تؤثر الطريقة التي ينشأ بها الحزب في مآلات تطوره، وكيفية تفاعله مع الفاعلين السياسيين الآخرين من حوله‏[1].

تركز هذه الدراسة على بحث نمط خاص من الأحزاب السياسية، وهي تلك الأحزاب التي نشأت بمبادرة من حركات اجتماعية. ويقصد هنا الحركة الاجتماعية بمفهومها الواسع الذي يتضمَّن تجمُّعًا من الأفراد يهدف إلى تحقيق أغراض معيَّنة.

من هنا تتمثل المشكلة البحثية بتفسير المآلات المختلفة للأحزاب التي نشأت من رحم حركات اجتماعية، وتبايُن قدرة تلك الأحزاب على التطوُّر المؤسسي، رغم التشابه النسبي في ما يخص البيئة المؤسَّسية التي نشطت في إطارها. وعليه، فإن مقارنة تجربة الأحزاب المنبثقة من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والنهضة في تونس، والتوحيد والإصلاح في المغرب قد تكون مفيدةً.

إن نمط علاقة الحركة بالحزب قد يؤثر في تطور الأخير، نتيجة التأثير المحتمل للهياكل التنظيمية والفكرية للحركة الاجتماعية، التي قد تنتقل إلى الأحزاب بوصفها كيانات تنظيمية، نشأت استجابة لحاجة تنظيميّةٍ رئيسةٍ للحركة نفسها.

وسوف يُعتمد على اقتراب الشبكة الاجتماعية، وهو أداة منهجية تُستخدَم لوصف بنية العلاقات وتحليلها؛ فهو يتصوَّر البنية الاجتماعية كشبكات متصلة، فالخصائص العلائقية للبنية الاجتماعية تؤثر في خيارات الفاعلين، والشبكات مركبات تنظيمية تؤثر في تقاسم القيم والأطر والهويات، وتؤثر في فرص العمل الجماعي وقيوده‏[2].

تنقسم الدراسة إلى أربعة محاور كالآتي: أولًا، التعريف بمفهوم حزب الحركة؛ ثانيًا، التمايز الفكري والتنظيمي لأحزاب الحركة؛ ثالثًا، قيم الديمقراطية الداخلية وإدارة الصراع؛ رابعًا، تكيُّف أحزاب الحركة مع مؤسسات الحكم.

أولًا: التعريف بمفهوم حزب الحركة

إن أحد الآثار السياسية الرئيسة المحتملة لنشاط الحركات الاجتماعية هو نشوء أحزاب سياسية جديدة‏[3]، حيث تسعى الحركات الاجتماعية إلى التغلب على مشكلات العمل الجماعي من خلال زيادة التنظيم، ومحاولة زيادة مواردها باعتماد أشكال عمل أكثر «مؤسسية»‏[4]. وبالتالي، فإن الانتقال من الحركة إلى الحزب هو عملية تغيير للبيئة المؤسسية، فالحركات الاجتماعية تنشئ بنية تنظيمية بسيطة لحل مشكلات العمل الجماعي، ومن ثمّ، تصل إلى مدى زماني ومكاني محدود، ولا تجمع أعدادًا كبيرة من المشاركين إلا لمراحل زمنية قصيرة. وعلى النقيض، تستثمر الأحزاب السياسية بدرجة أكبر في الهيكل التنظيمي الذي يوسع نطاقها المكاني الزماني، فتحدد أدوار العضوية، وواجباتها، وتبني هيكلًا تنظيميًا، وهيكلًا للقيادة… إلخ، إذ يقلل التركيز على أهداف بسيطة نسبيًا الحاجة إلى بناء الانضباط التنظيمي. وعلى النقيض، إذا كان الحشد لأهداف جماعية معقدة ومترابطة، فإن قيام الأحزاب السياسية يُطرح كحل مؤسسي متاحٍ بقوة‏[5].

إن الحركات الاجتماعية التي تنتقل من الاحتجاج إلى موقف مؤسسي متزايد، تواجه إحدى النتائج المحتملة لهذا التغيُّر، وهو فقدان الحركة خصائصها وهويتها وتأثير فعلها الاحتجاجي بتحوُّلها إلى مؤسسة سياسية. أو ربما لا يستتبع التطور المؤسسي زوال الحركة وإلغاء التعبئة، فيتزامن العمل السياسي مع الفعل الاحتجاجي ولا يحلُّ محلَّه. لذلك، فإن المأسسة لا ترتبط بالمشاركة السياسية فقط، ولا تُنهي بالضرورة وجود الحركة. فهي إحدى النتائج المحتملة‏[6].

يفرّق موريس ديفرجيه بين نمطين لنشأة الأحزاب السياسية، هما: الأحزاب ذات الأصل الانتخابي والبرلماني، والأحزاب ذات المنشأ الخارجي، حيث يتم إنشاء الحزب بفضل مؤسسة قائمة من قبل‏[7].

مثَّلت الأحزاب في الديمقراطيات القديمة شرائح مجتمعية، فعكست بطريقة ما التمايز المجتمعي، في حين اتّبع إنشاءُ الأحزاب في الديمقراطيات الحديثة مسارًا معكوسًا، فبُني التنظيم خارج البرلمان أولًا، فكان هيكل الحزب تابعًا للكيان الذي أنشأه خارج البرلمان، فضعُفت روابطه التنظيمية مع المجتمع‏[8].

هذا النمط من أحزاب الحركة قد يتَّسم بالسمات الآتية:

1 – إطار برامجي متقلب: قد تتردد تلك الأحزاب في دعم أيديولوجيا أو تفضيلات برامجية محددة‏[9]، وقد تفتقر إلى نظام مؤسسي لتجميع المصالح والموازنة بين الأولويات‏[10].

2 – تفضيل مسار حركي هجين: قد تعاني أحزاب الحركة بدائية هيكل التنظيم الحزبي، وربما تَبَنّي مسارٍ تنظيمي مزدوج يجمع بين المنافسة الانتخابية والاحتجاج غير المؤسسي‏[11].

3 – وجود إرث تنظيمي سابق: يتوقع أن تساهم الِبنَى التنظيمية للحركات الأم في خفض مشكلات التنسيق والامتثال التنظيمي‏[12].

4 – تداخُل العضوية بين الحركة الاجتماعية وأحزاب الحركة: هذه الانتماءات التنظيمية المتداخلة قد تعزز التنسيق التنظيمي، وحملات التعبئة، وتبادُل الموارد، والأهداف المشتركة‏[13].

إن أحزاب الحركة هي خيار تنظيمي قد يتأثر بميراث سياسي واجتماعي سابق على نشأته. وبالتالي، فإن هذا الميراث قد يتحول إلى مورد فكري وتنظيمي يؤثر إيجابًا في نشاط الحزب، أو إلى عبء قيميٍّ وتنظيميٍّ يمنع الحزب من الانتقال إلى ممارسة سياسية متمايزة عن ممارسات الحركة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 555 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 555 أيار/مايو 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 555 في أيار/مايو 2025.

محمد رمضان بشندي: باحث سياسي عربي – مصر.

الصورة من freepik

[1] تمثّل هذه الدراسة الخلاصة التنفيذية لكتاب صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2023 بعنوان: الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية: الإسلام السياسي في مصر وتونس والمغرب.

Esen Kirdis, «Between Movement and Party: Islamic Political Party Formation in Morocco, Turkey and Jordan,» (Dissertation, Minnesota University, Faculty of the Graduate School, 2011), pp. 17‑36.

[2] Manuela Caiani, «Social Network Analysis,» in: Donatella Della Porta, ed., Methodological Practices in Social Movement Research (Oxford: Oxford University Press, 2014), pp. 368-388.

[3] Edwin Amenta [et al.], «The Political Consequences of Social Movements,» The Annual Review of Sociology, vol. 36, no. 14 (2010), p. 3.

[4] Joe Foweraker, «Grassroots Movements, Political Activism and Social Development in Latin America: A Comparison of Chile and Brazil,» (United Nations Research Institute for Social Development, Civil Society and Social Movements Programme, Working Paper Number 4, August 2001), p. 6.

[5] Herbert Kitschelt, «Movement Parties,» in: Richard S. Katz and William Crotty, eds., Handbook of Party Politics (London: Sage Publications, 2006), p. 279.

[6] Sebastian Wormsbächer, «From Mobilization to Institutionalization: Urban Social Movement Organizations in New York City – Between Radical Demands and Reformism,» (Master Thesis, Humboldt-Universitat Zu Berlin, Faculty of Humanities and Social Science, 2016), pp. 21-29.

[7] موريس ديفرجيه، الأحزاب السياسية، نقله إلى العربية علي مقلد وعبد المحسن سعد (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2011)، ص 7 – 9 و12 – 18.

[8] Ingrid van Biezen, Political Parties in New Democracies: Party Organization in Southern and East-Central Europe (London: Palgrave Macmillan, 2003), pp. 30-49.

[9] Richard Gunther and Larry Diamond, «Species of Political Parties: A New Typology,» Party Politics, vol. 9, no. 2 (2003), pp. 188-189.

[10]        Kitschelt, «Movement Parties,» pp. 278-281.

[11]        Ibid., pp. 278-281.

[12] Santiago Anria, «Grassroots Democracy? Social Movements and Party Organization in Bolivia,» (Working Paper, University of North Carolina, 2014), pp. 7-11.

[13] Paul Almeida, «Social Movement Partyism: Collective Action and Oppositional Political Parties,» in: Nella Van Dyke and Holly J. McCammon, eds., Strategic Alliances: Coalition Building and Social Movements (London: University of Minnesota Press, 2010), pp. 174-176.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز