مراجعة: عبد الرحيم البصريّ

تَعرّفَت اللغَة العربيّةُ إلى الفيلسوف الأرجنتينيّ أرنستو لاكلاَوْ (Ernesto Laclau) (1935 – 2014)، أستاذ النّظرية السياسيّة في جامعة إسكس الإنكليزية منذ سنة 1977، ورَفيقَته البلجيكية شانتال مُوف (Chantal Mouffe) حَديثًا قبلَ سَنوات قليلة لا تربو على العِقدَيْن في إشارات عابرة أو بضع مَقالاَت بالعربيّة مَعدُودَات على رُؤوس الأصابِع. وقد دخل إلى نطاق التداول العربيّ الفكرُ الفلسفيّ الذي يُمَثلانه «رَسميّا» حين نُقِل إلى العربِيّة كتابُهُما المُشتَرك المَوسُوم (Hegemony and Socialist Strategy)‏[1]، وحين صدر قبل أسابيع فقط كتاب موف في السياسيّ (On the Political)‏[2]. ويُعَد كتابُ الهيمنة والاستراتيجيا الاشتراكية الكتَابَ العُمدَة الذي يُعرّف بمشروع الفيلسُوفَيْن: إعادَةُ صوغٍ نَظريَّ لمَفهُوم الهيمَنَة، تُحَرّرَه من «المُعَوقات الإبستيمولوجيّة» التي واجهته بدءًا من لينين إلى غرامشي؛ فحَالَت دون استيعاب الامكانَات السياسيّة والنّظريَّة الجَذريَّة التي يطويها.

ويعدّ كتابُ في العقل الشعبويّ (On Populist Reason)‏[3] (2005) استثمارًا لتلك النّتائِج المَبثوثة في كتاب الهيمنة، وإعمَالًا لأدوَاتٍ نَظريّة بُسِطَت فيه في خصُوص مَوضُوعٍ سِياسيٍّ مُثيرٍ للجَدَل هو «الشعبَويَّة». لذلك لا بُد من أنّ يَترتّب عن إساءَةَ فهم الكتاب الأوّل إساءَةُ فهم الثاني ضرورةً. لقد بدأ الاهتمام بما يَعرضُه لاكلاَوْ من أنظار سياسيّة قبل عقدين من الزمن، على أقصى تقدير، وبخاصة ما يتعلق بأنظاره في مَوضُوع الشعبَويَّة؛ ورؤيته الفريدَة المبَاينَة للتوجه العامّ في النظرية السياسيّة الذي تُحَرّكه فكرَةٌ مَدَارُهَا على التّخويف والتّحقير، والارتيَاب من هذه الظاهرَة الجديدة التي باتَ العَالَمُ الحديث يَعيشُ على إيقاعهَا. وبالرغم من بَعض المُحاوَلات القليلة المَبذُولَة في سَبيل إدمَاج فِكر لاَكلاَوْ واستيعابِه في العَرَبيّة، فقد بقي دون ذلك في الحَقيقَة؛ نظرًا إلى عوائق كثيرة واضحٌ أنّ أهمّها سوءُ نقل كتابِه الرئيس الهيمَنَة والاستراتيجيا الاشتراكية إلى العربيّة، وسُوء تأويل أطروحاته في الشعبويّة؛ فقد كان لسُوء تَلَقي هذا الكتابِ أثرٌ كبير في فهم كتابِ العقل الشعبويّ.

لقد أشكَلَ على القُرّاء أمرُ هذا الكتَابِ، وما تيَسّر استكنَاهُ مَعانِيَه إلّا لجَمهَرَةٍ قليلةٍ من البَاحثين عمُومًا، والحقيقةُ أنّ العقل الشعبوي كتابٌ مُنَفِّرٌ يَتَطلّبُ صبرًا وتؤدة؛ وتَحَمّلاً لضروبٍ من الحيرَة تُخَالج المَرء وهو يَقِف على مَعانِي ما يَحمِلُه النّصّ المُستَغلق على الفَهم. وبصرفِ النّظر عَمّا اعترى الكِتَاب من إغرَاقٍ في التّجرِيد والصُّورِيّة، وإطنابٍ وتمَحّل في التّعبير أحيَانًا، لا بد أنّ وراءَ تَوَعُّر مَضامِينه سبَبًا يَعود إلى تَنَوُّعِ مَآخِذِ إطارٍ نَظرِيٍّ يُؤسِّسُ له، وتَشعُّبِ مُقاربَاتٍ نَهَلَ منهَا لاكلاَوْ وأدمَج ثمراتِهَا في ثنايَا النّص لتكون له سَنَدًا في الإبَانَة عن مَقصُوده. والحال أنّها ما زَادَتِ النّص إلا صُعوبَةً أخرى على صُعُوبَةٍ أصليّة فيه. عنَينَا بذلك ما بات يُعرَف بالنّقد ما بعد الماركسيّ، حيث تمّ تجديد النّظر في طبيعة تَكَوّن الهُوّيّاتِ السياسيّة. هكذا استلهَمَ لاكلاَوْ مُحاوَلةَ ألتوسير إعادة النظر في الفكر الماركسيّ، وقراءته من منظور بنيويّ؛ يَكشفُ عن الهَنّات والبيَاضَات، و«تَحوّل البنيَات» وعن «لاوعي الخطاب»، لكن لاكلاَوْ يَذهَبُ أبعَد من ألتوسير؛ ويروم مجاوزة مفهوم الطبَقة، والصِّرَاع الطبقيّ، ومَقُولاَت أُخرَى في التّحليل شاعَت لدَى مُفَكري اليَسَار ردحًا من الزمن، بُغيَة تَعويضِهَا بمَفهُوم الهيمنَة (غرامشي) مع تخليصه من «ماهَوِيَّتِه»، وفتحه على مستجدات النقد الأدبيّ، وكذا إغنائِه بمَفاهِيم التّحليل النفسيّ (كثرة المُحَدِّدَات، الموضوع بحرف الألف الصغير…) وبمفاهيم أخرى ابتَدعَهَا لاكْلاَوْ، كيمَا يَصِفَ بها حَرَكيّة تَشَكُّل هُويّة سياسيّة قد يَعرِضُ لها أن تَصِيرَ «شعبَويَّة» (منطق التكافؤ، منطق التَّبَايُن، الدَّوال الفَارغَة، والتَّمَفصُل… إلخ). كما يَتَأطّر فِكرُ لاَكلاَو في سِيَاقِ مَا بَعد البنيَويّة. ومعلوم أن هذا المسمى لا يشمل اتجاهًا واحدًا بقدر ما يُغطي مجموعَةً من المَواقف يريد أصحابها مساءلة المعاني القائمَة، والكشف عن الالتباسات الملازمة لكلّ مَنظُومَةٍ ظلّ ضربٌ من العقلانيّة يَحسَبُها ذات تماسك داخليٍّ، وتدور عناصرها حول مَركز ثابت. لذلك وجدنا لاكلاَو يُشير إلى دي سوسير، وفكرته المَعرُوفَة عن أهمّيّة الفُرُوق اللغويّة في تحديد بنية اللغة ذاتِهَا، واعتِبَاطيّة العَلاقَة بينَ الدَّال والمَدلُول. وكذلك يستلهم فكر ميشيل فوكو الذي كانَ ذا تأثيرٍ كبير في مَيدَان العُلوم الاجتماعية والانسانيّات بعامّة لحقبَة ليست بالهيّنة، إذ ذَاعَ بفَضلِه مَفهُومُ «الخطاب» وعُدّ تَحليلُ الخِطَاب مَنهَجًا في دراسة التّغير الاجتماعيّ والثقافيّ؛ وتبوأ مفهوم «التّشكيل الخطابِيّ» مكانة مركزية في هذا التحليل. يضاف إلى ذلك كُلّه الخلفية الفينومنولوجيّة الوَاضِحة عند لاكلاَوْ، فهو يَستَهدِف وَصفَ كيفيّة تَكوُّن الذاتِ السّياسيّة الجمَاعيّة التي تُسمّى «الشّعب»، وتَحدِيد الشُّرُوط البِنيَويّة التي تتيح إمكانها. لذلك كانَ الكلامُ في تَضاعِيفِ الكتَاب على «السياسيّ»، وعلى «المنطق السياسيّ»، وهو صنو مُصطلح «العقل الشعبَويّ»؛ أي منطق تَكوُّن الشَّعب. ولم يَكن مَدَار الكلام على السّياسَة كما تَفهَمُها العُلوم الاجتماعيّة والسياسيّة؛ بتعبير آخر، كانَ مَدَارُ الكلام على الأنطولوجيَا الاجتماعيّة حيث القصد تَحديد منطقِ الشّعبَويّة السياسيّ، وهو الذي تؤدي البَلاغَةُ فيه دورًا مَركَزِيّا؛ فهي بُنيَانُ تَركيبَة العالم الاجتماعيّ. ولم يكن الكلام في الكتاب على «العلة الشعبويّة»، كما رَأَى بَاحثٌ مَغربيّ‏[4]، وأشاع هذا الرأي بينَ قُرّاء ومُتَلَقّين كثر. هذا ناهيك بأشكال من «الخصومة» الفكرية ربطت لاكلاَوْ بنَفرٍ من أعلام الفكر المُعُاصِر (لوفور، سلافوي جيجك، هاردت ونغري… إلخ) حينما تعلق الأمر بمسألة تحديد طبيعة تكوُّن الذات السّياسيّة التحرريّة. وشروط إمكانها البنيويّة وطبيعة الفعل السياسيّ الذي تأتيه، وقضايا أخرى لها صلة بمسألة الديمقراطيّة ومفهوم التمثيل.

تتقاطَع في مشرُوع لاكلاَوْ الفكريّ مشاربُ كثيرةٌ متنوِّعَة؛ ولكنه في عمومه مشروعٌ نقديّ يحتل فيه مفهوم الهيمنة مكانة مركزيّة، وقد رأى باحثٌ مُعاصرٌ أنّ سَعيَ لاكلاَوْ إلى إعادَة تَعريف مفهوم الهيمنَة من منظور تحليل الخطاب قد جعله يَنفرِدُ بسَبْقٍ فِكريّ مفاده أنّ تَحليل الخطاب صار عنده نظريّةً سيَاسيّة، إذ كان واحدًا من أهمّ الفلاسفة الذين أعادوا كتابة تحليل الخطاب الفوكويّ بنحو أوسَع وأشمل‏[5]، حيث يستهدف من المشروع، من جهة، الابتعاد من الأطروحات الماركسيّة الكلاسيكيّة؛ ومن جهة أخرى، يَرُوم إعادة تكوين تحليل الخطاب لدى فوكو بغرض إنشاء منهج في التَحليل الخطابيّ شامل وخَالص تُستَبعَد فيه تلك العناصر غير الخطابيّة الموجودة في أعمَال ميشيل فُوكو. وما دام الكلامُ ههنا على العقل الشعبويّ، فلا يسعنا الإسهاب في بسط تفاصيل هذا المشروع النقديّ الجديد. حسبنا هنا أن نؤكد أنّ الهيمنة ليست مجرد مَقولَةٍ ذات فائدة في التحليل السياسيّ فحسب، وإنّما هي مقولة تُحَدد الأرضيّة ذاتها التي تتكون فيها علاقة سياسيّة بين البَشر. وأن العمل الفلسفي يَكمُن في تَكشِيف منطق الهيمنَة الذي يُحدِثُ انزياحَات نَظريّة في مَقولاَت النظريّة السياسية الكلاسيكية الأساسيّة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 560 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 560 تشرين الأول/ أكتوبر 2025

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 560 في تشرين الأول/أكتوبر 2025.

عبد الرحيم البصريّ: أستاذ محاضر، شعبة الفلسفة، جامعة شعيب الدكالي،
كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الجديدة – المغرب.

[1]أرنستو لاكلو وشانتال موف، الهيمنة والاستراتيجية الاشتراكية: نحو سياسة ديمقراطية راديكالية، ترجمة هيثم غالب الناهي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2016).

[2] شانتال موف، السياسي والتنازع، ترجمة وتقديم مصطفى العارف (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2024).

[3] تصدر ترجمتنا لكتاب العقل الشعبوي عن دار صفحة سبعة للنشر، شهر تموز/يوليو 2025.

[4] حسن أوريد، الشعبوية أو الخطر الداهم (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي للكتاب، 2023).

[5] Niels Åkerstrøm Andersen, Discursive Analytical Strategies Understanding Foucault, Koselleck, Laclau, Luhmann (Cambridge, Uk: The Policy Press, 2003), p. 49.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز