مقدمة

على غرار مختلف التطورات المذهلة التي عرفتها جميع مجالات الحياة الإنسانية، والتي تعزز الرفاه والحياة الكريمة في حالات السلم، عرفت البشرية أيضًا في العقود الأخيرة تطورات غير مسبوقة في وسائل وأساليب الحرب والإيذاء، التي تعدّ التكنولوجيات العسكرية المستقلة، وبخاصة منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل منها، أبرزها، حيث ثار نقاش حاد بخصوص هذه المنظومات على المستوى العالمي طوال الخمس عشرة سنة الماضية.

في هذا السياق، يعَد تاريخ الحرب في جزء منه، سلسلة من التطورات في وسائل القتال والفتك، فلطالما تطورت الأسلحة بصورة مستمرة تبعًا للحاجات القتالية، وهذه ليست مسألة مثيرة أو غريبة، إلا أن هذه التطورات ليست كلها على منوال واحد، ومن ثم ليست على وزن واحد في أهميتها، فتطورات الأسلحة التي تفرض تغييرات في أساليب خوض الحرب، واستراتيجيات وتكتيكات جديدة، بل كما يقول أيضًا باري بافيل (Barry Pavel)، نائب الرئيس الأول ومدير مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن في المجلس الأطلسي‏[1]، ومساعد مدير ممارسة الدفاع الأمامي في المركز نفسه كريستيان تروتي (Christian Trotti)، وتفرض تغييرات في العقيدة والمفاهيم التشغيلية، هي تطورات تعني ثورة في المجال العسكري‏[2]، وهي تتقاطع إلى حد ما، مع المحددات التي وضعها مايكل روبتس في محاضرته التي ألقاها في جامعة كوينز عام 1955 حول الثورة العسكرية، حيث رأى أن المتطلبات الرئيسية لوقوع الثورة العسكرية، تتمثل بمجموعة من التغيرات التي تمس كل من الابتكار التكنولوجي في الأسلحة، والتكتيك العسكري، والهيكلية التنظيمية للجيوش، والإدارة السياسية، والتمويل العسكري، حيث يتطلب حدوث ثورة عسكرية استثمارات مالية كبيرة، وكذلك الانتشار والتطبيق الفعلي بحيث تنتقل التطورات في الجوانب المشار إليها، من مجرد أفكار أو تجارب إلى ممارسات عسكرية موحدة، هذا إضافة إلى نشوء تأثيرات اجتماعية واسعة النطاق، بحيث تؤثر مجمل هذه التغييرات في الطريقة التي يتم بها تنظيم المجتمعات، فتتغير العلاقة بين الدولة والمجتمع، وكذلك بين المجالين العسكري والمدني‏[3].

في هذا الصدد، وتبعًا لهذا، فإن منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل تمثل بما لا شك فيه ثورة عسكرية غير مسبوقة ستؤثر بعمق في مستقبل الحرب، فهي بحسب معايير مايكل روبتس تمثل ابتكارًا تكنولوجيًّا فريدًا في نوعه عرفه القرن الحادي والعشرون، وبالنظر إلى مميزاتها وخصائصها النوعية حيث تشتغل ذاتيًا وتقوم بكل مراحل العمل العسكري من دون أي تدخل بشري بعد تفعيلها الأولي، فهي بالتأكيد ستغير التكتيكات العسكرية المعروفة اليوم القائمة بصورة أساسية على وجود «العنصر البشري» في الحلقة. أما التمويل العسكري، فقد خصصت مجموعة من الدول ميزانيات هائلة لهذا النوع من منظومات الأسلحة‏[4].

وفي ما يخص الانتشار والتطبيق الفعلي، فإن هذه المنظومات، انتقلت بالفعل إلى مجال الواقع والتطبيق العملي، حيث أكدت التقارير الأممية استخدام منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل في إطار الصراع في ليبيا‏[5]. كما تستخدم عدة كيانات ووحدات سياسية منظومات أسلحة قريبة جدًا من المنظومات الذاتية التشغيل تمثل تمهيدًا ومقدمة طبيعية لاسخدام المنظومات المستقلة بالكامل في المستقبل القريب‏[6].

أما لجهة التغييرات الاجتماعية الواسعة النطاق، وعلاقة الدولة بالمجتمع، والمجال العسكري بالمجال المدني، فإن منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل تثير الكثير من الإشكاليات والتحديات الأخلاقية والإنسانية التي تؤثر بعمق في حياة الناس، وفي أنماط العلاقة المذكورة؛ فأتمتة الجيوش تعني أن الدولة كمؤسسة لن تعتمد مع الوقت على أعداد كبيرة من الجنود البشر، بل سنكون أمام جيوش اصطناعية قادرة على تلبية الحاجات الحربية للدول، مع أعداد قليلة جدًا من العناصر البشرية، وهذا يؤثر في علاقة الدولة بالمجتمع، وبخاصة في جانب تبرير قدسية الحرب، وما يهم دافعي الضرائب.

في هذا السياق، واستنادًا إلى كل ما ذكر، لا تعَدّ منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل مجرد تطور عسكري عادي في وسائل القتال، بل هي أبعد كثيرًا من ذلك، إذ تمثل بالفعل بداية ثورة جديدة في مجال الحرب. وقد أشار إلى هذه الحقيقة الكثير من المفكرين المتخصصين والهيئات والمنظمات الدولية، حيث جاء، مثلًا، في تقرير لجنة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان التابعة للجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي، أن منظومات الأسلحة الفتاكة الذاتية التشغيل، تعَدّ الثورة العسكرية الثالثة في تاريخ العلاقات الدولية، بعد اختراع البارود والأسلحة النووية، ومن ثم فإن القوى العسكرية العالمية التي تفشل في الاستثمار في هذه التكنولوجيا الجديدة، ستخاطر بالتخلف عن الركب‏[7].

وقد أكد الأمر نفسه، كل من كاي فو لي (Kai-Fu Lee)، أحد العاملين والكتّاب البارزين في مجال الذكاء الاصطناعي‏[8]، الذي رأى أن منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل هي الثورة الثالثة للحرب بعد البارود والأسلحة النووية‏[9]، وجودي ويليامز (Jody Williams)‏[10]، وكريستيان تروتي (Christian Trotti)‏[11]، الذي أكد من جهته أن التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والمنظومات المستقلة والحوسبة الكمومية، ستعجِّل بثورة في الشؤون العسكرية‏[12].

في هذا السياق، ولما كان الأمر كذلك، وكانت منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل العنوان البارز لثورة عسكرية قادمة ستغير مستقبل الحرب تمامًا، ثار جدال دولي كبير في خصوص هذه المنظومات في السنوات الأخيرة، حول مختلف جوانب التطور الفريد في وسائل الحرب، والتحديات التي يطرحها، والفرص المتاحة.

الإشكالية الرئيسية والأسئلة الفرعية: بالنظر إلى الآثار المستقبلية غير المسبوقة التي تطرحها منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل، فقد كان مثار الجدال العميق الذي أُثير بين مختلف الفاعلين والمهتمين ينصبّ حول طرحين اثنين، الأول يقضي بأن هذه المنظومات تطرح تحديات خطيرة على مستقبل الإنسانية وتمثل تهديدًا فعليًا للإنسان لا يسع معه إلا تبنّي إطار قانوني دولي يقضي بحظرها تمامًا، والثاني على النقيض من ذلك تمامًا، يذهب إلى أن التحديات التي تطرحها منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل ليست بتلك التحديات التي تمثل تهديدًا كبيرًا، وبأن الميزات التي توفرها أكبر من المخاوف التي قد تكبح التطور في هذا المجال.

في هذا السياق، وبناءً على هذا الأساس، سنسعى من خلال هذه الدراسة إلى الإجابة عن السؤال التالي:

هل تمثل التحديات التي تطرحها منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل بالفعل تهديدًا للإنسان في مقابل الفرص التي تتيحها لمستقبل الحرب، أم أن الأمر مجرد مبالغة ناتجة من تصورات خاطئة للمسألة؟

ويتفرع من هذا السؤال مجموعة من الأسئلة حول مفهوم منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل، والخصائص المميزة لهذا النوع من منظومات الأسلحة، وأبرز التحديات التي تطرحها هذه المنظومات؟ وأهم الميزات والفرص العسكرية التي توفرها؟

تمثل منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل العنوان البارز للثورة العسكرية الثالثة، وهذا يعني تغييرات جذرية في مستقبل الحرب ستؤثر بعمق في توازنات القوة على مختلف المستويات الإقليمية والعالمية. لهذا تكتسي دراسة هذا الموضوع أهمية بالغة للوقوف على ماهية هذه المنظومات، ومختلف الحقائق المرتبطة بها، من دون الوقوع في فخ الانحياز إلى أيٍّ من الرؤى المطروحة، سواء الداعمة أو الرافضة هذه النوع من منظومات الأسلحة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن التحديات التي تطرحها منظومات الأسلحة الذاتية التشغيل هي تحديات كبيرة وغير مسبوقة، إلا أنها يمكن معالجتها من خلال إيجاد إطار توافقي بين الأطراف المعنية، كما أن حظر هذه المنظومات لن يكون فعالًا في مواجهة الخطر المحتمل الذي تمثله على الإنسان، ولن يحظى بالقبول، وبالتالي لن ينجح، لأن الدول والفاعلين المختلفين على الساحة الدولية، سيسعون إلى الإفادة القصوى من الميزات التي توفرها هذه المنظومات.

سنعتمد في الإجابة عن أسئلة الدراسة على منهج تحليل المضمون عند نورمان فيركلف بصورة أساسية، وذلك بالنظر إلى طبيعة المراجع المعتمدة في البحث، التي هي في معظمها وثائق وبيانات صادرة عن دول أو منظمات دولية، حول جوانب الموضوع المختلفة.

بهدف الوصول إلى إجابة أكثر دقة لأسئلة البحث، سنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أجزاء، في الجزء الأول سندرس مفهوم هذه المنظومات وخصائصها، وهي كأي ظاهرة جديدة، مسألة ثار حولها جدال كبير، وليست محل إجماع، وتؤدي دورًا مهمًا في إدراك مخاطر هذه المنظومات وميزاتها، فلا يمكن الإحاطة بهذه الأخيرة من دون ضبط المفهوم، ومعرفة ماهية هذه المنظومات، ثم بعد ذلك، سنخصص الجزء الثاني لدراسة أبرز التحديات المطروحة، وبخاصة على المستويات الأخلاقية والقانونية، ثم سنخصص الجزء الأخير لدراسة الفرص والميزات العسكرية التي توفرها المنظومات قيد الدراسة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 564 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 564 شباط/فبراير 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 564 في شباط/فبراير 2026.

محمد الطوالي: دكتور في القانون العام، وباحث
في العلوم السياسية والاستراتيجية.

[1] مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن هو مركز يعمل على تطوير استراتيجيات مستدامة وغير حزبية لمعالجة أهم التحديات الأمنية التي تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها وشركاءها، للمزيد حول هذا المركز انظر المرجع التالي: Atlantic Council, «Scowcroft Center for Strategy and Security,» <https://www.atlanticcouncil.org/programs/scowcroft-center-for-strategy-and-security> (Last accessed on 4 March 2025).

[2] Barry Pavel and Christian Trotti, «New Tech Will Erode Nuclear Deterrence: The US Must Adapt, by Barry Pavel and Christian Trotti, <https://www.defenseone.com/ideas/2021/11/new-tech-will-erode-nuclear-deterrence-us-must-adapt/186634/> (Last accessed 4 March 2025).

[3] Michael Roberts, «The Military Revolution, 1560-1660,» in: Clifford J. Rogers, ed., The Military Revolution Debate: Readings on the Military Transformation of Early Modern Europe (London: Routledge, 1995), pp. 13-29.

[4] في هذا السياق، خصصت الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا، استثمارًا بقيمة مليارَي دولار على مدى سنوات متعددة، لتطوير ما سمَّته برنامج «الذكاء الاصطناعي التالي» (AI Next)، الذي يستهدف أساسًا بناء قدرات قوية لوزارة الدفاع الأمريكية، من ضمنها الأدوات الخاصة بمنظومات الأسلحة الذاتية التشغيل بالكامل، انظر في هذا الخصوص: Defense Advanced Research Projects Agency, AI Next Campaign, <https://www.darpa.mil/work-with-us/ai-next-campaign> (Last accessed on 21 June 2024).

[5] الأمم المتحدة، مجلس الأمن، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بليبيا المنشأ عملًا بقرار مجلس الأمن 1973 (2011)، S/2021/229، (8 آذار/مارس 2021)، انظر ف 63، ص 21.

[6] من أبرز الأمثلة على ذلك منظومات «لفاندر» (Lavender) التي استخدمها الكيان الصهيوني في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وهي منظومة تقوم بتحديد بنك الأهداف الذي يشمل مقاتلين «محتملين»، ثم تحديدهم عند دخول منازلهم عبر تتبُّع وتحليل البيانات الهاتفية، ثم يقوم الجنود البشريون بعملية القصف والتدمير فقط، بناء على اختيارات الآلة، وبحسب ما أدلى به ضباط الاستخبارات الصهاينة، فإن هذه المنظومة لم تكن دقيقة تمامًا في تحديد الأهداف العسكرية، ومن أجل ذلك أذنت القيادة بتدمير هدف تحدده المنظومة، ولو تطلب الأمر قتل أكثر من 300 مدني.

[7] Council of Europe, Parliamentary Assembly, Committee on Legal Affairs and Human Rights, Emergence of Lethal Autonomous Weapons Systems (LAWS) and their Necessary Apprehension Through European Human Rights Law, Report of Damien Cottier, p. 1, <https://shorturl.at/rhM2X> (Last accessed on 27 February 2025).

[8] «كاي فو لي»، هو الرئيس التنفيذي لشركة Sinovation Ventures ومؤلف مشارك لكتاب الذكاء الاصطناعي 2021: عشر رؤى لمستقبلنا. كان لي سابقًا رئيسًا لشركة Google China ومديرًا تنفيذيًا كبيرًا في Microsoft و‍SGI وApple.

[9] Kai-Fu Lee, «The Third Revolution in Warfare,» 22 September 2021, <https://www.transcend.org/tms/2021/09/the-third-revolution-in-warfare/> (Last accessed on 08 March 2025).

[10] Jody Williams, «Part I: Killer Robots: A Third Revolution in Warfare?,» Georgetown Journal of International Affairs, 19 March 2021 <https://gjia.georgetown.edu/2021/03/19/part-i-killer-robots-a-third-revolution-in-warfare/> (Last accessed 8 March 2025).

[11] «كريستيان تروتي» هو مساعد مدير الدفاع الأمامي في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن التابع للمجلس الأطلسي.

[12] Christian Trotti, «Trade-offs and Trading Up: What Opportunities Do Autonomous Systems Create for Defense Planners?,» <https://www.atlanticcouncil.org/content-series/automating-the-fight/what-does-the-future-of-autonomous-warfare-look-like-four-critical-questions-answered/> (Last accessed on 8 March 2025).

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز