بعد سقوط النظام السوري وتحوُّل ماجريات الأحداث في البلاد، يجد السوريون أنفسهم أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحديات الكبرى، أبرزها إعادة إعمار سورية. ورغم أن هذه المهمة كانت حاضرة في الوعود السياسية من جانب الأطراف المختلفة، إلا أن الواقع يشير إلى أن التكاليف المتوقعة لهذه العملية تفوق كثيرًا القدرة المالية والإدارية للحكومة الجديدة.

لم تعد قضية إعادة البناء مجرَّد مسألة استعادة البنية التحتية أو ترميم المدن التي دمرتها الحرب، بل أصبحت تتداخل مع تساؤلات أعمق تتعلق بالشرعية السياسية، والقدرة على استعادة الثقة المحلية والدولية. وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة، وانخفاض قيمة الليرة السورية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق العالمية بسبب العقوبات، تصبح التحديات الاقتصادية أكبر من مجرد توفير التمويل اللازم. فالعقوبات الغربية على سورية، وبخاصة بعد محاولات النظام الاستمرار في سياسات القمع، فرضت حصارًا اقتصاديًا مدمرًا جعل من إعادة الإعمار أمرًا شبه مستحيل.

أولًا: إحصاءات دولية

وفقًا لتقرير البنك الدولي الصادر في عام 2017، تعرضت أكثر من ثلث المساكن في سورية للأضرار، كما تم تدمير أو تضرًّر نحو نصف المنشآت التعليمية والطبية في مختلف المناطق المتأثرة بالنزاع. أثر هذا التدمير الشامل أكثر فأكثر في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين في مجالات الصحة والتعليم.

تشير التقديرات إلى أن الخسائر الاقتصادية الناتجة من الحرب راوحت بين 226 – 250 مليار دولار، أي ما يعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسورية في عام 2010، حيث إنه قبل عام 2011، كان الناتج المحلي الإجمالي السوري يبلغ نحو 60 مليار دولار سنويًا.

يكشف التباين الهائل بين الناتج المحلي الإجمالي السابق وتكاليف إعادة الإعمار عن فجوة اقتصادية عميقة تتطلب حلولًا غير تقليدية. إذ لا يمكن لسورية الاعتماد على مواردها الذاتية المحدودة لتغطية هذه التكاليف، وهو ما يجعل الحاجة إلى استثمارات خارجية ودعم دولي أمرًا حتميًا. ولكن تحقيق ذلك يتطلب توفير بيئة مستقرة سياسيًا وآمنة اقتصاديًا، وهو ما يمثل تحدِّيًا إضافيًا بالنظر إلى الوضع الحالي.

على المدى الطويل، سيكون نجاح عملية إعادة الإعمار مرهونًا بقدرة البلاد على تأمين مصادر تمويل مستدامة، سواء عبر شراكات دولية أو إصلاحات هيكلية جذرية تعيد هيكلة الاقتصاد على نحو يواكب متطلبات المرحلة. من دون ذلك، ستبقى الفجوة بين تكاليف إعادة الإعمار والإمكانيات الاقتصادية عائقًا رئيسيًا أمام تحقيق التعافي الكامل لسورية.

شملت هذه الخسائر تدميرًا واسعًا للبنية التحتية المادية، إضافة إلى انهيار قطاعات اقتصادية أساسية مثل الزراعة والصناعة والنقل. في الوقت نفسه، بلغ تأثير الحرب في قطاع الإسكان أوجَهُ، حيث قُدر أن ما يقرب من 40 بالمئة من المنازل قد تضررت أو دمرت بالكامل. إضافة إلى ذلك، بلغ عدد المباني التي تضررت أو دُمرت في مختلف أنحاء البلاد أكثر من 200,000 مبنى، وهو ما يشمل المساكن والمنشآت. هذا الحجم الهائل من الأضرار يعقِّد كثيرًا أي جهود لإعادة الإعمار، حيث تتطلب هذه العملية استثمارات ضخمة وجهودًا متكاملة.

من الناحية الاقتصادية، أشار تقرير البنك الدولي إلى أن الخسائر الناتجة من تدمير البنية التحتية المادية وحدها تمثل نحو 68 بالمئة من إجمالي الأضرار التي لحقت بالبلاد. تشمل هذه الخسائر شبكات الكهرباء والمياه، وشبكات الطرق، والمنشآت الحكومية والمرافق العامة.

أصبحت عملية إعادة الإعمار مهمة معقَّدة تتطلب تدخلات محلية ودولية منسقة تنسيقًا جيدًا، مع ضرورة وجود إصلاحات سياسية لضمان تحفيز الدعم الدولي. شهدت سورية أيضًا، وفقًا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر عام 2022، انخفاضًا بنسبة 16 بالمئة في قيمة مؤشر التنمية البشرية بين عامَي 2010 و2022، وهو ما يعادل خسارة 35 عامًا من التنمية. كما انخفض ترتيبها العالمي من 117 في عام 2010 إلى 157 في عام 2022. إضافة إلى ذلك، قدرت الأمم المتحدة في عام 2018 تكلفة الدمار في سورية بنحو 388 مليار دولار، وهو ما يمثل حجم الدمار في رأس المال المادي وتوزعه القطاعي. تُظهر هذه الإحصاءات حجم الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية في سورية، وهو ما يضع تحديات هائلة أمام جهود إعادة الإعمار.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 556 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 556 حزيران/يونيو 2025

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 556 في حزيران/يونيو 2025.

سعد الدالاتي: مدوّن وصحافي.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز