مقدمة

تزخرُ الأدبيات الشيعية بالشواهد التاريخية التي أرست فقهيًا لموقفٍ سلبي في مواجهة السلطة، وقد دلّلت على ذلك مواقف أئمة أهل البيت المُنَصَّبين إلهيًا لقيادة الأمة سياسيًا وروحيًا، بدءًا بالإمام عليّ ابن أبي طالب وصولًا إلى الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن العسكري، المعروف بالمهديّ، الذي يُنتظر ظهوره مع نهاية الزمان منذ منتصف القرن العاشر ميلادي. قدم جميع الأئمة نماذج عملية في التعايش إلى جوار الحكام، وباستثناء الإمام الحسين، لم يرد أن أحدًا منهم لجأ إلى المواجهة في سبيل الوصول إلى السلطة‏[1]. سوّغَ ذلك للشيعة أن يتخذوا موقفًا براغماتيًا في التعامل مع الحكام، ولم يقتصر ذلك على الحكام الجائرين، ففي أواخر عهد الدولة الصفوية، أخذت الولاية الجزئية للفقهاء الشيعة تتآكل على يد التيار الإخباري، الذي رأى أن توسع صلاحيات الفقهاء يتعارض مع عقيدتهم في انتظار المهدي، وذلك على الرغم من كون التشيُّع هو المذهب الرسمي للدولة‏[2].

تمنع النصوص الشيعية إقامة الدولة الدينية عملًا بأن «كل رايةٍ تُرفع قبل راية القائم فصاحبها طاغوت»، أو يُمكن أن نقول إنه هكذا فُهم النص لو احتسبنا تأويلات الفقهاء الذين اختلفوا مع هذه الرؤية‏[3]. ما يُهم هو أن هذا الموقف السلبي الذي يجد مُستندًا له في التقيّة، أفقر التجربة السياسية الشيعية، وإذا أضفنا إلى ذلك الجانب العقائدي للحكم على خلاف الحال عند السُّنّة، يتضح لدينا مدى صعوبة التأسيس لنظرية سياسية من قلب الفقه الشيعي. رغم ذلك، فقد نجح تيار أقلّويّ في التأسيس لدولة دينية مُستمدّة من هذا الفقه. ففي عام 1979، انتهى رسميًا الانزواء الشيعي أو ما عُرف في الأدبيات الأجنبية بـ Political Quietism، وفرضت الجمهورية الإسلامية في إيران نفسها، كأول دولة دينية يحكمها الفقهاء في العصر الحديث. ورغم اختلاف المراجع الدينية في قم والنجف حول حدود ولاية الفقيه – المُستند الشرعي لإقامة الدولة الإسلامية في إيران‏[4] – فقد كان أثر قيامها في إحياء الإسلام السياسي الشيعي كبيرًا، تحديدًا في العراق، حيث قاد المرجع الشيعي الراحل محمد باقر الصدر المقاومة ضد حكومة البعث في العراق، وحمل فيه مشروع تصدير الثورة الإيرانية.

كان الصدر من روّاد الإسلام الحركي، والمرجع الدينيّ الأكثر شعبيةً في أوساط الشباب، والثاني لجهة عدد المُقلّدين في العراق، وقد أعلن ارتباطه بالإمام الخميني مُرشد الثورة الإيرانية، بوصفه القائد العالمي للإسلام الشيعي‏[5]، وهو ما أثار قلق السلطات العراقية التي اعتقلته وطلبت منه العدول عن موقفه. وقد تصاعد هذا التوتر إلى حد المواجهة المسلحة، الأمر الذي يكشف عن التحوُّل الكبير في العمل السياسيّ الشيعيّ‏[6]. لم يُكتب للصدر أن يعيش طويلًا، فقد اغتيل سنة 1980، إلا أن أثره في الفكر الشيعي يتجاوز مدة حياته القصيرة (45 عامًا)، إذ يذكر تلميذ الصدر والمرجع العراقي الأسبق محمد باقر الحكيم أن الصدر الذي كان يَتوقعُ اغتيالَه، وضع خطوطًا عامةً لمرحلة ما بعد وفاته، منها وأهمها أطروحة القيادة السياسية النائبة، التي يمكن النظر إليها بوصفها المُقابل الشيعي للامركزية الإدارية، بحيث ينوب عن الإمام أو الولي الفقيه مجتهدون آخرون يقومون مقامَه بحسب الظروف‏[7]، ومن جهةٍ أُخرى، تُعَدّ إسهامات الصدر النظرية في السياسة والاقتصاد والمنطق ذات أهمية كُبرى إلى يومنا هذا، لعدة أسبابٍ منها الجودة العلمية لكتاباته‏[8] وقلة الاهتمام المولاة لأعماله، وكونه واحدًا من أهم ثلاثة أسماء إلى جانب حسين مُنتظري وروح الله الخميني في الفكر السياسي الشيعي المُعاصر نظّرت حول ولاية الفقيه، علاوةً على ما يُتداول عن أنه كتب مُسوّدة الدستور الإيراني وعن أثر انتقال أفكاره إلى إيران عبر تلامذته وأعضاء حزب الدعوة الذي شارك في تأسيسه‏[9].

أما اليوم، فما يزال الصدر حاضرًا في الأحزاب الإسلامية الشيعية التي تتبنى نظريته في الدولة‏[10]، كما أن تركيبة النظام الإيراني الجامعة بين الديمقراطية وولاية الفقيه تتسق مع ما يؤمن به في الجمع بين ولاية الفقيه والشورى وتزيد من أهمية درسه، وهو الذي نظّر وأصّل للموضوع على نحوٍ مستفيض إذا ما قارنّاه بالخميني الذي يميل إلى الكتابة في العرفان الإسلامي وأصول الفقه‏[11]. يبدو، إذا ضافرنا العوامل المسوقة في المُقدّمة، أن الصدر هو المصدر الأنسب لفهم الشيعية السياسية في وقتنا المُعاصر، فأطروحته واحدة من بين قلّة تناولت ولاية الفقيه بهذا النضج النظري كما أسلفنا، كما أن تقدم التجربة الإيرانية في العُمر، ومحدودية الدراسات التي وجدتها عالجته بلغةٍ أكاديمية. كل هذه العوامل ترفع من جدوى الإجابة عن السؤال البحثي: ما هي معالم الدولة لدى محمد باقر الصدر؟ وهذا يستلزم أن نفهم فرادة نظرية الصدر في أصل الدولة وما يُستمد من هذا الفهم الخاص من وظائف وهياكل مؤسسية لا توجد في الدول الأُخرى. أما المبحث الثاني فيتعرض لمنهجية الصدر ومنابع القدرة والضعف فيها، ومحاولة نقد الفرضيات التأسيسية لنظريته والإفادة من بعض أدوات ما بعد البنيوية في التناول النقديّ لأفكاره.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 556 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 556 حزيران/يونيو 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 556 في حزيران/يونيو 2025.

براء علي ديب: طالب ماجستير العلوم السياسية والعلاقات الدولية،
معهد الدوحة للدراسات العليا، وصحافي سابق.

[1] عبد الكريم الحيدري ومحمد إمام، «نماذج من تعامل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مع الحكام،» آفاق الحضارة الإسلامية، السنة 16، العدد 1 (2013)، ص 23.

[2] عبد القادر عبد العالي، «الفكر السياسي الشيعي في إيران بين ديمقراطية السيادة الشعبية وثيوقراطية ولاية الفقيه،» مجلة الدراسات الإيرانية، السنة 5، العدد 3 (2001)، ص 13.

[3] محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد، مصطلحات في كتب العقائد (الرياض: دار ابن خزيمة، 2006)، ص 246.

[4] عبد الله الدقاق، «ما هي آراء الأعلام الثلاثة في ولاية الفقيه العامة،» مدرسه فقاهت (2018)، <https://www.eshia.ir/feqh/archive/text/daqqaq/feqh/38/390403/>.

[5] محمد باقر الحكيم، الإمام الشهيد الصدر (الكويت: القدس للطباعة والنشر، 2007)، ص 256.

[6] المصدر نفسه، ص 238.

[7] المصدر نفسه، ص 269.

[8] Rodney Wilson, «The Contribution of Muḥammad Bāqir al-Ṣadr to Contemporary Islamic Economic Thought,» Journal of Islamic Studies, vol. 9, no. 1 (1998), p. 47, <http://www.jstor.org/stable/26198313>.

[9] لم يتسنّ لي الوقت اللازم للعثور على ما يدل على حجم هذا التأثير، أو لتقديره بصفة شخصية. تجدرُ الإشارة إلى أن الكتابات التي وجدتها عن الإمام الصدر، مكتوبة بلغة وأسلوب مبالغ فيه، نابع عن إعجاب وتقدير بشخص الراحل وموروثه، وهذا ما أورده تلميذه محمد باقر الحكيم شخصيًا في كتابه الإمام الشهيد الصدر، لذلك من الضروري ألّا يُسلّم الباحث بكل ما يرد فيها من دون تدقيق أو تحكيم منطقيّ.

[10] جاسم الشيخ زيني، الدولة في فكر محمد باقر الصدر (بيروت: مؤسسة البديل، 2009)، ص 10.

[11] طالب الحمداني، النظرية السياسية عند محمد باقر الصدر (بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، 2010)، ص 17.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز