أولًا: لمحة تاريخية ونشأة التعليم في قطر

أطل القرن العشرون على منطقة الخليج العربي وقد أصبحت بريطانيا هي القوة المهيمنة فيه، وذلك بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. ونتيجةً لذلك، عقدت بريطانيا اتفاقيات ومعاهدات غير متكافئة مع حكام مشيخات الخليج، وسلبت منهم استقلالهم وسيادتهم، وأحلّت مندوبيها حكامًا فعليين في هذه المشيخات.

لم يكن همّ بريطانيا في منطقة الخليج العربي ترقية شعوبها أو الاهتمام بتعليمهم، إذ لم تشيّد حتى قبل رحيلها من المنطقة في مطلع سبعينيات القرن الماضي مدرسةً في قطر، ولا مستشفىً يعتد به، ولم تهتم بتعبيد الطرق. بمعنى آخر، لم تهتم بالعمران في كل حقوله.

إن سياسة التعليم التي طبّقتها بريطانيا في مناطق أخرى من العالم، مثل الهند ومصر والسودان وفلسطين والعراق، كانت موجهة للنخبة لتخريج موظفين «كتبة» لخدمة إدارتها في مستعمراتها، بحيث لا تتعدى حاجاتها الاستعمارية مطلقًا‏[1]. ولعل ما يلاحَظ على الاستعمار البريطاني أنه استعمار تجهيل وإذلال ونهب خيرات الشعوب ومواردها وتوزيع جغرافي غير عادل وبذر الفتن فيما بين حكام تلك المناطق. أما الاستعمار الفرنسي – ولا أقصد الإشادة به هنا بالضرورة – فيتميّز بالبناء والتعليم وربط الدول المُستَعمَرة بفرنسا حتى بعد الرحيل عنها، كما هو حادث في أفريقيا ومناطق أخرى من العالم، وهو ما يُعرف بالفرنكوفونية.

تهدف هذه الدراسة إلى عرض التطور التاريخي للتعليم في دولة قطر، بما في ذلك التعرف إلى مكانة القضية الفلسطينية في مراحل التعليم المختلفة. وهي تتبِّع المنهج التاريخي الوصفي، الذي يعدّ منهجًا مناسبًا لطبيعتها، بحيث تُستعرض المواد التعليمية المقررة على طلبة التعليم العام والجامعي، وتقتبس نصوص تحقق الهدف من الدراسة وتبيّن غاياته.

لم تعرف دولة قطر أي نظام من نظم التعليم قبل عام 1913 حقبة الحماية أو «النفوذ» البريطاني. وكان يسود التعليم في تلك المرحلة «الكُتّاب» غير النظامي، الذي اقتصر على تعليم القرآن الكريم ومبادئ الدين الإسلامي على يد أئمة المساجد، ومن يسمى «الفقيه»، أي المطوِّع. ثمّ أُسّست أول مدرسة بمبنى مستقل في تلك السنة (1913)، وقيل في عام 1915، وهي «المدرسة الأثرية» لتدريس علوم الدين، التي كانت تحظى برعايةٍ مباشرةٍ من الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني حاكم قطر آنذاك، حيث كلّف الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع بمهمات التعليم في البلاد. وفي عام 1947، افتُتحت أول مدرسة على أساس منهجي وسُميت «مدرسة الإصلاح الحمدية» نسبة إلى الشيخ حمد بن عبد الله آل ثاني. وفي عام 1950 – 1951 أُقر مبدأ التعليم الإلزامي للبنين ثم البنات عام 1954، وفي العام نفسه تأسست أول مدرسة للبنات، كما أُسست مدرسة إعدادية للبنات في عام 1968. وكانت وزارة المعارف قد تأسست في عام 1957. وفي عام 1973 أُسست كلية التربية للمعلمين والمعلمات، وكانت النواة الأولى لتأسيس جامعة قطر عام 1977‏[2].

افتُتحت أول مدرسة قامت على أساس تعليم منهجي حديث ومعاصر عام 1950/1951، وهي «مدرسة قطر الابتدائية». وفي العام نفسه، أصدر الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، حاكم قطر، قرارًا أميريًا بتأليف لجنة وطنية سُميت «لجنة المعارف». وتكونت اللجنة من: الشيخ ناصر بن خالد آل ثاني رئيسًا؛ الشيخ عبد الله بن تركي السبيعي عضوًا؛ قاسم درويش فخرو عضوًا؛ مبارك بن صالح الخليفي عضوًا؛ يوسف بن أحمد الجيدة عضوًا؛ وأضيف إلى اللجنة لاحقًا خالد الدجاني‏[3].

في عام 1957، تسلّم الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني «رئاسة المعارف»، وفي إثر هذا التغيير في هرم السلطة المُكلّفة بالتعليم أُنهيت أعمال لجنة المعارف التي كان يرأسها الشيخ ناصر بن خالد آل ثاني، وألّف الشيخ خليفة بن حمد بن عبد الله آل ثاني، رحمه الله، لجنةً وطنيةً تعينه على النهوض بالتعليم في قطر. وفي عهده انتشر التعليم في أرجاء دولة قطر وأصبح حقًا لكل مواطنٍ ومقيمٍ في البلاد. أما الخطوة الأخرى في هذا المجال فقد كانت تعليم البنات؛ إذ أُسّست مدارس حديثة للبنات. ثمّ توسعت الحكومة في بناء المدارس في المدن والقرى واستُقدم مدرسون ومدرسات من عدة أقطار عربية.

اعتمدت حكومة قطر في بادئ الأمر المناهج والكتب المعتمدة في كلٍ من مصر والأردن والكويت والسعودية كمناهج وكتب للتعليم، فكانت أغلبية أعضاء هيئة التدريس في المدارس القطرية تأتي بموجب تعاقد من هذه البلدان وغيرها من البلدان العربية المجاورة. كان يجري ذلك في الوقت الذي كانت الحماية البريطانية لا تزال قائمة في منطقة الخليج العربي. جدير بالذكر أن بريطانيا كانت تحرص على جلب أيدي عاملة هندية ذات مهارات مختلفة، عالية ومتوسطة ومنخفضة، من مستعمراتها في الهند للعمل في بلدان الخليج العربي. وبهذا، لم تكن بريطانيا مرتاحة للخطوة التي اعتمدتها حكومة قطر والتي تمثلت باستقطاب أيدي عاملة عربية عالية المهارة للعمل في قطاع التعليم لسدّ الفجوة المتمثلة بنقص الكوادر المحلية ذات المهارات العالية في ذلك الوقت.

وعندما توسعت حكومة قطر في مجال التعليم، اقتضى الأمر تأسيس وزارة تقود المسؤولية التعليمية، فكانت وزارة المعارف التي تأسست عام 1957، وهي الوزارة الوحيدة في قطر في تلك الحقبة، وقد عُين الشيخ خليفة بن حمد بن عبد الله آل ثاني أول وزير للمعارف في البلاد.

بعد إعلان بريطانيا انسحابها من الخليج في أيلول/سبتمبر 1971، ومن ثمّ إعلان قطر استقلالها، ثمّ تولي الشيخ خليفة بن حمد بن عبد الله آل ثاني مقاليد الحكم عام 1972، شهد هذا العهد انتشار المدارس والمعاهد في البلاد، وتأسست جامعة قطر عام 1977، وازدادت القوى العاملة في المجال التعليمي، وتعددت المدارس، مثل معهد المعلمين، والمدرسة التجارية، والمعهد الديني، والمدرسة الصناعية. تغيّر اسم وزارة المعارف لتصبح وزارة التربية والتعليم ورعاية الشباب. وعام 1976 أُدخل تعديل على اسم وزارة التربية والتعليم عبر فصل رعاية الشباب عن الوزارة. وعام 1996، تغيّر اسم الوزارة ليصبح وزارة التربية والتعليم والثقافة. وفي عام 1998 أصبح اسم الوزارة الجديد وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي.

تزايد اهتمام قطر بالتعليم والثقافة عبر ارتباطها بالمنظمات الإقليمية والدولية ذات الشأن. ورغم الهيمنة البريطانية في تلك الحقبة، انضمت قطر عام 1958 إلى اتفاقية الوحدة الثقافية العربية تحت مظلة جامعة الدول العربية، وعام 1962، انضمت إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونيسكو» بوصفها عضوًا منتسبًا، وفي عام 1972 أصبحت تتمتع بالعضوية الكاملة. وانضمت إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الأليسكو» منذ إنشائها عام 1964، ووقعت اتفاقيات ثنائية مع معظم البلدان العربية. كما انضمت إلى مكتب التربية العربي لدول الخليج العربية عام 1976. وفي عام 1982، انضمت إلى المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم «الإيسيسكو»‏[4].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 554 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 554 نيسان/أبريل 2025

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 554 في نيسان/أبريل 2025.

محمد صالح المسفر: كاتب وباحث من قطر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر.

ميسر حسن سليمان: أستاذة مساعدة في قسم العلوم الاجتماعية، كلية التعليم العام،
جامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا.

[1] كمال ناجي، تاريخ التعليم الشعبي في قطر منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين (الدوحة: لجنة تدوين تاريخ قطر، 1976)، ج 2، ص 507.

[2] محمد صالح المسفر وميسر مروان حسن سليمان، دراسات خليجية: مراجعة في التاريخ والدولة والمجتمع (الدوحة: دار الشرق للطباعة والنشر والتوزيع، 2022)، ص 426؛ أحمد مينسي، التحول الديمقراطي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية (أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2009)، ص 40 – 41؛ يوسف محمد عبيدان، نظم الحكم في دول الخليج العربي: دراسة مقارنة لقطر والبحرين والكويت (أطروحة دكتوراه، جامعة القاهرة، قسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1982)، ص 288.

[3] ميرفت أمين الشبراوي، تاريخ التعليم في قطر (القاهرة: مركز الراية للنشر والإعلام، 2013)، ص 31.

[4] المصدر نفسه، ص 34.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز