كان الفيلسوف والكاتب الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو من أبرز الفلاسفة والسيميائيين الذين أتوا بعد سوسير وبيرس، وقد تأثر بهما أيمَّا تأثير، لكنه تمايز عنهما في توسيع آفاق العلامة السيميائية، والعلم الذي يدرسها، محددًا إياه بأنه «العلم الذي يدرس سائر الظواهر الثقافية بوصفها أنظمةً لعلامات». وهذا يعني بلا شك أن الثقافة، والعلم، والفلسفة، والحياة الاجتماعية هي في جوهرها عملية اتصال (Communication) تقوم على مجموعة هائلة من العلامات والرموز، محولًا دراسة العلامة إلى فلسفة، أو جزء من الفلسفة.

وعلى الرغم من تحوُّل دراسة العلامة في الغرب إلى جزء من الدراسات الفلسفية، وحصولها على صفة العلم، وتسميته «علم العلامة أو الرمز» أو «علم السيمياء»، فلا يزال الاهتمام بهذا النوع من الدراسات في الوطن العربي وبخاصة على المستويات الأكاديمية ضعيفًا، بحيث لم تتعدَّ النتاجات العربية في هذا المجال القراءة في كتاب، أو بعض الأبحاث الخجولة التي تأخذ في أغلب الأحيان طابعًا تجميعيًا، تستند إلى ما أنتجه فلاسفة العلامة والتأويل الغربيون من أمثال سوسير وبيرس وأمبرتو إيكو، أو محاولة تفسير ما قاله هؤلاء الفلاسفة؛ فضلًا عن عدم وجود دراسات عربية معتدٌّ بها تمثل مشاركةً في تطوير هذا العلم أو الفلسفة على المستوى العالمي، علمًا أن فلسفة العلاقة وتأويلها وتحليلها بدأت تأخذ منحىً تصاعديًا في الفلسفة وعلم النفس والعلوم الإنسانية في الغرب وجامعاته على الأقل من زاوية الفلاسفة الثلاثة المؤسسين لهذا المجال المعرفي – الفلسفي؛ حيث يمكن للباحثين ملاحظة أنَّ النصوص المسرحية والسينمائية، والقصص الأدبية، والأشعار، وحتى الرسوم المتحركة والنظم التي تقوم عليها الحياة المدنية والسياسية والاجتماعية والعلمية وغيرها من المجالات، يتجلى فيها حجم وجود العلامات والرموز السياسية والاجتماعية والتربوية والعسكرية والأمنية والثقافية، حتى باتت الحروب الناعمة المعتمدة على تفكيك العلامات والرموز وزرعها أكثر فتكًا من الحروب الخشنة. يُضاف إلى ذلك أن فلسفة العلامة والرمز في العالم المعاصر باتت تأخذ أهمية واسعة في الفكر واللغة والتواصل على مستوى الحياة الاجتماعية والسياسية، وتظهر أهميتها بوضوح حاضرًا ومستقبلًا على مستوى العلاقة التواصلية بين البشر في مختلف ميادين حياتهم، وبخاصة مع التطور العلمي والتكنولوجي الهائل والزاخر بالرموز والعلامات التي تحاكي الخيال من جهة، وترسم آفاقًا جديدة لفهم العالم والوجود والعلم والإنسان من جهة ثانية.

تُمثِّل العلامة، التي هي محور العملية السيميائية في فلسفة أمبرتو إيكو، التراثَ الثقافي الذي انتهجه الإنسان في مراحل وجوده وتطوره كافة، وقد مثّلت (العلامة) حقيقة الفهم للحياة كمنظومة علاقات واتصالات بين الإنسان بفكره وعقله من جهة، والطبيعة والكائنات الأخرى من جهة ثانية. ويعتقد السيميائيون وفي مقدمتهم أمبرتو إيكو صحة ما يقول علماء اللاهوت أو أصحاب الفلسفات المثالية الذين يرَون أن الطبيعة هي الكتاب الذي يحدِّثنا الله من خلالها. لا بل يمكن القول إن الإنسان نفسه عندما يقوم بتأويل العلامة يصبح جزءًا من عالم العلامة، كما يصبح نفسه علامةً قابلةً للتأويل، لأنه يقوم بتأويل العلامات وفقًا لمخزونه الفكري والروحي والثقافي والإنساني والعلمي… إلخ، لذلك هو يضفي ذاته على العلامة التي يقوم بتأويلها فيصبح هو بذاته علامة قابلة للتأويل.

انطلاقًا من ذلك، نحن نعيش في عالمٍ من العلامات، وكل ما نخلقه أو نوجده أو نفكر فيه ما هو إلا علامة، ولن يُفهمَ من جانب الآخرين ما لم يتحول إلى علامة قابلة للتفسير وفقًا لقاموسهم المعرفي واللغوي، على قاعدة أن الإنسان يُرَمِّز الأشياء ليفهمها ويُفْهِمَهَا. وما اللغة المحكية على اختلافها سوى مجموعة من الرموز والعلامات التي يفككها العقل ويحللها ويؤوِّلها فيفهمها. هكذا ببساطة هي الحياة مجموعة من العلامات والرموز.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 563 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 563 كانون الثاني/يناير 2026

المصادر:

نُشرت هذه الورقة في مجلة المستقبل العربي العدد 563 كانون الثاني/يناير 2026.

ياسر سعد الله زغيب: طالب دكتوراه فلسفة في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية.

حقوق الصورة لـ موقع الكاتب.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز