مقدمة

بدأ المشروع الكولونيالي الاستعماري في فلسطين مع بزوغ نجم الحركة الصهيونية التي ظهرت في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر. وقادت الحركة الصهيونية المشروع الكولونيالي كحركة أيديولوجية استعمارية، رأت في السيطرة على أرض فلسطين تعبيرًا عن رغبات وطموحات الشعب اليهودي المتمثلة بـ«العودة إلى أرض إسرائيل».

وعلى الرغم من أن المؤتمر الأول للحركة الصهيونية عُقد عام 1897 فإن جذور الصهيونية تعود إلى قرون سابقة من حيث الفكرة، حيث ظهر الكثير من الحركات الدينية اليهودية التي كانت تنادي بـ «العودة إلى أرض إسرائيل». ولطالما عملت تلك الحركات على بث الحماسة في نفوس اليهود حول فكرة قرب «الخلاص اليهودي»‏[1]. وأدّت الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي كان يمر بها اليهود في مختلف الدول التي كانوا يعيشون فيها، إضافة إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي بدأت تشهدها تلك الدول، ولا سيّما على صعيد التحول إلى مفهوم الدولة القومية، دورًا بارزًا في زيادة الحاجة إلى إنشاء «وطن قومي» لليهود حول العالم، وفي نجاح المشروع الاستعماري الصهيونية في فلسطين.

تكلل نجاح المشروع الاستعماري الصهيوني في عام 1947، عندما اتخذت الأمم المتحدة قرارها الرقم (181) الداعي إلى إنشاء دولتين في فلسطين، دولة يهودية وأخرى عربية، الذي عرف لاحقًا باسم «قرار التقسيم». وبالاستناد إلى هذا القرار، نجح اليهود في الإعلان عن دولتهم هذه عام 1948، لتنشأ «دولة إسرائيل» على جزء كبير من أراضي فلسطين التاريخية. وفي إثر حرب عام 1967، أكملت الدولة الناشئة احتلالها لما تبقى من أراضي فلسطين، بما يشمل الضفة الغربية، والقدس الشرقية، وقطاع غزة، لينشأ نظام استعماري جديد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، باتت معظم الأدبيات السياسية والقانونية تشخِّصه على أنه «استعمار استيطاني إحلالي».

ومنذ ذلك الحين، ما فتئت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعمل على محاولة فرض الهيمنة الاستعمارية على السكان الفلسطينيين، وهم الشعب الأصلي، من خلال توظيف مختلف الوسائل القمعية التي تعمل على استدامة النظام الكولونيالي، وعلى رأسها التكنولوجيا الحديثة، مستغلةً التطور غير المسبوق الذي شهدته إسرائيل في مجال تطوير البرامج التكنولوجية العسكرية. ومع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، دشنت إسرائيل مرحلة جديدة من مراحل الهيمنة الاستعمارية، إذ مكنت البرامجُ العسكرية الجديدة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي إسرائيلَ من فرض المزيد من السيطرة والتحكم ضد الفلسطينيين، بهدف الهيمنة وكبح أي نشاط مقاوم، وكأن إسرائيل بدأت تعيد تكوين الكولونيالية في إطار مختلف، وبعيدًا من الوسائل الاستعمارية التقليدية.

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم إطار وصفي تحليلي لكيفية توظيف إسرائيل البرامج العسكرية الحديثة المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة مشروعها الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، وذلك بهدف فرض المزيد من الهيمنة الاستعمارية على السكان الأصليين، وكبح مقاومتهم ضد المستعمر الإسرائيلي، في سياق عملية إعادة تكوين واضحة للكولونيالية الإسرائيلية.

أولًا: الصهيونية والاستعمار الاستيطاني:
تكوين السياقات الكولونيالية في فلسطين

وضعت الحركة الصهيونية – التي ظهرت إبّان القرن التاسع عشر – حجر الأساس للمشروع الاستعماري الأوروبي في فلسطين، الذي تكلل فيما بعد بإنشاء دولة إسرائيل، وإقامة «الوطن القومي» لليهود على أرض فلسطين التاريخية، مرورًا باحتلال إسرائيل ما تبقى من أراضي فلسطين التاريخية في إثر حرب عام 1967.

وبعد مرور أكثر من خمسة وسبعين عامًا على إنشاء «دولة إسرائيل»، لم ينفك المشروع الصهيوني الذي تقوده إسرائيل – بدعم من الكثير من القوى الاستعمارية كالولايات المتحدة الأمريكية – عن إنشاء الكثير من البنى والأنظمة الاستعمارية في فلسطين. وعلى الرغم من تنوع الأنظمة الاستعمارية التي كرستها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية منذ إنشائها عام 1948، والتي من أبرزها نظام الفصل العنصري، ونظام الاحتلال العسكري في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، فإنّ السواد الأعظم من الأدبيات يميل إلى القول إن النظام الاستعماري الأبرز الذي ترسَّخ في فلسطين منذ تبلور الحركة الصهيونية وحتى يومنا هذا، هو نظام الاستعمار الاستيطاني الإحلالي‏[2].

1 -المشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين:
بين الصهيونية والتلمود

لم تنشأ إسرائيل كمجرّد كيان طارئ في المنطقة نتيجة ظروف تاريخية معيَّنة، بل هي مشروع استعماري استند إلى فكرة تلمودية تؤمن بأن فلسطين والأردن، وأجزاء كبيرة من مصر وسورية ولبنان والعراق وشمال السعودية، هي أرض إسرائيل الكبرى التي وعد الله اليهود بها منذ آلاف السنين‏[3]. وبحسب العقيدة اليهودية، فإن أرض فلسطين هي أرض الأجداد، وبالتالي، فإن عودة اليهود إليها واستيطانهم فيها قائم على تفويض إلهي خالص، ويعبِّر عن بداية الخلاص للشعب اليهودي‏[4]. على الرغم من أن تلك الفكرة نابعة أصلًا من عقيدة دينية مطلقة تستند إلى تعاليم التوراة، فإن الصهيونية عملت على استغلال تلك العقيدة لدى اليهود من أجل تحقيق مشروعها الاستعماري وإقامة الوطن القومي في فلسطين كملاذ آمن لليهود، على الرغم من كون الصهيونية حركة سياسية علمانية‏[5].

2 -الصهيونية: استخدام الدّين في مشروع استعماري

تعبّر الصهيونية عن الحركة السياسية الأيديولوجية التي نشأت أواخر القرن التاسع عشر الميلادي داخل التجمعات اليهودية في وسط وشرق أوروبا، بهدف توحيد الجماعات اليهودية وجمع شتاتها في وطن قومي واحد، تحقيقًا لخلاص الشعب اليهودي المتمثل بالعودة إلى «أرض إسرائيل»‏[6] وعقدت الحركة الصهيونية مؤتمرها الأول في عام 1897 في مدينة بازل السويسرية، حيث أسفر المؤتمر عن صوغ «برنامج بازل»، الذي مثّل برنامج الحركة الصهيونية‏[7].

لم يكن ظهور المشروع الصهيوني إبّان الحقبة التي شهدت ذروة الاستعمار الغربي من قبيل المصادفة، بل إن ذلك التزامن كان بمنزلة دليل على تماهي الصهيونية مع الخطاب الاستعماري الغربي السائد آنذاك، وعلى أن الحركة الصهيونية نشأت كجزء لا يتجزأ من الحركة الاستعمارية الإمبريالية الغربية‏[8].

وفي خضّم تفاقم الأزمات التي بات يعانيها اليهود في أوروبا نتيجةً لعوامل كثيرة وتحولات جذرية في بنية الدولة والاقتصاد التي طرأت على الدولة الأوروبية، وهو ما زاد من حدة الاضطهاد الموجّه ضد الأقليات اليهودية، وجدت الصهيونية ضالتها في الخطاب الديني الذي يؤمن بفكرة العودة إلى «أرض إسرائيل»‏[9] كسبيل للخلاص، من أجل الترويج لمشروعها الاستعماري الذي يطمح إلى الاستيلاء على الأرض الفلسطينية التي من شأنها أن تمثل نواة «دولة إسرائيل» المستقبلية. وبذلك، قدمت الصهيونية نفسها كحركة تحرر وطني لليهود، عبر استخدام السرديات المتعلقة بمعاناة اليهود في العالم، وأن الوطن القومي هو الملاذ الوحيد الآمن لإنهاء العداء للسامية‏[10]. وفي السياق نفسه، أدرك قادة الحركة الصهيونية، أن مشروعهم السياسي لن يكون قابلًا للتحقق من دون توظيف الرمزيات الدينية من أجل حث اليهود المؤمنين بالفكر التوراتي على الهجرة إلى الوطن القومي المراد إقامته‏[11].

3 -الاستعمار الاستيطاني: الصهيونية
والنظام الكولونيالي في فلسطين

كما أشرنا سابقًا، فإن الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، هو النظام الاستعماري الأساسي الذي يميز المشروع الكولونيالي الصهيوني، والذي لا تزال إسرائيل تقوم بممارسته وتكريسه في فلسطين حتى يومنا هذا. يشير الاستعمار الاستيطاني إلى طور من أطوار الهيمنة التي تتطلب تدمير معالم الحياة الأصلانيّة، وإنشاء عوالم جديدة، من طريق غزو أراضي الغير واستيطانها‏[12].

إذا كان مصطلح «الاحتلال» عادةً ما يشير إلى السيطرة على الأرض والسكان الأصليين بغية الحصول على الموارد، فإن مصطلح «الإحلال» يعني السيطرة على الأرض مع التخلص من السكان الأصليين، من طريق قتلهم أو تهجيرهم خارج أرضهم أو داخلها‏[13]، وهو ما يشكل وصفًا دقيقًا للنظام الاستعماري الذي يمثل امتدادًا للفكر الصهيوني، الذي لا تزال إسرائيل تمارسه في الأراضي المحتلة. وعليه، فإن السمة الأساسية لهذا النظام هي نفي الآخر وإقصاؤه، وليس فقط الاكتفاء باحتلاله والسيطرة عليه. وفي هذا السياق، تبنت الحركة الصهيونية منهج الاستعمار الاستيطاني المتناغم مع الخطاب الاستعماري الغربي القائم على تجريد السكان الأصليين من إنسانيتهم ووصفهم بـ«الآخر» (Colonial Othering). على سبيل المثال، يورد ثيودور هرتزل في كتابه البلاد القديمة الجديدة تمجيدًا بالأوروبيين، وطعنًا بالسكان الأصليين المستعمرين من جانب الأوروبيين، واصفًا هؤلاء السكان بأنهم برابرة أمام تحضر الأوروبيين ومدنيتهم. أما في كتابه دولة اليهود، فيؤكد أن العالم ينقسم إلى قسمين: أمم متحضرة وأمم بربريّة‏[14].

4 -الصهيونية الدينية والاستعمار الاستيطاني: أيديولوجيا
اليمين المتطرف من أجل السيطرة على الأرض

كما أسلفنا سابقًا، فقد مثّل الاستعمار الاستيطاني لبّ المشروع الكولونيالي الصهيوني في فلسطين. وبعد احتلال كل من الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، أصبح الاستيطان يمثل عصب المشروع الإسرائيلي الاستعماري، حيث عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيَّما اليمينية منها، على توظيف الاستيطان كوسيلة كولونيالية من أجل السيطرة على الأرض، مستندة إلى خطاب ديني بحت، يؤمن بأن للشعب اليهودي تفويضًا إلهيًّا للاستيطان والسيطرة على «أرض إسرائيل التوراتية»، كجزء من مشروع توراتي خلاصي‏[15]. وتجدر الإشارة، إلى أن هذا التصاعد في الأيديولوجيا الاستيطانية جاء بالتزامن مع ظهور «الصهيونية الدينية» في إسرائيل بعد عام 1967، وهي تيار قومي ديني متشدد يجمع بين التشدد الديني اليهودي، والنزعة القومية للصهيونية السياسية، كما يتبنى التوراة كمرجع مطلق للحياة الدينية والسياسية. وبحسب الصهيونية الدينية، فإن السيادة اليهودية على كامل «أرض إسرائيل» ليس ضرورة سياسية فحسب، بل هو أيضًا واجب ديني يستند إلى النصوص التوراتية‏[16].

بهذا، أصبح الخطاب الإسرائيلي خلال الحقبة التي أعقبت حرب عام 1967 خطابًا استيطانيًا توراتيًا، بحيث بات يستند إلى مركبين أساسيين: المركب الاستيطاني الاستعماري الذي يقوم على تفوق المستوطن وأحقيته في الأرض مقابل دونية الشعب الأصلي وضرورة إقصائه، إضافة إلى المركب الديني التوراتي الذي يقوم على رواية يهودية ترى في الاستيطان رسالة دينية سامية‏[17].

بدأ الاستيطان الإسرائيلي مباشرة بعد عام 1967 من خلال تدشين مستوطنة غوش عتصيون في الخليل عام 1977. ولعل من أبرز ما شجع على تزايد الحركة الاستيطانية، هو ظهور منظمات استيطانية داعمة، مثل منظمة غوش إيمونيم الاستيطانية‏[18]. اللافت للنظر كذلك، هو لجوء إسرائيل إلى تغيير اسم الضفة الغربية إلى «يهودا والسامرة»، التي مثلت نقطة الانطلاق في الإبستمولوجيا التوراتية، والنواة الأساسية في «أرض إسرائيل»‏[19]، لما للضفة الغربية من مكانة تاريخية ودينية في الفكر اليهودي‏[20].

5 -الحكومة الإسرائيلية الجديدة: الصهيونية الدينية
ومشروعها الاستعماري الاستيطاني

تألفت الحكومة الإسرائيلية الحالية عقب انتخابات الكنسيت التي أجريت في أواخر عام 2022، لتكون أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفًا منذ إنشاء «دولة إسرائيل»، ولا سيَّما بعدما تألفت الحكومة الجديدة بزعامة تجمع الليكود من ائتلاف يضم في طياته أحزابًا تمثل التيار الديني الصهيوني المتطرف، وعلى رأسها حزب «الصهيونية الدينية» برئاسة عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش، وحزب «قوة يهودية» برئاسة عضو الكنيست إيتمار بن غفير‏[21]. وبصورة لا تقبل الشك، انتهجت الحكومة الإسرائيلية الجديدة سياسة استعمارية تستند إلى الإرساء المكثف لركائز الاستعمار الاستيطاني في الأراضي المحتلة، متخذةً من تعاليم «الصهيونية الدينية» نهجًا روحيًّا وسياسيًّا.

لعل من أبرز الدلائل على تعطش الحكومة الإسرائيلية غير المسبوق للسيطرة على الأرض، هو ما تشير إليه الدراسات المختلفة، من أن حركة الاستيطان التي باتت تشهدها الضفة الغربية منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مقاليد الحكم، هي الأكبر منذ تأسيس حركة «غوش إيمونيم» الاستيطانية عام 1974‏[22].

فبحسب مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فإن المدة الواقعة ما بين شهرَي تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وتشرين الأول/أكتوبر 2024، شهدت توسعًا استيطانيًا مكثفًا في كل من الضفة الغربية والقدس الشرقية‏[23]. وبحسب تقرير صادر عن المفوض نفسه، فقد شهدت المدة المذكورة شرعنة 49 بؤرة استيطانية جديدة، وهو عدد غير مسبوق مقارنة بالعقود السابقة التي كانت تشهد شرعنة نحو ثماني بؤر استيطانية في المعدل‏[24]. كما تشير المنظمة الحقوقية «السلام الآن» (Peace Now)، فقد تمت الموافقة على بناء 11,511 وحدة استيطانية جديدة في المستوطنات القائمة منذ بداية العام الحالي، وذلك في غضون أقل من ثلاثة أشهر‏[25].

6 -الصهيونية كقيمة موجّهة في عمل
الحكومة الإسرائيلية الجديدة

في أيار/مايو 2023، وُضع على طاولة الحكومة الإسرائيلية مقترح قرار «الصهيونية كقيمة موجهة في عمل الحكومة» بغية المصادقة عليه. بموجب الاقتراح، فإن أي قرار تتخذه الحكومة في مجال الاستيطان، يكون الموجّه الأساسي له هو قيم الصهيونية‏[26]. لذا، من الطبيعي أن تلجأ الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفًا، إلى توظيف الأدوات الاستعمارية نفسها لكل من الصهيونية و«الصهيونية الدينية»، من أجل تحقيق مشروعها الكولونيالي المتمثل بالسيطرة على الأرض والتخلص من الشعب الأصلي، الأمر الذي يمثل عصب الاستعمار الاستيطاني. وعليه، فإن أبرز الأدوات الكولونيالية التي تعمل الحكومة الإسرائيلية على توظيفها من أجل إنجاح مشروعها الاستيطاني الإحلالي، بالاستناد إلى الأيديولوجيا الصهيونية الدينية، تتمثل بالنقاط الآتية:

أ – إنكار وجود الشعب الأصلي

يشير جانب من المختصين في الصهيونية، إلى أن الركيزة الأساسية للأيديولوجيا الصهيونية تقوم على فكرة نفي الآخر وإنكار وجود الشعب الأصلي‏[27]. وهو ما يفسر الادعاء الذي قام عليه وعد بلفور عام 1917، بأن أرض فلسطين هي «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض»، في إنكار واضح لوجود الشعب الفلسطيني الأصلي. ولطالما حاول الصهاينة الأوائل إنكار وجود العرب، وإخفاء الوجود الفلسطيني في النصوص الخاصة بالصهيونية. سرعان ما شقت تلك الرؤية طريقها نحو الحكومة الإسرائيلية الحالية. ففي أمسية أقيمت في العاصمة الفرنسية في شهر آذار/مارس 2023، أنكر زعيم حزب «الصهيونية الدينية» سموتريتش وجود الشعب الفلسطيني، مدعيًا أنه «لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني»‏[28]، وزاعمًا أن فكرة الدولة الفلسطينية إنما ابتُكرت في القرن الماضي ردًا على الحركة الصهيونية التي أسست «دولة إسرائيل»‏[29].

ب – إقصاء الشعب الأصلي

إن أحد الجوانب المحورية في فكر اليمين الجديد في إسرائيل، هو تصوير الفلسطينيين كدخلاء أو غزاة، في حين يقدم المستوطنين اليهود على أنهم «السكان الأصليون» العائدون إلى وطنهم‏[30]. من هنا، لا بد من إزاحة الفلسطينيين أو طردهم من فلسطين كي تصبح وطنًا ‏قوميًا ‏فيه أغلبية يهودية، لأن الفلسطينيين يقفون حاجزًا بين اليهود وأرض إسرائيل. ولعل الأداة الأكثر ملاءمة لطرد الفلسطينيين وإزاحتهم تكمن في ترحيلهم إلى خارج أرض إسرائيل.

رأى الزعماء الصهيونيون أن تهجير السكان العرب برضاهم، أو بالقوة إذا اضطُر الأمر، يجب أن يكون أحد المبادئ الأساسية للصهيونية. على سبيل المثال، رأى الأديب الصهيوني البريطاني يسرائيل زانغويل (1864 – 1926)، الذي كان مقرّبًا من تيودور هرتزل، أن رحيل السكان العرب عن فلسطين هو الشرط المسبق لنجاح الصهيونية، داعيًا إلى تهجير الفلسطينيين إلى الجزيرة العربية‏[31]. في ضوء ذلك، يمكن الجزم بأن خطاب «الترانسفير» للحكومة الإسرائيلية الحالية نحو مصر والأردن، الذي الذي أعيد إحياؤه عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر بحق سكان قطاع غزة، ما هو إلا امتداد للفكر الأيديولوجي الصهيوني المرتكز على الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، وهو من أهم أهداف إسرائيل في حرب الإبادة والدمار الشامل التي تنفّذها في غزة‏[32].

ج – محاولة حسم الصراع مع الشعب الأصلي

يسعى اليمين الجديد في إسرائيل، المستند إلى القيم الصهيونية، إلى حسم الصراع مع الفلسطينيين، من خلال فرض أمر واقع على الأرض، يتمثل بتعزيز سياسات الاستيطان، والسيطرة على الأرض بالقوة، إضافة إلى تقويض الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني صاحب الأرض‏[33]. لعل من أبرز تجليات ذلك النهج، هو «خطة حسم الصراع»، التي تبنَّاها سموتريتش في ختام مؤتمر حزبه السنوي المنعقد في أيلول/سبتمبر 2017. وتهدف الخطة، إلى تسوية القضية الفلسطينية تسوية نهائية، وإلى حسم الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني من خلال فرض السيادة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتكثيف الاستيطان اليهودي فيها، وحلّ السلطة الفلسطينية، وتشجيع الفلسطينيين على الهجرة إلى الخارج، إضافة إلى منع إقامة أية دولة فلسطينية فيها‏[34].

ثانيًا: المقاومة الفلسطينية ومقارعة المحتل: نشأة النزعة التحرريّة في سياق الاستعمار الاستيطاني

في حزيران/يونيو 1967 استكملت إسرائيل احتلالها لما تبقى من أرض فلسطين، ومنها الجزء الذي تسميه إسرائيل «يهودا والسامرة» لارتباطه بجغرافيا الرواية التوراتية التي تسند إليها الصهيونية في مسوّغها الديني لاستعمارها الاستيطاني لفلسطين. ومنذ احتلالها، تعاملت إسرائيل مع الضفة الغربية مثلما تعاملت مع الأراضي الفلسطينية التي استعمرتها عام 1948، أي كأرض تقع في نطاق سيادتها بصورة دائمة. لذا، فإنها تفرض سيطرتها على الأرض، والموارد الطبيعية، والحياة الاقتصادية، وعلى حركة السكان والسلع، إضافة إلى ممارستها سياسات التوسع الاستيطاني وضم الأراضي تحت مسوغات مختلفة‏[35].

1 -المقاومة الفلسطينية كأداة من أدوات
التحرُّر ضد الاستعمار الاستيطاني

كان لهزيمة البلدان العربية أمام إسرائيل عام 1967 تداعيات مباشرة على الواقع السياسي الفلسطيني، حيث كان من أبرز تلك التداعيات ظهور مرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني الفلسطيني، تمثلت بتبني نهج الكفاح المسلح كسبيل من أجل التحرر من نير الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي. وكانت حركة التحرر الوطني الفلسطيني «فتح» أول من تبنت ذلك التوجه التحرري في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، حيث عمدت إلى توظيف الكفاح المسلح بوصفه السبيل الوحيد أمام الفلسطيني من أجل تحرير وطنه. وهكذا، راحت تبرز تنظيمات وحركات فلسطينية جديدة، يسارية وقومية وإسلامية، وسرعان ما تحولت ظاهرة الكفاح المسلح الفلسطيني إلى حركة مقاومة تحظى بتأييد شعبي واسع، ولم يعد الفلسطيني هو اللاجئ أو المشرَّد، بل أصبح هو الفدائي الذي يحمل السلاح‏[36].

منذ ذلك الحين، مرت حركة المقاومة الفلسطينية ضد الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بمحطات بارزة متعددة. ولعل من أبرز تلك المحطات، هي الانتفاضة الثانية التي اندلعت عام 2000، والتي شهدت نشاطًا واسعًا للمقاومة الفلسطينية بنوعيها المقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية، من أجل ردع المحتل الإسرائيلي ومقارعته. ومنذ ذلك الحين، باتت المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية معقلًا مهمًّا لتمركز حركات وفصائل المقاومة المسلحة، ولا سيَّما مخيمات شمال الضفة الغربية، كمخيم جنين ومخيم عين شمس، التي باتت في عين الاستهداف الإسرائيلي. وخلال السنوات القليلة الماضية، لم تعد ظاهرة المقاومة المسلحة تقتصر على الحركات والفصائل المنظمة فحسب، بل أصبحت المقاومة فكرة جذابة للكثير من الأفراد الذين شرعوا في تنفيذ عمليات فردية ضد أهداف إسرائيلية، حيث أخذت تلك العلميات أشكالًا متعددة، كعمليات الطعن والدهس وإطلاق النار بأسلحة فردية. أما قطاع غزة، فقد مثّل هو الآخر مسرحًا لحركات المقاومة الفلسطينية من أجل تنفيذ عمليات في داخل إسرائيل، ولا سيَّما في الحقبة التي تلت الانقسام الفلسطيني، وما نجم عن ذلك الانقسام من تمكين للفصائل المسلحة، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، حيث مثلت أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر التجلي الأبرز لتلك العمليات.

لم ترُق الحالة المتصاعدة من المقاومة لإسرائيل، ولا سيَّما في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي ما فتئت تسعى منذ توليها زمام الحكم إلى استهداف وضرب البنى التحتية للمقاومة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى محاولتها تعقب وترهيب الأفراد الذين تسميهم «الذئاب المنفردة» عبر شتى الوسائل، بغية ثنيهم عن تنفيذ عمليات عسكرية. ففي شهر كانون الثاني/يناير المنصرم، صعّد الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في مناطق شمال الضفة الغربية ضمن ما توصف بأنها «حملة السور الحديدي»، حيث شاركت الدبابات في القتال في الضفة الغربية أول مرة منذ أكثر منذ عام 2002. في سياق متصل أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي (إسرائيل كاتس) توسيع العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية، قائلًا إنه أصدر أوامره إلى الجيش الإسرائيلي بالاستعداد للبقاء في هذه المناطق لمدة عام كامل. وقد استهدفت الحملة على نحو أساسي المخيمات الفلسطينية في شمال الضفة الغربية، وفي طليعتها مخيّما جنين ونور شمس في مدينة طولكرم.

2 -الأهداف الكامنة وراء العملية الإسرائيلية: اجتثاث المقاومة
من أجل تكريس الاستعمار الاستيطاني

أثيرت تساؤلات جمّة حول الأهداف الكامنة وراء تلك العملية العسكرية، ووفقًا لكاتس، فإن العملية تهدف إلى تفكيك كتائب مسلحة وتدمير بنتيها العسكرية، واصفًا العملية العسكرية بأنها «حرب على الإرهاب» المدعوم من جانب «محور الشر الإيراني». تزعم قيادة الجيش الإسرائيلي إلى أن شمال الضفة الغربية يُعدّ «بؤرة إرهابية إيرانية» ينشط فيها نحو ألفي عنصر «إرهابي» مسلح في مخيمات اللاجئين وفي مدن جنين ونابلس وطولكرم‏[37].

اللافت للنظر هنا أن العملية لم تكن هي الأولى في نوعها في الضفة الغربية على مدى السنوات القليلة الماضية، حيث سبقها الكثير من العمليات والحملات العسكرية المماثلة، ومنها: عملية «المخيمات الصيفية» عام 2024، وعملية «بيت وحديقة» عام 2023، وعملية «كاسر الأمواج» عام 2022. وعلى الرغم من اختلاف المسمّيات، فإن الباعث لها يبدو واحدًا، يتمثل – إلى جانب إضعاف البنية التحتية للمقاومة – بإعادة رسم الخريطة السكانية للضفة الغربية وجعلها بيئة طاردة تدفع الفلسطينيين إلى الهجرة الطوعية‏[38]. هنا يبرز الاختلاف بين هذه العملية والعمليات السابقة، حيث تعكس هذه العملية تحولًا في الرؤية الإسرائيلية، وذلك من خلال سعيها الواضح إلى حسم الصراع عبر التهجير القسري، في تطور يتجاوز سياسة إدارة الصراع نحو محاولة إنهائه جذريًا. الدليل على ذلك، هو ما نشره شاي ألون، رئيس مجلس مستوطنة بيت إيل، مقالًا على موقع «واللا» في 4 شباط/فبراير 2025، شدد فيه على ضرورة تحقيق «الحسم» في الضفة الغربية، داعيًا إلى سلسلة من الإجراءات التصعيدية التي تعكس توجهات اليمين الاستيطاني المتطرف تجاه المنطقة‏[39].

ثالثًا: إعادة إنتاج الكولونيالية في فلسطين: توظيف الذكاء الاصطناعي من أجل فرض الهيمنة الاستعمارية وإضعاف المقاومة

بات الذكاء الاصطناعي من أبرز وأخطر الوسائل المستخدمة في فرض الهيمنة الاستعمارية وإضعاف المقاومة ضد المحتل في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك عبر توظيف الذكاء الاصطناعي في اجتثاث وتدمير بنى المقاومة، إضافة إلى تعقُّب حركة المقاومين ومنع نشاطهم، وذلك كله ضمن رؤية جديدة لإعادة تكوين الكولونيالية في فلسطين من خلال الذكاء الاصطناعي.

1 -من «عقيدة الضاحية» إلى «عقيدة جباليا»: جنوح الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية من عقيدة التدمير نحو عقيدة الإبادة

في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2024، شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة في شمال قطاع غزة، حيث عكست تلك العملية تحولًا في الأداء العملياتي للجيش الإسرائيلي. يتمثل ذلك التحول بالأساس بالانتقال من «عقيدة الضاحية» التي استخدمتها إسرائيل في حرب لبنان عام 2006، والتي تشمل ضرب الحاضنة الاجتماعية للمقاومة، إلى «عقيدة جباليا» التي تستدعي إبادة الحاضنة الشعبية للمقاومة.

عقيدة الضاحية هي استراتيجية عسكرية اعتمدتها إسرائيل، وبرزت بوضوح خلال حرب لبنان عام 2006. تقوم هذه العقيدة على استخدام قوة مفرطة واستهداف واسع للبنية التحتية والمناطق السكنية، كما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تُعد معقلًا لحزب الله. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق الردع من خلال توجيه ضربات قاسية للبيئة الحاضنة للمقاومة، وهو ما يؤدي إلى إلحاق خسائر مادية ومعنوية جسيمة. تقوم العقيدة على فرضية أن تدمير المناطق المدنية سيؤثر في الدعم الشعبي للمقاومة، وهو ما قد يخلق ضغوطًا داخلية تدفعها إلى تغيير سلوكها أو تقليل عملياتها العسكرية‏[40].

أما عقيدة جباليا، فهي تتجاوز المبادئ التقليدية لعقيدة الضاحية، وتعدّ أكثر تطرفًا ولاأخلاقية. ولا تكتفي هذه العقيدة بتدمير البيئة المادية للحاضنة الاجتماعية، بل تسعى إلى خنق المقاومة من خلال القضاء على الحاضنة البشرية التي توفر لها الغطاء الاجتماعي والسياسي، أي أنها تنظر إلى الحاضنة الاجتماعية المدنية على أنها العدو المباشر. وتقوم الترجمة العملية لهذه العقيدة على شن عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد الأحياء المدنية كهدف مباشر، وذلك بهدف التدمير التام للمنطقة المستهدفة، والتهجير القسري للسكان، وتدمير البنية التحتية المدنية، وفرض ممار للخروج، وتكثيف الحرب النفسية الإعلامية، إضافة إلى فرض قيود صارمة على عودة السكان المدنيين‏[41].

بناءً على ذلك، ومن أجل تنفيذ عقيدة جباليا على نحوٍ صارم وفعّال وإنجاح استراتيجيات إبادة البيئة الحاضنة، أصبح الجيش الإسرائيلي يستعين بوسائل الذكاء الاصطناعي المختلفة في عملية تحديد الأهداف المدنية والعسكرية وضربها.

2 -الذكاء الاصطناعي والإبادة الجماعية في غزة

أثار التقرير الصادر في السادس عشر من شهر حزيران/يونيو المنصرم، عن فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، جدلًا واسعًا بعد تسليطه الضوء على تورط عدد من كبرى الشركات العالمية في «اقتصاد الإبادة» بـفلسطين، الأمر الذي يمثل نقطة تحوُّل في كشف حجم الدعم التكنولوجي العالمي لآلة الحرب الإسرائيلية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.

وأكّد التقرير الذي حمل عنوان «من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة»، أنَّ أكثر من 60 شركة عالمية كبرى تتورط في دعم ما وصفته ألبانيز بـ«اقتصاد الإبادة الجماعية» ضد الشعب الفلسطيني. وتشمل القائمة المشار إليها في التقرير عمالقة شركات التكنولوجيا مثل «غوغل» و»مايكروسوفت»، التي تشارك – بحسب التقرير – في عمليات التجسس وتزود إسرائيل بالبرمجيات اللازمة للمراقبة، إضافة إلى شركات الأسلحة مثل «لوكهيد» التي تقدم القنابل والقاذفات، وشركات الآليات الثقيلة مثل «كاتربيلر» و«هيونداي» التي توفر الجرافات المستخدمة في تدمير البيوت الفلسطينية.

وبحسب التقرير، بدأت شركة مايكروسوفت بالتعاون مع إسرائيل منذ تسعينيات القرن الماضي، وذلك عبر تدشين مراكز تطوير متخصصة، إضافة إلى توقيع عقود مع الجيش الإسرائيلي، حيث باتت الشركة تزود الجيش بأنظمة الحوسبة السحابية وأنظمة الذكاء الاصطناعي المختلفة التي أصبحت جزءًا من ترسانة جيش الاحتلال.

ويشير التقرير كذلك، إلى التزايد الملحوظ في استخدام الجيش الإسرائيلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي المُقدمة من شركتي مايكروسوفت و«أوبن إيه آي» – التي تعَدّ مايكروسوفت أكبر المستثمرين فيها – إلى قرابة 200 ضعف منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، الأمر الذي مكّن الجيش الإسرائيلي من تحديد الأهداف بسرعة غير مسبوقة‏[42].

لم يكن تقرير ألبانيز الأول في نوعه في إطار كشف متى بدأ توظيف إسرائيل تقنيات الذكاء الاصطناعي في حربها الإبادية على قطاع غزة؛ ففي عام 2021، صدر كتاب بعنوان فريق الإنسان والآلة: كيفية خلق التآزر بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي الذي سيحدث ثورة في عالمنا، يجادل مؤلفه – وهو يوسي شاريئيل، القائد السابق لوحدة الاستخبارات الإسرائيلية النخبوية 8200 بحسب ما كشف موقع +972 – بضرورة تصميم آلة خاصة يمكنها معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة، لتوليد آلاف الأهداف المحتملة للضربات العسكرية أثناء الحرب‏[43]. هذه الآلة موجودة بالفعل، وقد أدّت دورًا محوريًّا في تحديد أهداف حرب الإبادة الدائرة في قطاع غزة، بالاعتماد شبه الكامل على تقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا.

استخدام إسرائيل الذكاء الاصطناعي في الحروب ليس جديدًا. فعلى مدار العقود القليلة الماضية، استخدمت إسرائيل قطاع غزة كأرض اختبار للتقنيات والأسلحة الجديدة. وبحسب الخبراء، تم وصف حرب عام 2021 على قطاع غزة، التي شهدت قصفًا جويًا استمر لمدة أحد عشر يومًا متواصلًا، بأنها «أول حرب ذكاء اصطناعي»‏[44].

منذ اندلاع الحرب الحالية في إثر هجوم السابع من أكتوبر، رصد عدد كبير من المنظمات الحقوقية والمنظمات الدولية، مثل منظمة هيومان رايتس واتش، استخدام الجيش الإسرائيلي الأدوات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي على نحوٍ واسع، للمساعدة على تحديد مَن، أو ما، الذي يجب استهدافه في غزة ومتى‏[45]، وبحسب صحيفة واشنطن بوست، فقد عكفت إسرائيل على مدار عقد من الزمن على تطوير «مصنع الذكاء الاصطناعي»، وذلك تمهيدًا لاستهداف المواقع في غزة بصورة أكثر كفاءة، الأمر الذي أدى إلى زيادة أعداد الضحايا من المدنيين‏[46].

على مدار السنوات القليلة الماضية، قامت وحدة الاستخبارات الإسرائيلية بتدريب الذكاء الاصطناعي لإنشاء قواعد بيانات تتعلق بأهداف جديدة، إذ تم جمع مليارات الإشارات من الطائرات المسيرة، والطائرات المقاتلة، وأجهزة الاستشعار الزلزالية، وأرقام الهواتف المحمولة، وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من البيانات‏[47]. ومن خلال مراجعة الكميات الضخمة من البيانات المأخوذة من الاتصالات، ولقطات الأقمار الصناعية، والشبكات الاجتماعية، تقوم الخوارزميات بتحديد إحداثيات الأنفاق، وأماكن إطلاق الصواريخ، إضافة إلى الأهداف العسكرية الأخرى‏[48].

لعل الأمر الأكثر خطورة في هذا الإطار، هو الاعتماد شبه الكامل على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف وضربها، مع الاستغناء عن العنصر البشري، وهو ما يزيد من احتمال وقوع أخطاء في تحديد الأهداف. على سبيل المثال، يقول تال ميمران، وهو مستشار قانوني سابق في الجيش الإسرائيلي، إنه خلال المدة التي خدم فيها في غرفة الأهداف (2010 – 2015) كان من الضروري وجود فريق مكوَّن من نحو 20 ضابط استخبارات للعمل مدة 250 يومًا لجمع نحو 200 إلى 250 هدفًا. أما اليوم، سيفعل الذكاء الاصطناعي ذلك في أسبوع واحد‏[49]. وعليه، فإن هذا الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي قد ساهم في تفسير وقوع هذا العدد الهائل من الضحايا، الذين بلغ عددهم أكثر من 49 ألفًا بحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، حيث إن القرار الإسرائيلي بقصف المنازل الخاصة على نحوٍ منهجي مثّل العامل الأبرز في سقوط الضحايا المدنيين في غزة‏[50].

في هذا الإطار، يؤكد الصحافي الإسرائيلي يوفال أبراهام، الذي أجرى تحقيقًا مفصَّلًا حول هذا الموضوع لمجلة +972، بأنه أصبح من المقبول لدى الجيش الإسرائيلي في الحرب الحالية قتل 15 إلى 20 مدنيًا من أجل قتل جندي من حماس (في حين كان العدد صفرًا في الحروب السابقة)، وحتى 100 مدني لقتل قائد‏[51]. وبحسب واشنطن بوست، كانت نسبة القتلى المدنيين المقبولة في الجيش الإسرائيلي هي مقتل مدني واحد مقابل «إرهابي» رفيع المستوى. وخلال الحرب الدائرة حاليًا، ارتفع هذا العدد إلى نحو 15 مدنيًا مقابل عضو منخفض المستوى في حماس و«أعلى كثيرًا» في ما يخص الأعضاء من المستويات المتوسطة والعالية‏[52].

جدير بالإشارة في هذا الصدد، إلى أن وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200 تضطلع بالدور الأبرز في مجال الحرب السيبرانية (Cyber Warfare)، كما أنها مسؤولة بصورة أساسية عن إنشاء وتطوير أنظمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في قطاع غزة. إضافة إلى كونها الوحدة الاستخباراتية الأكبر والأكثر سرية في الجيش الإسرائيلي، يعدّها البعض بأنها الوحدة الاستخباراتية الأكثر أهمية في إسرائيل‏[53].

تعَدّ الوحدة 8200 أيضًا نظيرًا لوكالة الأمن القومي الأمريكية، وقد تأسست في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت مهمتها الأساسية طوال عقود التنصّت على هواتف المناطق المجاورة‏[54]. أما اليوم، فهي إضافة إلى مهمة التجسس على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، تنشط في جميع المناطق، بما في ذلك مناطق القتال، وفي زمن الحرب تتكامل بصورة وثيقة مع مقر قيادة العمليات‏[55].

أ -أبرز تقنيات وبرامج الذكاء الاصطناعي المستخدمة
في حرب الإبادة في قطاع غزة

وفقًا للمصادر المختلفة، تستخدم إسرائيل ثلاث فئات رئيسية من أدوات الذكاء الاصطناعي في حربها على قطاع غزة، وهي:

(1) أنظمة الأسلحة الفتاكة الذاتية التشغيل لاوس (LAWS) والأسلحة شبه الذاتية التشغيل (Semi-LAWS): تشمل الطائرات الرباعية المسيّرة والمجهزة بالرشاشات والصواريخ لمراقبة – وترهيب وقتل – المدنيين الذين يحتمون في الخيام والمدارس والمستشفيات والمناطق السكنية، إضافة إلى القانصات الآلية.

(2) أنظمة التعرف إلى الوجه والمراقبة البيومترية: مثلت العملية البرية الإسرائيلية في غزة فرصة لتوسيع نطاق المراقبة البيومترية للفلسطينيين، وهي تقنية مستخدمة بالفعل في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ويستخدم الجيش الإسرائيلي نظامًا واسع النطاق للتعرف إلى الوجه في غزة لإجراء مراقبة جماعية هناك، حيث يجمع ويفهرس وجوه الفلسطينيين من دون علمهم أو موافقتهم، وذلك من طريق توظيف تقنيات مثل «صور غوغل».

(3) أنظمة التوليد الآلي للأهداف: وهي الأنظمة الأكثر خطورة، التي تستخدم في تحديد الأهداف وتوليدها، سواء الأهداف المتعلقة بالبنى التحتية، أو بالعناصر البشرية التابعة للمقاومة وعائلاتهم، ومن أبرز تلك الأنظمة: نظام لافندر (Lavender)، ونظام غوسبل (Gospel)، ونظام أين أبي (Where is Daddy)‏[56]. وفيما يلي تفصيل أكثر دقة لآلية عمل كل نظام من تلك الأنظمة:

(أ) نظام لافندر: استخدم الجيش الإسرائيلي نظام ذكاء اصطناعي يُعرف باسم «لافندر» لتحديد واستهداف الأفراد المشتبه في انتمائهم إلى حماس والجهاد الإسلامي في غزة، حيث أدّى النظام دورًا كبيرًا في الاستهداف غير المسبوق للمدنيين. تم تطوير نظام لافندر من جانب وحدة 8200، بهدف معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة وإنتاج قائمة بالأهداف المحتملة للهجمات العسكرية. حلل النظام مجموعات بيانات واسعة لاكتشاف الأنماط والسلوكيات التي تشير إلى النشاط العسكري. وقد منح كل فرد درجة تحدد احتمال انتمائه إلى جماعة مسلحة. وعندما يتجاوز الفرد حدًا معيَّنًا من هذه الدرجة، يتم تصنيفه كهدف محتمل. خلال الأسابيع الأولى من الصراع، حدد النظام نحو 37,000 فرد كمشتبه بهم في انتمائهم إلى فصائل مسلحة. وتشير التقارير، إلى أنه خلال المراحل الأولى من الحرب، منح الجيش موافقة شاملة للضباط على استخدام قوائم القتل التي أعدها «لافندر»، من دون الحاجة إلى التحقق بدقة من سبب اتخاذ النظام تلك الخيارات، أو فحص البيانات الخام التي استندت إليها، كما أن الجيش تعامل مع مخرجات النظام كما لو كانت قرارًا بشريًا‏[57].

(ب) نظام غوسبل: في حين يعمل نظام لافندر على تحديد الأشخاص المحتمل انتماؤهم إلى فصائل مسلحة كأهداف بشرية، فإن نظام غوسبل يعمل على تحديد المنشآت والأماكن التي من المحتمل أن يوجد فيها أولئك الأشخاص، بما يشمل المنشآت العسكرية كالأنفاق، والمنشآت المدنية كالمستشفيات ودور العبادة‏[58]. ويعَدّ نظام غوسبل نظام استهداف عسكريًّا مصممًا لاختيار أهداف عالية القيمة لضربات الطائرات المسيَّرة. يعالج النظام بيانات آنية، مثل صور الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار للتنبؤ بأماكن التهديدات المحتملة. كما تستخدم الأداة خوارزميات لتحديد أنماط الحركة والسلوك، وهو ما يُمكّنها من التنبؤ بتلك الأماكن‏[59]. واستنادًا إلى هيومان رايتس واتش، يُحدد النظام أربع فئات من الأهداف غير البشرية، وأبرزها: الأهداف العسكرية، بما في ذلك الأهداف تحت الأرض كالأنفاق؛ ومنازل عائلات المسلحين المشتبه بهم؛ و«الأهداف القوية»، وهي منشآت مدنية تتم مهاجمتها بهدف «إحداث صدمة» من شأنها «دفع المدنيين للضغط على حماس»‏[60].

(ج) نظام «أين أبي»: بناءً على تقارير إعلامية، فإن تطبيق «أين أبي» هو أداة تستخدم تتبع موقع الهاتف المحمول لإخطار الجيش الإسرائيلي عند دخول الأشخاص المصنفين كأهداف عسكرية موقعًا محددًا، وهو غالبًا ما يكون منزل عائلة المستهدف‏[61]. ويعمل النظام على تتبّع الأفراد الذين يُصنّفهم برنامج «لافندر» كأهداف. ويحدّد النظام بدقة متى يعود هؤلاء الأفراد إلى منازل عائلاتهم، حيث تُنفّذ الغارات الجوية. ويساعد النظام على توجيه عمليات القصف، مُستهدفًا أساسًا المُشتبه بهم في منازلهم، وهو ما يُسفر غالبًا عن سقوط ضحايا من المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال. يُركّز النظام على تتبّع الأهداف خلال لحظات نشاطهم الشخصي، كوجودهم مع عائلاتهم، بدلًا من التركيز على العمليات العسكرية‏[62].

ب -افتقار برامج الذكاء الاصطناعي إلى الدقةَ: تفسير
ارتفاع أعداد الضحايا من المدنيين

أُثير الكثير من التساؤلات من جانب المراقبين حول مدى دقة البرامج آنفة الذكر في تحديد الأهداف العسكرية، ولا سيَّما مع الكمِّ الهائل من الضربات العسكرية التي أودت بحياة عدد مهول من الضحايا المدنيين، حيث تشير التقديرات، إلى أنه خلال الأيام الخمسة الأولى من وقوع الحرب، تم إلقاء نحو 6000 طن على القطاع، بواقع أربعة آلاف طن من المتفجرات‏[63].

تشير التقارير والتحقيقات المختلفة في هذا الإطار، إلى افتقار أنظمة الذكاء الاصطناعي تلك إلى الدقة المطلوبة في تحديد الأهداف، الأمر الذي يؤدي بالتأكيد إلى وقوع ضحايا مدنيين نتيجة للبيانات الخاطئة التي قد توفرها تلك الأنظمة. على سبيل المثال، عند حدوث خلل أنظمة الاستهداف، فإن أحد المخاوف الرئيسية هو أن هذه الأنظمة مبنية ومُدربة على بيانات خاطئة. ووفقًا لتحقيق مجلة +972، تضمنت بيانات التدريب المُدخلة إلى النظام معلومات عن موظفين غير مقاتلين في حكومة حماس في غزة، وهو ما أدى إلى أن يُحدد نظام «لافندر»، من طريق الخطأ، أفرادًا لديهم أنماط تواصل أو سلوك مشابهة لأنماط نشطاء حماس المعروفين كأهداف. شمل ذلك أفرادًا من الشرطة والدفاع المدني، وأقارب نشطاء، وحتى أفرادًا يحملون أسماء نشطاء حماس أنفسهم. وكما ذكرت المجلة، على الرغم من أن نظام «لافندر» كان لديه معدل خطأ بنسبة 10 بالمئة عند تحديد انتماء الفرد إلى حماس، فإن جيش الدفاع الإسرائيلي حصل على موافقة شاملة لاعتماد قوائم القتل الخاصة به تلقائيًا «كما لو كان قرارًا بشريًا». كما أفاد الجنود في هذا الصدد بعدم إلزامهم التحقق بدقة، أو على نحو مستقل، من دقة مخرجات «لافندر» أو من مصادر بياناته الاستخباراتية، بل كان الفحص الإلزامي الوحيد قبل الموافقة على القصف هو التأكد من أن الهدف المحدد رجل، وهو ما كان يستغرق نحو 20 ثانية فقط‏[64]. العامل الآخر للقول بعد دقة تلك الأنظمة، هو أن البيانات الخاصة بموقع الهاتف المحمول ليست دقيقة بما يكفي لتحديد وجود شخص معين في مكان ما في وقت محدد، وقد تؤدي إلى أخطاء قاتلة إذا استُخدمت للإبلاغ عن هجمات عسكرية. ذلك أن الهاتف المحمول ليس بديلًا موثوقًا به عن هدف بشري، إذ قد يغيّر الأشخاص، وبخاصة في مناطق النزاع، أرقامهم أو أجهزتهم أثناء حالات الطوارئ‏[65]. وأخيرًا، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخوارزمية الأخرى، من حيث التصميم، لا تسمح بالتحقق أو عرض عملية اتخاذ القرارات أو كيفية توليد المخرجات، كما أنها تفتقر إلى الوثائق التي تدعم تحميل المسؤولية للأطراف المعنية. وبالتالي، فإن البيانات الخاطئة تعني نتائج خاطئة، أي أنه إذا تم بناء نظام رقمي على بيانات غير دقيقة، أو قديمة، أو غير مكتملة، فإن المخرجات ستكون معيبة وخاطئة أيضًا. لهذا السبب، حذَّر الخبراء من عملية «تحيُّز الأتمتة» (Automation Bias)، أي التحيز المفرط في الثقة بمخرجات الأدوات الرقمية، اعتقادًا بأنها أكثر حياديةً من البشر‏[66].

ج -تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتهاك قواعد
القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني

إضافة إلى الخطر المتمثل باحتمال عدم دقة أنظمة الاستهداف التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تطفو معضلة أخرى على السطح، تتعلق بمدى انطباق استخدام تلك الأنظمة مع المعايير الأخلاقية الدولية، ولا سيَّما مع كل من القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، إضافة إلى الحقوق الأساسية للإنسان. وبحسب منظمة هيومان رايتس واتش، فإن الأدوات الرقمية، حتى لو لم تكن أسلحة عسكرية، يجب أن تخضع عند استخدامها في العمليات العسكرية لقيود القانون الدولي الإنساني. وكما أشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، «يجب استخدام أي تقنية حربية جديدة، وأن تكون قابلة للاستخدام، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي الإنساني السارية»‏[67]. إلا أن هذه القاعدة لا تبدو منطبقة في حالة الأنظمة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي. على سبيل المثال، فإن أنظمة الأسلحة الفتاكة الذاتية التشغيل (لاوس) والأسلحة شبه الذاتية التشغيل (Semi‑Laws) قد دينت من جانب الأمم المتحدة بوصفها «غير مقبولة سياسيًا ومرفوضة أخلاقيًا»، كما أن ثمة دعوات متزايدة إلى حظرها‏[68].

في السياق نفسه، فإن استخدام أنظمة التعرف إلى الوجه وأنظمة المراقبة البيومترية، من شأنه هو الآخر أن يثير تساؤلات حول مدى توافق ذلك الاستخدام مع مقتضيات حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، ولا سيَّما أن عملية جمع المعلومات التي تتم من طريق تلك الأنظمة تتم من دون موافقة الأشخاص الذين يتم جمع معلومات عنهم. في الحصيلة، فإن استخدام أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل «لافندر»، يثير جدلًا حادًا حول مدى توافقها مع القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، ولا سيَّما مع مبدأي «التمييز» و«التناسب»، على النحو الآتي:

(1) مبدأ التمييز: حيث يلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المقاتلين والمدنيين، إلا أن الأخطاء التي ارتكبها «لافندر» والعدد الكبير من الضحايا المدنيين تشير إلى انتهاكات محتملة لهذا المبدأ.

(2) مبدأ التناسب: حيث يحظر القانون الإنساني الدولي الهجمات التي قد تسبب أضرارًا مفرطة للمدنيين مقارنة بالمكاسب العسكرية المتوقعة، وهو ما قد يكون قد تم خرقه على نحوٍ متكرر في هذا السياق.

3 -توظيف أنظمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتعقُّب الفلسطينيين وإضعاف دور المقاومة في الضفة الغربية

لا يقتصر استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي من أجل تعقُّب المواطنين على قطاع غزة فحسب، بل إن استخدام تلك الأنظمة من جانب إسرائيل بات شائعًا في الضفة الغربية كذلك، الأمر الذي أصبح يثير مخاوف منظمات حقوق الإنسان. وقد أفادت صحيفة الغارديان أن إسرائيل طورت أنظمة جديدة للتعرف إلى الوجوه ووسعت نطاق مراقبتها الفلسطينيين منذ بداية حرب غزة. وفي ما يأتي، ندرج تلخيصًا لأبرز أنظمة الذكاء الاصطناعي التي توظفها إسرائيل في الضفة الغربية:

أ – أنظمة التعرف إلى الوجه والمراقبة البيومترية

تستخدم السلطات الإسرائيلية تقنية التعرف إلى الوجوه في الضفة الغربية لبناء قاعدة بيانات ضخمة للفلسطينيين، تُستخدم بعد ذلك لتقييد حرية التنقل وتنفيذ عمليات مراقبة جماعية‏[69]. والجدير بالذكر أن هذه التكنولوجيا تسجل معلومات عن الأشخاص في نظام المراقبة من دون معرفتهم أو الحصول على موافقتهم بالضرورة. وبحسب منظمة العفو الدولية، فإن ثمة ثلاثة أنظمة للتعرف إلى الوجوه معروفة حتى الآن، وهي أنظمة «الذئب الأحمر»، و«الذئب الأزرق»، و«قطيع الذئاب». وتسجل قواعد البيانات والأدوات هذه بيانات الفلسطينيين حصًرا وتُستخدم لتحديد إمكان دخول الأفراد الفلسطينيين أحياءهم وأماكن أخرى أو خروجهم منها‏[70]. تنتشر تلك الأنظمة بوجه خاص في مدينتي القدس والخليل. يعَدّ نظام «الذئب الأحمر» الأحدث والأكثر انتشارًا، ولا سيَّما في مدينة الخليل. ويعَدّ النظام جزءًا من شبكة مراقبة متنامية باستمرار، تُرسخ سيطرة الحكومة الإسرائيلية على الفلسطينيين، وهو ما يُسهم في الحفاظ على نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. ينتشر «الذئب الأحمر» عند نقاط التفتيش العسكرية في مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة، حيث يقوم بمسح وجوه الفلسطينيين وإضافتها إلى قواعد بيانات مراقبة واسعة النطاق من دون موافقتهم‏[71]. كما يعمل هذا النظام على احتجاز الأفراد الذين يمرون عبر نقاط التفتيش داخل البوابة الدوارة، حيث تفحص الكاميرات وجوههم، وتُعرض صورهم على الشاشة. يُعطى الجندي الذي يُشغّل النظام مؤشرًا ضوئيًا من ثلاثة ألوان، إما أحمر، وإما أصفر، وإما أخضر. إذا كان اللون المعطى أحمر، فلن يتمكن الفلسطيني من العبور‏[72].

ب – نموذج اللغة المطور من جانب وحدة 8200

طوّرت الوحدة الإسرائيلية 8200 أخيرًا نموذج ذكاء اصطناعي متقدم، مشابه لـ ChatGPT، وهو نموذج مُدرَّب على مليارات الكلمات باللهجة العربية المحكية، باستخدام كميات هائلة من المحادثات اليومية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة. يهدف هذا النموذج إلى مساعدة ضباط الاستخبارات في معالجة المعلومات بسرعة والإجابة عن استفساراتهم حول الأفراد المستهدفين. تُثير هذه الخطوة مخاوف أخلاقية في شأن انتهاك الخصوصية وتعزيز السيطرة على السكان الفلسطينيين، حيث يُستغل الذكاء الاصطناعي لزيادة المراقبة والاعتقالات بناءً على معلومات قد تكون غير دقيقة. كما يُحذّر خبراء من الاعتماد المفرط على هذه النماذج، نظرًا إلى إمكان حدوث أخطاء أو «هلوسات» في النتائج، وهو ما قد يؤدي إلى تجريم أبرياء‏[73].

خاتمة

«أما فلسطين، فهي وطننا التاريخي الذي لا تُمحى ذكراه. إن اسم فلسطين في حد ذاته سيجتذب شعبنا بقوة ذات فعالية رائعة… فيا إخواننا اليهود، هذه هي أرض الميعاد! لا أسطورة هي ولا هي خدعة. وكل إنسان يستطيع أن يختبر حقيقتها بنفسه، لأن كل إنسان سيحمل معه قطعة من أرض الميعاد: بعضها في رأسه، وبعضها بين ذراعيه، وبعضها في ملكيته المكتسبة».

هذا ما قاله عرّاب الحركة الصهيونية وقائدها الأبرز ثيودور هرتزل في كتابه دولة اليهود، الذي يتحدث فيه عن فكرة استعادة الدولة اليهودية ويدافع عن إقامة تلك الدولة في «أرض الميعاد»، وهي أرض فلسطين‏[74]. ولا يختلف هذا الخطاب الاستعماري المحض عن الخطاب الاستعماري لمختلف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ إقامة «دولة إسرائيل» عام 1948 إلى يومنا هذا، بل إن الخطابين يدوران في فلك واحد، ألا وهو تكريس النظام الكولونيالي من أجل الوصول إلى الهدف الاستعماري الأبرز الذي وضعت له الصهيونية حجر الأساس، وعملت على تنفيذه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ألا وهو هدف السيطرة على الأرض.

إن هذا الهدف المتمثل بالسيطرة على الأرض، يتطلب بلا أدنى شك تكريس النظام الكولونيالي وفرض الهيمنة الاستعمارية على السكان الفلسطينيين الأصليين بكل السبل المتاحة. وفي طبيعة الحال، عملت الحكومات الإسرائيلية المختلفة، وعلى رأسها حكومة أقصى اليمين الحالية بزعامة بنيامين نتنياهو على تكريس النظام الكولونيالي وفرض الهيمنة الاستعمارية على الفلسطينيين بغية الوصول إلى الهدف الأسمى، وذلك من خلال مجموعة من الوسائل الاستعمارية التي تتسق مع الأيديولوجيا الصهيونية، ولا سيَّما مع تيار الصهيونية الدينية المتشدد، حيث تمثلت تلك الوسائل على نحو أساسي في إنكار وجود الشعب الفلسطيني الأصلي، وفي محاولة إقصائه بسبل شتى، إضافة إلى العمل على حسم الصراع معه بدلًا من محاولة إيجاد حل عادل ومنطقي لذلك الصراع.

من هنا، وجدت إسرائيل في التطور التكنولوجي غير المسبوق فرصة سانحة من أجل نفي الفلسطيني الأصلي وإقصائه وقمعه، في سبيل تكريس السيطرة على مزيد من الأرض. ومن أجل هذا الغرض، عكفت إسرائيل على مدار السنوات القليلة الماضية، بصورة غير مسبوقة، على إنشاء وتطوير البرامج العسكرية فائقة التطور بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مدعومة بكوكبة من الخبرات المحلية في هذا المجال، إضافة إلى الخبرات التي عملت الكثير من الشركات العالمية (مثل غوغل) على توفيرها لإسرائيل.

في الحصيلة، أدت تلك التقنيات المستخدمة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى تكريس منظومة كاملة من الهيمنة والرقابة على الفلسطينيين، الأمر الذي انعكس سلبًا على مقاومة ومقارعة المحتل. ونتيجة لذلك، مهد الذكاء الاصطناعي نحو المزيد من السيطرة على الأرض واقتلاعها لصالح المستوطن اليهودي، حتى باتت إسرائيل تتصرف وكأنها المالك الأوحد للأرض بلا منازع.

كتب ذات صلة:

زمن الذكاء الاصطناعي: حوار ساخن بين إنسان آلي وإنسان عضوي

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 565 في آذار/مارس 2026.

مجلة المستقبل العربي العدد 565 آذار/مارس 2026

إسلام عبد الجبار: باحث في الشؤون الدولية والسياسية من مدينة القدس – فلسطين.

حقوق الصورة لوكالة رويترز.

[1]المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، «الصهيونية،» موسوعة المصطلحات، <https://tinyurl.com/376s2msz>.

[2] سونيا بولس، «تفكيك الاستعمار ما بعد غزة: الاعتراف بالدولة الفلسطينية مقابل الاعتراف بحق تقرير المصير،» قضايا إسرائيلية، العدد 95 (2024)، ص 11، <https://tinyurl.com/ypexkkm8>.

[3] مصطفى البرغوثي، «لا تضيعوا البوصلة في فهم الصراع مع الحركة الصهيونية،» العربي الجديد، 23/2/2025،       <https://tinyurl.com/575e5d8s>.

[4] وليد حباس، الخطاب الاستيطاني – التوراتي تجاه الضفة الغربية: قراءة في خطاب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، أوراق إسرائيلية؛ العدد 83 (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2024)، ص 8،        <https://tinyurl.com/msfkfm8p>.

[5] أبرز زعماء الحركة الصهيونية، وعلى رأسهم الصحافي اليهودي (ثيودور هرتزل) لم يكونوا متدينين، بل كانوا يتبنون الفكر العلماني بصورة مطلقة. للمزيد، انظر: محمد هاشم البطاط، «الصهيونية السياسية والحداثة الغربية: محاولة تشريح العلاقة،» مركز براثا للدراسات والبحوث (بيروت؛ بغداد) (2024)، ص 16، <https://tinyurl.com/3ent3zs2>.

[6] المصدر نفسه، ص 4، والمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، «الصهيونية».

[7] البطاط، المصدر نفسه، ص 5.

[8] البرغوثي، «لا تضيعوا البوصلة في فهم الصراع مع الحركة الصهيونية».

[9] مصطلح «أرض إسرائيل» أو «آرتس إسرائيل» باللغة العبرية هو مصطلح ديني توراتي يحتل مكانة مهمة في الخطاب الديني الاستيطاني، حيث ورد المصطلح في الكتاب المقدس العبري (سفر ملوك الثاني)، ويشير إلى الأرض التي وعد الله بها نسل النبي يعقوب عليه السلام، وتشمل تلك الأرض إضافة إلى فلسطين، أجزاءَ من جنوب لبنان وغرب الأردن وسورية. انظر: مركز «روسنيج» للتربية والحوار، «أرض إسرائيل،» <https://tinyurl.com/mrxkrhha>.

[10] البطاط، «الصهيونية السياسية والحداثة الغربية: محاولة تشريح العلاقة،» ص 16.

[11] حباس، الخطاب الاستيطاني – التوراتي تجاه الضفة الغربية: قراءة في خطاب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، ص 29.

[12] لورينزو فيراسيني، «الاستعمار الاستيطاني والمجتمع المناهض لمعاداة السامية في ألمانيا،» قضايا إسرائيلية، العدد 95 (2024)، ص 74،       <https://tinyurl.com/3ud3j5yp>.

[13] أحمد أبو غوش، «نظام إسرائيل: استعمار إحلالي، تمييز عنصري، واحتلال عسكري،» حق العودة، العددان 32 – 33 (2009)، ص 11،       <https://tinyurl.com/9bh5j2c8>.

[14] رائف زريق، «إسرائيل خلفية أيديولوجية وتاريخية،» في: كتاب دليل إسرائيل العام 2020، تحرير منير فخر الدين [وآخرون] (رام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2021)، ص 15 – 16، <https://tinyurl.com/​52​xk​ht3w>.

[15] أحمد أمارة، استدارة المستوطنة من تلال الضفة إلى مدن الساحل: حالة الأنوية التوراتية (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2024)، ص 5 – 6.

[16] المصدر نفسه، ص 7. بعد عام 1967، بدأت الصهيونية الدينية بالتحول من تيار هامشي إلى تيار محوري في السياسة الإسرائيلية. يرجع ذلك إلى التحولات العميقة التي شهدتها الحياة السياسية في إسرائيل آنذاك، وعلى رأسها الصعود التاريخي الذي حققته الأحزاب اليمينة على حساب الأحزاب اليسارية العلمانية في إسرائيل إبّان السبعينيات، إضافة إلى توقيع إسرائيل اتفاقيات السلام مع كل من مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي رأت فيه التيارات الدينية المتشددة في إسرائيل «تخريبًا» للمشروع الاستيطاني الخلاصي، وهو ما دفعها إلى تبني أيديولوجيا أكثر تشددًا، تتمثل بتكثيف جهود الاستيطان من أجل استعادة الأرض. انظر: المصدر نفسه، ص 12 و36.

[17] حباس، الخطاب الاستيطاني – التوراتي تجاه الضفة الغربية: قراءة في خطاب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، ص 7.

[18] أمارة، استدارة المستوطنة من تلال الضفة إلى مدن الساحل: حالة الأنوية التوراتية، ص 35 – 37.

[19] حباس، المصدر نفسه، ص 29.

[20] أمارة، المصدر نفسه، ص 26.

[21] المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) ودائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، إسقاطات تشكيل الحكومة الإسرائيلية الـ 37 وخطوطها العريضة على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من منظور القانون الدولي (رام الله: مركز مدار، 2023)، ص 4،       <https://tinyurl.com/4c3yk755>.

[22] حباس، الخطاب الاستيطاني – التوراتي تجاه الضفة الغربية: قراءة في خطاب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، ص 10.

[23] UN Human Rights, Office of the High Commissioner, «Israel Ramps up Settlement and Annexation in West Bank with Dire Human Rights Consequences,» Press Release, 18 March 2025, <https://tinyurl.com/2s3rzp6c>.

[24] UN Human Rights Council, Report of the United Nations High Commissioner for Human Rights on «Israeli settlements in the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and in the occupied Syrian Golan» United Nations, Geneva, 2025, p. 6, <https://tinyurl.com/2x8vprtf>.

[25] Peace Now, «Advancement of 1,344 housing units in the West Bank,» Peace Now (21 March 2025), <https://tinyurl.com/mr9e5883>.

[26] المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) ودائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، إسقاطات تشكيل الحكومة الإسرائيلية الـ 37 وخطوطها العريضة على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من منظور القانون الدولي، ص 9،        <https://tinyurl.com/4c3yk755lv>.

[27] زريق، «إسرائيل خلفية أيديولوجية وتاريخية،» ص 17 – 18.

[28] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية – وفا، «بعد تحريضه على «محو» حوارة: سموتريتش ينكر وجود الشعب الفلسطيني،» وكالة وفا، 23 آذار/مارس 2023، <https://tinyurl.com/59mbwa7a> .

[29] Hadas Gold, «Israeli Minister Says There’s «No Such Thing as a Palestinian People», Inviting US Rebuke,» CNN, 21 March 2023, <https://tinyurl.com/mrx228up>.

[30] أمارة، استدارة المستوطنة من تلال الضفة إلى مدن الساحل: حالة الأنوية التوراتية، ص 17.

[31] ماهر الشريف، «الخلفية الفكرية لمشاريع التطهير العرقي الصهيونية،» ورقة سياسات، العدد 126 (2024)،          <https://tinyurl.com/yft5buwy>.

[32] جمال زحالقة، «خطة ترامب بين ترامب ونتنياهو،» القدس العربي، 29/1/2025، <https://tinyurl.com/mr2zfexb>.

[33] أمارة، استدارة المستوطنة من تلال الضفة إلى مدن الساحل: حالة الأنوية التوراتية، ص 16.

[34] للمزيد حول الخطة، انظر: المصدر نفسه، ص 20 وما بعدها.

[35] جميل هلال، «هزيمة الأنظمة وصعود المقاومة،» مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 3 تموز/يوليو 2017،    <https://tinyurl.com/4k5sj7ut>.

[36] ماهر الشريف، «حزيران 1967 وتطور حركة المقاومة الفلسطينية،» مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 3 تموز/يوليو 2017،       <https://tinyurl.com/mrxwmp2s>.

[37] أنطوان شلحت، «شمال الضفة الغربية في مرمى استراتيجيا إسرائيلية جديدة: من يتصرّف كما تصرفت غزة يجب أن يصبح مثل غزة،» المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 3 آذار/مارس 2025، <https://tinyurl.com/3ek98j6w>.

[38] ياسر مناع، «ما هي الأهداف الكامنة وراء الحرب الإسرائيلية على المخيمات في الضفة الغربية؟،» المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 17 شباط/فبراير 2025، <https://tinyurl.com/3esvt2an>.

[39] شاي ألون، «انتهت اللعبة: عملية الجدار الحديدي يجب أن تصبح عملية حاسمة شاملة،» موقع واللا العبري، 4 شباط/فبراير 2025،       <https://tinyurl.com/a3jk58d5>.

[40] ياسر مناع، «من عقيدة الضاحية إلى عقيدة جباليا: ما الجديد في الهجوم الإسرائيلي على شمال قطاع غزة؟،» المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 20 كانون الثاني/يناير 2025، <https://tinyurl.com/2y5n69sr>.

[41] المصدر نفسه.

[42] Francesca Albanese, «From Economy of Occupation to Economy of Genocide: Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967,» UN Doc A/HRC/59/23 (16 June 2025), pp. 6-10, <https://tinyurl.com/wmfw64u3>.

[43] Yuval Abraham, «Lavender: The AI Machine Directing Israel’s Bombing Spree in Gaza,» +972Magazine (3April 2024), <https://tinyurl.com/5n7p9t67>.

[44] Marwa Fatafta and Daniel Leufer, «Artificial Genocidal Intelligence: How Israel Is Automating Human Rights Abuses and War Crimes,» Access Now (9 May 2024), <https://tinyurl.com/3ezxhxrb>.

[45] Human Rights Watch, «Questions and Answers: Israeli Military’s Use of Digital Tools in Gaza,» Human Rights Watch, 10 September 2024, <https://tinyurl.com/bdhk2295>.

[46] Elizabeth Dwoskin, «Israel Built an «AI Factory» for War. It Unleashed it in Gaza,» The Washington Post, 29/12/2024, <https://tinyurl.com/4kvwhckr>.

[47] Beril Çanakcı, «Israel’s AI System Used in Gaza Attacks Has Decades of History: Report,» Anadolu Agency, 30 December 2024, <https://tinyurl.com/3ak57cpx>.

[48]   Dwoskin, Ibid.

[49] Yasmeen Serhan, «How Israel Uses AI in Gaza-And What It Might Mean for the Future of Warfare,» The Time Magazine, 18 December 2024, <https://tinyurl.com/mv69ykvd>.

[50]   Ibid.

[51]   Ibid.

[52]   Dwoskin, Ibid.

[53] الحرة، «8200.. حقائق عن الوحدة الاستخباراتية الأهم في الجيش الإسرائيلي،» الحرة، 13 أيلول/سبتمبر 2024،       <https://tinyurl.com/5yv427zs>.

[54] المصدر نفسه.

[55] Reuters, «What is Israel’s Secretive Cyber Warfare Unit 8200,» Reuters, 18 September 2024, <https://tinyurl.com/4ap3avsh>.

[56] Fatafta and Leufer, «Artificial Genocidal Intelligence: How Israel Is Automating Human Rights Abuses and War Crimes».

[57]   Abraham, «Lavender: The AI Machine Directing Israel’s Bombing Spree in Gaza».

[58] Human Rights Watch, «Questions and Answers: Israeli Military’s Use of Digital Tools in Gaza».

[59] Yuval Abraham, ««A Mass Assassination Factory»: Inside Israel’s Calculated Bombing of Gaza,» +972 Magazine (30 November 2023), <https://tinyurl.com/53789cms>.

[60] Human Rights Watch, «Questions and Answers: Israeli Military’s Use of Digital Tools in Gaza».

[61] Ibid., and Elke Schwarz, «Gaza War: Israel Using AI to Identify Human Targets Raising Fears That Innocents are Being Caught in the Net,» Queen Mary University of London (17 April 2024), <https://tinyurl.com/j6tphfwh>.

[62]   Abraham, «Lavender: The AI Machine Directing Israel’s Bombing Spree in Gaza».

[63]   Abraham, ««A Mass Assassination Factory»: Inside Israel’s Calculated Bombing of Gaza».

[64] Fatafta and Leufer, «Artificial Genocidal Intelligence: How Israel Is Automating Human Rights Abuses and War Crimes».

[65] Human Rights Watch, «Questions and Answers: Israeli Military’s Use of Digital Tools in Gaza».

[66]   Ibid.

[67]   Ibid.

[68] Fatafta and Leufer, «Artificial Genocidal Intelligence: How Israel Is Automating Human Rights Abuses and War Crimes».

[69] Nick Robins-Early, «How Israel Uses Facial-recognition Systems in Gaza and Beyond,» The Guardian, 19/4/2024, <https://tinyurl.com/4ypcmfuw>.

[70] Amnesty International, «Israel and Occupied Palestinian Territories: Automated Apartheid: How Facial Recognition Fragments, Segregates and Controls Palestinians in the OPT,» Amnesty International, 2 May 2023, <https://tinyurl.com/mv5w99sb>.

[71] Amnesty International, «Israel/OPT: Israeli Authorities Are Using Facial Recognition Technology to Entrench Apartheid,» Amnesty International, 2 May 2023, <https://tinyurl.com/y5unndkc>.

[72]   Robins-Early, «How Israel Uses Facial-recognition Systems in Gaza and Beyond».

[73] يوفال أبراهام، «بغية المزيد من السيطرة على حياة الفلسطينيين: وحدة 8200 تبني بواسطة الذكاء الاصطناعي «نموذج لغة مؤلف من مليارات الكلمات بالعربية المحكيّة»!،» ترجمة هشام نفاع، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 10 آذار/مارس 2025،       <https://tinyurl.com/ykdw4ftd>.

[74] ثيودور هرتزل، دولة اليهود، ترجمة هاني الهندي (عمّان: دار البيروني، 2015).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز