أولًا: التأطير الإشكالي والمنهجي
تراهن الدول الديمقراطية على حماية أفرادها وتأمين حياتهم، والذود عن حقوقهم، وتمتيعهم بما يكفل لهم عيشًا كريمًا وآمنًا ومستقرًا، في مختلف المجالات الحيوية والاستراتيجية التي تمثل عماد المجتمع وأساسه القوي، ولا سيَّما ميادين الصحة والتعليم والشغل؛ ذلك أن الاهتمام بهذه الأولويات يمكن أن يساهم في تحقيق اندماج اجتماعي كلي يحمي أنساق المجتمع وبُناه الثقافية ويستوعب جميع مكوناته وأطيافه، ويحيد به عن الآفات التي قد تفتك بلحمته وتماسكه القيمي. في هذا السياق، يندرج موضوع بحثنا لنسائل قدرة آليات الحماية الاجتماعية على تحقيق الرهان القيمي الرئيس المتمثل بـ «المساواة الاجتماعية» والصحية تحديدًا.
لمقاربة هذا الموضوع ننطلق من أساس نظري فحواه أن فلسفة الحماية الاجتماعية ومنظومتها القيمية وخلفياتها السياسية لا تراهن على إشباع رغبات الأفراد وتلبية حاجاتهم الأساسية فقط، بل تحمل في جوفها قيمًا ثقافية ورهانات أخلاقية تعبِّر عن عمق مطالبها وسمو مطامح الذائدين عنها، أهمها تحقيق مساواة صحية وطبية تحفظ كرامة المواطنين وتحمي وجودهم الاجتماعي من مختلف مظاهر الهشاشة الاجتماعية والصحية على وجه التحديد.
على هذا الأساس، نتصور أن فلسفة الحماية الاجتماعية يمكن أن تسعد الإنسان وتقي النسق الذي يرعاه من الهلاك إذا كان الرهان أكبر من مجرد خطط موسمية أو اختيارات سياسية لحظية، ولا سيَّما أن ما نعنيه بالحماية الاجتماعية في سياق هذا البحث ليس مجرد السياسات والمشاريع المؤسسية الرسمية التي تروم توفير الظروف الاجتماعية للأفراد داخل المجتمع، بل الحماية الاجتماعية القادرة على حفظ النسق بأكمله سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وبيئيًّا، لأن الأبعاد التي توحي بها تشمل المجتمع كله وتهم مختلف مناحي عمرانه، فالحماية بهذا المعنى هي صورة العمران كله إذا كانت تؤطرها رؤية فلسفية متكاملة تستحضر أبعاد الإنسان كلها، وتراعي مجالات المجتمع وأساساته. لهذا فإن الحديث عن الحماية الاجتماعية لا يستقيم من دون الحديث عن سياقاتها وخلفياتها وأبعادها السياسية، حتى يتسنى لنا بلورة تصور سياقي شامل عن مدى قدرة أنظمة الحماية الاجتماعية في الإطار المغربي على تحقيق رهاناتها وأهمها ضمان مساواة طبية وصحية لكل مواطن.
ننطلق إذا من فرضية مفادها أن حماية المجتمع وتحقيق توازنه القيمي يتطلب سياسات اجتماعية عادلة ومنصفة ومندمجة، تعكس الأبعاد كلها، وتستوعب حقوق مكوناته، وتعبر عن خياراتهم الاجتماعية والثقافية، وتعترف بالانتماء إلى وطنهم؛ فلا يمكن أن نتصور وطنًا بلا حقوق تعكس وفاء السائس بقضايا أهله وتثمن ثقتهم بمؤسساته. لكن بلا شك تحول أحيانًا من دون تحقيق هذا الرهان السامي تحديات كثيرة وإكراهات جمة تؤخر إنجازه أو تعمق جراحات المجتمع وأزماته، وهذا ما سنحاول بحثه ودراسته في هذا البحث، لمعرفة طبيعة الإكراهات والحوائل التي تؤخر أي تنمية صحية واجتماعية منشودة، والتفكير في المداخل القمينة بوضع «الحماية الاجتماعية» في السياق الذي يجعلها فعلًا رافدًا أساسيًّا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية وأساس التماسك الاجتماعي.
من هذا المنطلق النظري، نرى أن استحضار الأبعاد القيمية والسياسية التي تؤطر مشروع الحماية الاجتماعية أساسٌ فلسفيٌّ ضروريٌّ للوعي بدوره المهم في صلابة البناء الاجتماعي وتعزيز مناعته الثقافية والاجتماعية، بيد أن هذا المشروع المجتمعي يحتاج إلى مناخ سياسي مناسب وبراديغم اقتصادي كفيل بترميم تصدعات المجتمع والإجابة الشاملة عن إشكالاته ومعالجة أسقامه.
في هذا السياق تندرج هذه الدراسة وهي محاولة بحثية للإجابة عن سؤال الرهانات القيمية والأبعاد الاجتماعية لمشروع الحماية الصحية والتفكير النقدي في الشروط السياسية والتنموية والمؤسسية القمينة بتحقيق أهدافها، الذي يمكن التعبير عنه من خلال الإشكال الآتي: هل مشروع الحماية الاجتماعية في السياق المغربي يمكن أن يحقق المساواة الصحية؟
تتفرع من هذا الإشكال أسئلة فرعية موجهة لمسار البحث وهي كالتالي: ما أهداف الحماية الاجتماعية في المغرب من خلال المرجعية السياسية الرسمية؟ ما هي إكراهات تنزيل مشروع الحماية الاجتماعية؟ وما طبيعة هذه الإكراهات؟ أهي إكراهات سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية وثقافية؟ ما الشروط السياسية والاقتصادية الكفيلة بتحقيق أهداف الحماية الاجتماعية ورهاناتها وأهمها المساواة الصحية؟
حاولنا مقاربة هذه الأسئلة بخلفية معرفية نقدية من خلال ثلاثة محاور أساسية:
البناء المفهومي للدراسة: تطرقنا فيه إلى مفهومَي الحماية الاجتماعية والمساواة الصحية، حيث أشرنا إلى ضرورة تجاوز المقترب التجزيئي في تحديدهما، والانطلاق من السياق العام المؤطر لأي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية، وتأسيس هذه الأخيرة على أرضية سياسية واقتصادية وثقافية تحقق المساواة الفعلية، وهو ما ينسجم نظريًّا مع مسوغات نقدنا لمشروع الحماية الاجتماعية في التجربة المغربية.
السياق السياسي لمشروع الحماية الاجتماعية: في هذا المحور سلطنا الضوء على أهداف مشروع الحماية الاجتماعية ومرجعياته وأفقه السياسي والاجتماعي، والذي يرنو إلى تحقيق الحدود الدنيا للحماية الاجتماعية، من خلال آليات وبرامج استهدافية تروم مساعدة الفئات المعوزة والفقيرة وتوفير التغطية الصحية اللازمة لهم، ومحاولة تقليص حدة التفاوتات الاجتماعية والمجالية التي تعوق أي مسار تنموي متوقع أو تؤجله.
إكراهات تنزيل المشروع ومنطلقات تطويره ومداخل تنزيله: تناولنا في هذا المحور الإكراهات التي تعترض مشروع الحماية الاجتماعية في المغرب والتحديات التي تواجه تنزيله وتحول من دون تحقيق أهدافه؛ وأهم هذه الحوائل غياب سياق سياسي واقتصادي يضمن المساواة الصحية بمعناها الشامل، وعدم الاكتفاء بتقديم الرعاية الصحية للمرضى فحسب، بل توفير الظروف السليمة لصحة جيدة. وقاربنا في المحور نفسه منطلقات ومداخل تطوير هذا المشروع من خلال تبني فلسفة الدولة الاجتماعية ومبادئها وما تستوجبه من عدالة اجتماعية وحرية وكرامة، فضلًا عن اجتراح نموذج تنموي بديل يتخلص من أسَر النماذج الاقتصادية المستوردة والسياسات الليبرالية المكبِّلة لأي حركة.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 558 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 558 في آب/ أغسطس 2025.
رشيد أمشنوك: أستاذ علم الاجتماع، المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة/العيون.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



