في فلسطين. وأخيرًا فإن المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني في فلسطين يمثل حالة ما زالت قيد التكوين، وتتوسع في حالة تحمل نقيضها وهو التقهقر. تساهم هذه الورقة في السجال الجاري حول شروط اندحار المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني في فلسطين.

لم يبقَ في عالم اليوم، إلا هذا المشروع الاستيطاني الاستعماري على فلسطين. وإن هو أعلن دولة عام 1948، فإن شهيته للتوسع ما زالت قائمة، وما يزال تمسُّك فاعليه بأهدافهم ومنافحتهم من أجل تحقيقها كبيرًا، وذلك رغم التناقضات الداخلية. على أن العامل الأهم في استمرار وجوده وتوسعه هو الدعم الإمبريالي عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا.

يواجه هذا المشروع، في المقابل، مقاومة فلسطينية لم تنقطع منذ فجر كفاح الفلاحين الفلسطينيين ضد الاستيطان الاستعماري لبلادهم في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر في ملبس التي أنشئت على أرضها مستعمرة بيتح تكفا عام 1882. وفي عام 1886 هاجم فلاحو ملبس والخضيرة المستعمرات التي أقيمت على أراضي قريتيهما‏[1] ولاحقًا ثار فلاحو المطلة التي أنشئت على أراضيها مستعمرة متولا عام 1895‏[2] واستمر هذا الكفاح حتى اليوم من دون أن يهزم. ولكن رافقه في أغلبية الأزمنة انقسام وتآمر ونكوص رسمي عربي وإسلامي جعل النصر الفلسطيني محجورًا، بحيث كان وما يزال «من سوء حظ العرب أنهم لا يتّحدون أمام العدو الخارجي» كما اقتبس وليد الخالدي من عثمان كمال. كما أن «الغياب العربي بلا حدود» مقابل «الدعم الأمريكي بلا حدود» قد مثّلا سببَي استطالة عمر المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني في فلسطين‏[3].

هل تغير هذا الوضع مع معركة طوفان الأقصى، وما توافر لها من الإسناد من اليمن ولبنان والعراق وإيران. هل تكفي عناصر الإسناد المواتية القائمة لمواجهة العناصر المناوئة المجافية عربيًا ودوليًا. وهل بدأ بناءً على ذلك انتقال المشروع الصهيوني من مرحلة التوسع المتقهقر إلى مرحلة تقهقر التوسع؟

تدور هذه المقالة حول هذه الأسئلة. وهي تبدأ بتوضيح مفهومَي التوسع المتقهقر وتقهقر التوسع، ثم تنتقل إلى عرض وتحليل تقهقرات المشروع الاستيطاني الاستعماري السابقة من الأراضي العربية والفلسطينية بين المؤقت والدائم. يلي ذلك تحليل منازلة طوفان الأقصى وفرص تحقيق تقهقر التوسع، وأخيرًا ترصد الورقة في ضوء التحولات في إسرائيل والعوامل العربية والدولية المؤثرة والمتأثرة بها آفاق التوسع المتقهقر بين استمراره، وبين تقهقره على طريق اندحاره.

في هذه الورقة ترد أربعة مصطلحات متمايزة، هي التوسع المتقهقر، الذي هو توسع في النهاية رغم سمة التقهقر فيه، والتقهقر عن التوسع على صورة انسحابات وإعادة انتشار مؤقتة في أغلبيتها، وتقهقر التوسع بما هي عملية مديدة تكتنفها مقاومة وكوارث، والاندحار الذي يتحقق في نهاية عملية تقهقر التوسع.

أقدم في هذه الورقة مفهومَي التوسع المتقهقر، وتقهقر التوسع بما هما حالتان للمشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني تجعلان اندحاره ممكنًا أسوة بتجارب الاستيطان الاستعماري الفرنجي في فلسطين، والجزائر. ومن خلال هذين المفهومين، ترمي هذه الورقة نظريًا إلى تطوير فهم للمشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين في إطار حقل دراسات الاستيطان الاستعماري المقارن. وعمليًا تهدف الورقة إلى المساهمة في الجدل القائم حول الشروط التي ينبغي توافرها على طريق تفكيك المشروع الصهيوني في فلسطين وزوال/إزالة إسرائيل في ظل بروز بوادر انتقالها المتوقع من التوسع المتقهقر إلى تقهقر التوسع كما ظهر بعد اندلاع الحرب عقب طوفان الأقصى. ويُعَدّ هذا البحث استمرارًا لمقالات سابقة للباحث مثلت بدايات يعمقها هذا البحث‏[4].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 550 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 550 كانون الأول/ديسمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 550 في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وليد سالم: جامعة القدس – فلسطين.

الصورة من وكالة أنباء “شينخوا”.

[1] كامل محمود خلة، فلسطين والانتداب البريطاني، 1922 – 1939، ط 2 (طرابلس، ليبيا: المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، 1982)، ص 25.

[2] فدوى نصيرات، دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين (876 – 1909)، وقفية عبد المحسن القطان للقضية الفلسطينية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص 20.

[3] عبد الوهاب المسيري مع أحمد منصور: «مقومات بقاء إسرائيل من خارجها وليست من داخلها»، برنامج بلا حدود، قناة الجزيرة، 7 أيار/مايو 2008،    <https://tinyurl.com/5n9yhf3s>.

[4] انظر مقالات: وليد سالم: «الطرد أم الأبارتهايد؟: العوامل الدافعة والعوامل الكابحة،» مجلة المقدسية، العدد 8 (خريف 2020)، ص 9 – 15؛ «إعادة النظر في الحاضر الاستعماري: استمرار المشروع الاستيطاني الاستعماري من خلال الدولة الاستيطانية الاستعمارية: حالة إسرائيل،» قضايا إسرائيلية، العدد 79 (خريف 2020)، ص 63 – 75؛ «من هنا، نحو الأبارتهايد، وماذا بعد؟،» الملتقى الفلسطيني (8 آذار/مارس 2021)، <https://tinyurl.com/4yk7j3af>، و«المشروع الصهيوني في فلسطين: آفاق الاكتمال والانكفاء، وحالة الأبارتهايد،» قضايا إسرائيلية، العدد 83 (خريف 2021)، ص 770 – 784.

 


وليد سالم

معهد جامعة القدس للدراسات والأبحاث، ومدير تحرير مجلة "المقدسية" الصادرة عن الجامعة.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز