مقدمة

مثّلت التحوّلات الجيوسياسيّة بعد غزو العراق عام 2003، وما أعقبه من ربيع عربيّ! منعطفًا حاسمًا في تاريخ المشرق العربيّ. غير أنّ التركيز على البُعدين العسكريّ والسياسيّ أخفى في كثير من التحليلات حربًا رمزيّة تُشنّ على جبهة الوعي والهوية، حين كانت أدوات خفيّة تُعيد تكوين العقول، والذاكرة الجمعيّة.

يندرج هذا البحث في صلب هذه المعركة الرمزيّة، ساعيًا إلى كشف الآليّات التي تستهدف جوهر الكينونة العربية؛ وهُوِيَّتها الحضارية، فيحوّل بؤرة التحليل إلى المستوى الثقافيّ – الرمزيّ، مفترضًا أنّ الاستعمار الجديد يسعى إلى احتلال العقل والذاكرة، لا الأرض فقط.

تكمُن أهمية البحث في الكشفِ عن طبيعة الهيمنة المعاصرة، وتحوّلِها من عسكريّة إلى رمزيّة عبر الإعلام، والتعليم، والتطبيع الثقافيّ. وتحليلِ آليّات تفكيك الرموز، والمفاهيم، والمرويات التاريخية، وتحويلها إلى سلع استهلاكية؛ وربطِ الأزمة السياسيّة بالأزمة الثقافيّة، وتفكيكِ العلاقة بين ضعف الدولة الوطنية، وتفكك الهوية الحضارية. واستشراف آفاق «تحرير ثقافيّ» يستعيد الأدوات الرمزيّة (اللغة، المخيال، السرديّة) بوصفها وسائل للممانعة.

استفاد البحث من إسهامات إدوارد سعيد في الاستشراق، وغرامشي في الهيمنة الثقافيّة، ومن دراسات تناولت المشروع الأمريكيّ من زوايا اقتصاديّة، مثل تشومسكي، وأمنيّة (أدونيس)، وسياسية (غليون). غير أنّ هذه الدراسات تعاملت مع الثقافة بوصفها مجرّد انعكاس للهيمنة، في حين يرى هذا البحث أنّها ميدان قائم في ذاته، وأنّ تفكيك الهويّة شرط مسبق للهيمنة، لا نتيجة لها‏[1].

يعتمد البحث منهج تحليل الخطاب الثقافيّ، بوصفه إطارًا لتتبُّع الشبكة الرمزيّة للهيمنة، بتحليل الخطابات الإعلاميّة، والتعليميّة، والتطبيعية، وكيفية تحويل القضية الفلسطينيّة من قضيّة تحرّر إلى «أزمة إنسانيّة»، وتغريب المناهج التربويّة، وتطبيع العلاقة مع العدو بوصفها فعلًا ثقافيًّا طبيعيًّا.

ينطلق البحث من أسئلة محوريّة: ما الأدوات الرمزيّة التي يوظّفها المشروع الأمريكيّ – الإسرائيليّ لتفكيك الهويّة الحضاريّة؟ وكيف تُنتج هذه الأدوات وعيًا مشوّهًا يخدم الهيمنة؟ وما تجليات هذا الوعي في إضعاف الدولة الوطنيّة؟ وكيف يمكن استعادة الفعل الحضاريّ عبر إعادة بناء الذات الثقافيّة العربيّة باستخدام أدوات العصر الرقميّ؟

أولًا: الهويّة الحضاريّة والاستعمار الرمزيّ:
الإطار النظريّ، والمنهجيّ

يمثّل الانتقال من مفهوم «الهويّة الوطنيّة» إلى «الهويّة الحضاريّة» حجر الزاوية في هذا البحث، بوصفه نقلة نوعيّة لفهم طبيعة الصراع، وآليات تكوُّن الوعي الجمعيّ في المنطقة العربيّة. ففي حين انشغلت التحليلات السياسيّة بحدود الدولة الوطنيّة المصطنعة، يعمل المشروع الأمريكيّ – الإسرائيلي على مستوى يتجاوز هذه الحدود، مستهدفًا الأسس الرمزيّة التي تقوم عليها هذه الدول مجتمعة.

أدى التكوُّن الاصطناعي للهويّة الوطنيّة إلى صراعات داخليّة، وهشاشة بنيويّة، في حين تمثّل الهويّة الحضاريّة إطارًا ثقافيًّا – تاريخيًّا أوسع، يحتضن الشعوب عبر المخيال الجمعيّ‏[2]، والنسيج اللغويّ، والذاكرة التاريخيّة الممتدّة من مراحل القوّة الحضاريّة إلى لحظات المواجهة مع الاستعمار.

تُمثّل هذه الهويّة مصدرًا للمناعة المعنويّة والسياسيّة، وتبقى المرجعيّة الأخلاقيّة حين تضعف الدولة الوطنيّة؛ فالقضية الفلسطينية، مثلًا، تجاوزت البعد الوطنيّ، لأنّها مسّت رمزًا مركزيًّا في المخيال العربي (فلسطين – القدس – الأقصى).

وتفكيك هذه المناعة شرط لتحقيق «الشرق الأوسط الجديد»، الذي لا يُنجز بتغيير الأنظمة فقط، بل بتغيير الإنسان نفسه، بتحويل الهويّة الحضاريّة إلى هويّات فرعيّة ضيّقة يمكن إدارتها ضمن «دول – الكانتونات» الضعيفة، وتفريغ الرموز من مضمونها التحرريّ‏[3]، وتغريب التعليم، وتهميش الفصحى لمصلحة اللهجات.

1 – المكوّنات الأساسيّة للهويّة الحضاريّة العربيّة

اللغة العربية: الوعاء الرمزيّ، والعمود الفقريّ للهويّة‏[4]، تحمل رؤية خاصّة للعالم، وتُعدّ أداة للمقاومة والتماسك في مواجهة التغريب واللهجاتيّة‏[5].

الذاكرة الجمعية والسرديات الكبرى: هي عمليّة تأويل مستمرة، تُشكّل الحاضر، وتستشرف المستقبل، وتغذّي الوعي المقاوم بسرديّات النصر والمأساة.

الرموز الحضارية: مثل القدس، الأقصى، مفتاح العودة، هي رموز بصريّة، وتاريخيّة، تُجسّد الكفاح وتُحفّز الفعل.

المنظومة القيميّة: كرامة، تكافل، شهادة، ضيافة، تُمثّل النظام الأخلاقيّ للهويّة الحضاريّة، وتُقدَّم – غالبًا – نقيضًا للقيم الغربيّة الفرديّة.

المشروع الحضاريّ المستقبليّ[6]: ليست الهوية ذكرى، هي طموح نحو نهضة وتحرر ووحدة، ويحوّل غياب هذا المشروع الهويّة إلى نزعة انفعاليّة، أو طائفيّة.

هذه المكونات مترابطة، وتفكيك أيّ منها يُضعف الكلّ. وسنبحث في كيف تستهدف مشاريعُ الهيمنة هذه الروابطَ لتحويل النسق الحضاريّ المتكامل إلى شظايا يمكن إدارتها.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 564 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 564 شباط/فبراير 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 564 في شباط/فبراير 2026.

سمر جورج الديوب: باحثة في الأدب العربي والنظرية الأدبية – الإمارات العربية المتحدة.

[1] تقدّم هذه الدراسة مقاربة تكمل ما بدأه إدوارد سعيد في نقده الاستشراقَ، وأنطونيو غرامشي في مفهوم الهيمنة الثقافيّة، لكنّها تنتقل من التحليل التاريخيّ العام إلى تحليل الآليّات المعاصرة، المحدِّدة للمشروع الأمريكيّ – الإسرائيليّ في تفكيك الهويّة العربيّة، متجاوزة بذلك الطرح السياسيّ المحض الذي اهتمّ به باحثون مثل نعوم تشومسكي، والتحليل الداخلي لأزمة الهويّة الذي تناوله برهان غليون وعزمي بشارة. انظر: إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1978)؛ أنطونيو غرامشي، كراسات السجن، ترجمة فواز طرابلسي (بيروت: دار الفارابي، 1986)؛ نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، صناعة القبول: السياسة والإعلام الجماهيري، ترجمة أمين القادري (بيروت: دار التنوير، 1988)؛ برهان غليون، مسألة الهوية: العروبة والإسلام… والغرب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، وعزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001).

[2] للتوسع يُنظر: عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر (القاهرة: دار الشروق، 2005).

[3]         Pierre Bourdieu, La Violence symbolique (Paris: Seuil, 2001), pp. 15–28, 51–60 and 101–110.

يقول إنّ اللغة والمناهج والتمثيلات البصريّة أدوات لإعادة إنتاج البنية الاجتماعيّة، والسياسيّة، ويناقش العنف الرمزيّ في العلاقة التربويّة، ويقدم تحليلًا دقيقًا لكيفيّة اشتغال العنف الرمزيّ في الحقول الثقافيّة، والإعلاميّة.

[4] انظر عبد السلام المسدّي، الحرب واللسان: حروب المعنى ومعاني الحرب (بنغازي: دار الكتب الوطنية، 2004)، ص 75 – 90.

[5] طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر الجيني (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1998)، الفصل الخاص بـ «هيمنة اللسان».

[6] برهان غليون، «الاستعمار الجديد: تشريح مفهوم ورصد مظاهر،» في: المستقبل العربي وإسرائيل (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)، ص 95 – 112.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز