مقدمة

شهد العالم في السنوات الأخيرة تناميًا في مستويات المخاطر المائية التي تهدد أمن الإنسان واستقراره. من هذه المخاطر ما يتصل بالوفرة في المياه كالفيضانات، ومنها ما يرتبط بالندرة كالجفاف والصراعات على الموارد المائية، التي تسهم أكثر فأكثر في تغذية مظاهر التشرد الداخلي والهجرة الدولية، بحيث تشتد الحاجات اليومية المتنامية إلى المياه، ونقص الإمدادات والموارد من تفاقم مظاهر الهجرة سواءٌ داخليًا أو خارجيًا في سبيل البقاء في قيد الحياة، ويمكن أن تغذي هذه الحركة مظاهر الصراع وتؤججه.

يمكن إجمال الهجرة في علاقتها بالماء في مجموعة أنماط، هي التباين في كميات المياه، والمخاطر المدمرة للمياه والظواهر المتطرفة، والاضطرابات المادية في شبكات المياه، وتلوث المياه، وهي عوامل متعددة الأوجه تؤثر في سبل عيش السكان وقراراتهم بالهجرة. فمن حيث التباين في كمية المياه، على سبيل المثال، قد تؤدي التقلبات في مستوى هطول الأمطار بفعل تغيُّر المناخ إلى خلق تباين في حجم الموارد المائية بين مختلف المناطق بحيث يمثل حافزًا قويًّا للهجرة. ويرى أولرش بيك (Ulrich Beck) أن المجتمعات الحديثة تتسم بتعدد المخاطر سواء على المستوى الجماعي أو على المستوى الفردي‏[1]؛ فالمجتمع في نظره أضحى محفوفًا بالمخاطر‏[2]. ويرى بيك أن واقع اليوم يتميز بحداثة انعكاسية تمتاز بمجتمع مخاطرة ينتج المخاطر بدل المنافع‏[3]، ومن ثم تُعد المخاطر النظامية‏[4] من مفرزات المجتمع، إذ إن تنامي الصناعة يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل بتغيُّر المناخ فيسهم في تنامي ظاهرة الجفاف، ومن ثم تحفيز المجتمعات على الهجرة.

من جهة أخرى، هناك علاقة جدلية بين ندرة المياه والصراع، فيمكن المخاطر المائية أن تسبب الصراع، والضد صحيح. ولا تخرج المنطقة العربية عن هذا السياق، فهي تعاني ندرةً في الموارد المائية، وكذلك تنامي ظاهرة الهجرة والصراعات وبخاصة المسلحة.

وبذلك تكمن أهمية هذا الموضوع في كونه إشكالية قائمة تكتسي طابع الراهنية، وتتداخل فيها مجموعة من الرهانات التي أضحت تؤرق العالم، وبخاصة البلدان العربية، ومن ثم كان لا بد من دراسة التطورات الجارية، وملامسة الصعوبات المرتبطة بها، وتقديم قراءات مستقبلية في هذا الصدد. ومنه تصبو الدراسة إلى تبيان إلى أي حد تؤثر مخاطر ندرة المياه والجفاف في الهجرة والصراع في البلدان العربية؟

وسيتم تحقيق هذه الغاية البحثية وفق مجهود وصفي يستند إلى مجموعة من البيانات والتقارير الرسمية والدراسات المتخصصة. وكذلك الاستعانة بمداخل نظرية مهمة للتفسير، بغية فهم ظاهرة الجفاف وندرة المياه وارتباطها بالهجرة والصراع، بدايةً بالتحليل الثقافي للمخاطر من خلال التركيز على أفكار عالمة الأنثروبولوجيا ماري دوغلاس‏[5]، ومن ثم منظور «مجتمع المخاطرة‏[6]» لتحليل المخاطر بالتركيز على أفكار أولريش بيك.

سنتطرق بدايةً إلى واقع الجفاف وندرة المياه في البلدان العربية في المبحث الأول، على أساس أن يترك المبحث الثاني لإبراز تأثير الجفاف وندرة المياه في الهجرة والصراع في المنطقة. وفي الثالث سنتناول مستقبل الهجرة والصراع في ظل استفحال الجفاف وندرة المياه في البلدان العربية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 563 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 563 كانون الثاني/يناير 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 563 كانون الثاني/يناير 2026.

محمد مرزوق: باحث في العلاقات الدولية ودراسات البيئية، مراكش – المغرب.

منى دلوح: باحثة في العلاقات الدولية وقضايا الهجرة وحقوق الإنسان، طنجة – المغرب.

حقوق الصورة لـ Delil SOULEIMAN/وكالة الصحافة الفرنسية.

[1] Michael Moran, Martin Rein, and Robert E. Goodin, eds., The Oxford Handbook of Public Policy (Oxford: Oxford University Press, [2008]), p. 15.

[2]         Deborah Lupton, Risk, Key Ideas, 2nd ed. (New York: Routledge, 2013), pp. 78-79.

[3]         Ibid., p. 86.

[4] المخاطر النظامية هي مخاطر داخلية أو مضمنة في نظام لا يُعَدُّ في حد ذاته خطرًا وبالتالي لا تتم متابعته أو إدارته بوجه عام، ولكنها تفهم من خلال تحليل أنظمة تنطوي على مخاطر كامنة أو تراكمية يحتمل أن تؤثر تأثيرًا سلبيًا في الأداء الكلي للنظام عند تغيير بعض خصائص النظام. للمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على: مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (UNDRR)، GAR تقرير التقييم العالمي بشأن الحد من مخاطر الكوارث لعام 2019 (جنيف: UNDRR، 2019)، ص 35 – 69.

[5] Mary Douglas and Aaron Wildavsky, Risk and Culture: An Essay on the Selection of Techno­logical and Environmental Dangers (Berkeley, CA: University of California Press, 1982).

[6] أولريش بيك، مجتمع المخاطرة، ترجمة جورج كتورة وإلهام الشعراني (بيروت: المكتبة الشرقية، 2009).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز