المؤلف: نايف بن نهار
مراجعة: مريم الدبعي وبدران بن لحسن
الناشر: الدوحة: مؤسسة وعي للأبحاث والدراسات
سنة النشر: 2023
عدد الصفحات: 105
أولاً: عرض تحليلي لمحتويات الكتاب
يبحث هذا الكتاب في فكرة التوطين التفاعلي في العلوم الاجتماعية، بوصفه حاجة ملحة لإعادة فهم الظواهر والبنى النظرية لمختلف العلوم الاجتماعية، وهو ما يسهم في إنتاج معرفة ووعي حقيقيين، ينطلقان من «وسطنا الإسلامي» – على حد تعبير المؤلف – ويتفاعلان مع ما هو عالمي، بما يلائم الواقع المحلي.
يتألف الكتاب من تمهيد وتسعة فصول: (أشكال التوطين؛ معنى التوطين؛ مشروعية التوطين؛ مقاومة التوطين؛ فلسفة التوطين؛ متطلبات التوطين؛ مسارات التوطين؛ مقياس التوطين؛ علم الاجتماع وسؤال التوطين). وفي ما يأتي عرض للنقاط الرئيسية في كل فصل.
يتناول الفصل الأول الأشكال المختلفة للتوطين، حيث قسمها الكاتب إلى خمسة أقسام رئيسية: «وظيفي» ويعني اختيار موظفين من نفس بيئة العمل، و«رمزي» كتسمية مكان ما باسم يحمل دلالة ثقافية أو فكرية، و«مادي» وذلك يتعلق بتفضيل الموارد والوسائل المحلية على غيرها، و«لساني» وذلك بتعريب المصطلحات الأجنبية، و«فكري» ويعني مراجعة الأفكار وتحليلها والتحقق من مواءمتها للواقع كي يكون لها جدوى. والتوطين الفكري هو الشكل الأهم بوصفه محددًا للوعي وهو بذلك – أي التوطين الفكري – يحتل الحيِّز الأكبر من الكتاب.
يتحدث الفصل الثاني عن معنى التوطين لغة واصطلاحًا، ويُعرف الكاتب التوطين الفكري على أنه: تهيئة الأفكار لتكون ملائمة لخصوصية معينة، ويقصد بالملاءمة هنا إعمال الحاسة النقدية لدى الباحثين لمعرفة مدى توافق الفكرة مع السياق، وهذا لا يتحقق إلا بدراية تامة لما نملك من جهة، ولما نحتاج إليه جهة أخرى. والتوطين إما أن يكون منطلقًا من الذات تصاعديًا ويسمى في هذه الحالة «توطين تأصيلي» وإما أن ينطلق من الآخر ويتم إسقاطه على الواقع ويسمى في هذه الحالة «توطين تفاعلي»، وهو ما اختاره المؤلف عنوانًا للكتاب. كما يركز هذا الفصل على فكرة مهمة وهي أن التوطين قد يفهم على أنه ترجيح للنسبية الخاصة بمجتمع أو ثقافة معينة على وجه الإطلاق، والحقيقة أن التوطين لا يدعو إلى ذلك وإنما يتخذ مسارًا متوسطًا بين الانطلاق من الواقع وبين الاستفادة من الآخر.
أما الفصل الثالث فيُعنى بمشروعية التوطين؛ ولما كانت العلوم الاجتماعية قائمة على دراسة السلوك الإنساني، وبما أن الثقافة جزء أصيل من هذا السلوك، كان من الواجب الاستفادة من هذه العلوم مع تحييد لعامل الثقافة بما يتناسب مع خصوصية كل مجتمع. من هنا يأخذ التوطين مشروعيته بوصفه «حقًا حضاريًا»، ولكون أن البشر بطبيعتهم مختلفين؛ فكل إنسان هو ابن بيئته وتجاربه وتاريخه ومحيطه، وهذا الاختلاف في الطبيعة يقتضي بالضرورة اختلافًا في الأفكار والسلوك، وبالتالي العلوم والنظريات، وأي ادعاء بعالمية الأفكار هو إنكار لحقيقة الاختلاف بين البشر.
في حين يدرس الفصل الرابع الأسباب المؤدية إلى مقاومة فكرة التوطين والتشكيك بمدى فاعليتها. وترجع هذه المقاومة إلى عدة أسباب منها (غموض المفهوم)، ويأتي أحد أهداف هذا الكتاب لإزالة الغموض حول فكرة التوطين، و«وجود تجارب خاطئة للتوطين»؛ لكن «خطأ التجربة لا يستلزم خطأ الفكرة» بالضرورة، ومراكمة المحاولات في هذا الشأن قادرة على تجاوز الأخطاء. إضافة إلى (تضييق أفق العلوم الاجتماعية) حيث يرى عدد من الباحثين أن التوطين يقتضي وضع الحدود والتركيز على الانتماءات، وهو ما من شأنه التأثير في اتساع فضاء العلوم الاجتماعية. والواقع أن فكرة التوطين تفتح أبوابًا جديدة للمساهمة في إنتاج العلوم انطلاقًا من رؤى مختلفة ومتنوعة. وكذلك «غياب البديل» بسبب غياب مشاريع توطينية حقيقية منطلقة من واقعنا، حيث ذهب البعض إلى أن من يدعو إلى فكرة التوطين لم يقدم للعلوم الاجتماعية إلا النقد، وهذه الحجة قد تبدو صحيحة لكن غياب المشاريع لا يعني أنه من الصواب تقبّل عيوب الواقع.
كما تمحور الفصل الخامس حول «فلسفة التوطين» ضمن مقدمتين أساسيتين هما المثاقفة والخصوصية، ويشار إلى المثاقفة بالتواصل الواعي مع الثقافات الأخرى، بينما يقصد بالخصوصية أنها حالة وعي الباحثين باختلاف الواقع والثقافة المنتمين إليهما. وقد تنبه الباحثون الغربيون إلى ضرورة وجود حركة للتوطين وخصوصًا في دراسات «النزاع والسلام»، وذلك بعد أن أثبتت هذه الدراسات عدم جدواها عندما يتم تطبيقها في مجتمعات غير التي قامت بإنتاجها، ولنا مع الحلول الاقتصادية المقدمة من قبل صندوق النقد الدولي وقائع كثيرة.
وما يؤكد أهمية هاتين المقدمتين ذكرهما في النص القرآني، حيث يشير الكاتب إلى أن فكرة المثاقفة تظهر في القرآن بمعنى «التعارف» وذلك في قوله تعالى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13). وكذلك هو الأمر مع الخصوصية حيث تتضمن معاني الآية الكريمة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48) دعوة إلى الخصوصية، وبهذا يكون التوطين ضرورة شرعية تسبق الضرورة المنهجية.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 554 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 554 في نيسان/أبريل 2025.
مريم الدبعي: مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة قطر.
بدران بن لحسن: أستاذ باحث مشارك، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة قطر.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



