مقدمة

تمثل القضية الفلسطينية إحدى أهم المسائل التي تضافرت حولها التفاعلات في منطقة الشرق الأوسط، ورغم حالة التهميش التي شهدتها مؤخرًا، فإن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أعادتها إلى الواجهة لما لتلك الحرب من انعكاسات مؤثرة تواتر ظهورها تزامنًا مع استمرار الحرب واتساع مداها الجغرافي والسياسي.

بدأت الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر من 2023، عندما شنت فصائل المقاومة الفلسطينية هجومًا مفاجئًا على المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، وردت عليه إسرائيل بعمليات قصف جوي شديدة أتبعته بعملية برية معمقة امتدت إلى معظم أراضي قطاع غزة. وفي خضم هذه التطورات برزت عدة تداعيات سياسية وأمنية وعسكرية التي امتدت لتشمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة جل منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وانتباه الدول الوازنة في المنطقة والعالم إلى أهمية هذه القضية وقدرتها على فرض نفسها كاستحقاق ملحّ وعاجل على رأس أولويات القوى الإقليمية والدولية، وكان من الملاحظ تغيُّر مسار السياسة الأمريكية نحو منطقة الشرق الأوسط.

كما أصابت التأثيرات السلبية صورة إسرائيل في المنطقة، وهو ما أثر في مكانتها الإقليمية وعلاقاتها بدول المنطقة، وقد تركت الحرب تداعيات على الوضع الأمني بالشرق الأوسط وهو ما تجسّد في التطورات العسكرية والأمنية التي طرأت على مضيق باب المندب والتي أظهرت قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة الدولية والمصالح التجارية لإسرائيل ومن ثم أفرز هذا الوضع حالة من الاشتباك العسكري بين الحوثيين والقوات الأمريكية.

كذلك تأثرت العلاقات الصراعية بين إسرائيل والقوى الحليفة لإيران في المنطقة بسبب الحرب، وذلك على خلفية انخراط حزب الله والقوى المدعومة من إيران في المواجهة مع إسرائيل، فضلًا عن نتائج الحرب في غزة وما قد تفضي إليه من تأثيرات على مستوى قواعد الاشتباك ومعادلات الصراع بين إسرائيل وهذه القوى.

أولًا: التداعيات الأمنية والعسكرية
لحرب غزة على الشرق الأوسط

1 – الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة

بدأت الحرب الإسرائيلية في اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى حين بادرت فصائل المقاومة الفلسطينية بهجوم مفاجئ ضد الجيش الإسرائيلي والمستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، حيث بدأ الهجوم بإطلاق وابل كبير من الصواريخ بلغ بحسب إعلان رسمي لحركة حماس 5000 صاروخ، تلا ذلك هجوم بري مكثف وسريع، ورغم جملة التحصينات التي أقامتها إسرائيل على الحدود مع قطاع غزة، التي تتكون من جدار خرساني، وشبكة من الكاميرات وكذلك أجهزة الاستشعار وأنظمة المراقبة وإطلاق النار، فقد نجح الهجوم في اختراق هذه المنظومة الدفاعية عدة مرات في غضون ساعات‏[1].

ردت إسرائيل بإعلان الحرب، واستأنف الجيش عملياته بهجوم جوي مكثف في قطاع غزة، استمر 20 يومًا، مستهدفًا مناطق القطاع كافة، بما فيها من مقدرات مدنية وبشرية كبيرة. وفي 27 تشرين الأول/أكتوبر بدأ الجيش الإسرائيلي عملية برية كبيرة ضد قطاع غزة، وأعلنت إسرائيل أن الحرب تهدف إلى القضاء على حركة حماس وتفكيك بنيتها العسكرية، وتصفية قادتها، وإنهاء حكمها لقطاع غزة، واستعادة أسرى إسرائيل‏[2].

وعلى مدى أكثر من سنة من حرب الإبادة الجماعية ضد غزة قتلت إسرائيل نحو خمسين ألف إنسان معظمهم من المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، ودمرت أكثر من ثلثي مباني غزة، بما فيها المستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة…‏[3].

2 -انعكاس الحرب الإسرائيلية على غزة
على الملاحة الدولية في باب المندب

طرأت تطورات أخرى إقليمية مهمة في إثر تطورات الحرب في غزة، حيث أعلنت جماعة أنصار الله (الحوثيون)، في اليمن، أنها تحظر مرور السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية أو المملوكة لإسرائيليين عبر مضيق باب المندب، في حال استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ومواصلة إسرائيل قطع الطعام والدواء عن القطاع. ومنذ شهر كانون الأول/ديسمبر 2023، نفذت جماعة أنصار الله عدة عمليات عسكرية استهدفت الخطوط التجارية الواصلة إلى إسرائيل عبر باب المندب. وهي نجحت بعملياتها في الحؤول دون وصول معظم السفن المتجهة إلى إسرائيل أو التي تملكها شركات إسرائيلية، على نحو كلي أو جزئي، وأجبرت تلك السفن على الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، وهو الطريق الأطول والأكثر تكلفة‏[4].

سار النشاط العسكري لأنصار الله في اتجاهين جغرافيين، الأول هو المجال البحري والقاري، حيث تم استهداف المصالح والمقدرات الإسرائيلية حتى ميناء إيلات عبر المسيرات والصواريخ البعيدة المدى، وقد استثمر الحوثيون سيطرتهم المباشرة على الجزر قبالة السواحل اليمينة لتوجيه هذا النوع من الضربات‏[5]. أمَّا الاتجاه الثاني للعمليات فقد تم على طول الخط الملاحي، الذي يسيطر عليه الحوثيون حتى خليج عدن، مع الاحتفاظ ببؤرة النشاط العسكري على جانبَي مضيق باب المندب، وفي هذا الاتجاه ركزت عمليات الحوثيين على استهداف السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية‏[6].

أدركت الإدارة الأمريكية أن نشاط الحوثيين في هذه المنطقة الحساسة هو تحوُّل خطير، إذ لا تقتصر تداعياته على التجارة الإسرائيلية بل تمتد لتهديد الملاحة الدولية قاطبة، بما فيها المصالح الأمريكية التجارية. وقد عمدت إدارة بايدن في محاولة لمواجهة ذلك إلى تشكيل تحالف بحري دولي باسم «حارس الأزهار». ورغم حرص أمريكا على تجنيد أكبر عدد من الدول لمنح عملياتها غطاءً شرعيًا، إلا أن الذي ظهر أن القطع العسكرية التي تحركت إلى البحر الأحمر لحراسة الملاحة الدولية اقتصرت فقط على السفن الحربية الأمريكية‏[7].

وفي 31 كانون الأول/ديسمبر 2023، استهدفت البوارج الأمريكية زوارق تابعة للحوثيين، وهو ما أدى إلى إغراق السفن ومقتل عشرة من المقاتلين الذين كانوا يستقلونها، وقد مثلت هذه العملية نقطة فارقة في التوتر في مضيق باب المندب، حيث تصاعد منسوب التوتر في الممر البحري، وبدأت ملامح اشتباك مباشر بين الحوثيين والقوات الأمريكية، على نحو سيؤدي إلى مزيد من المسّ بحركة التجارية العالمية في المنطقة‏[8].

أفرزت التوترات الأمنية في البحر الأحمر تداعيات دولية مهمة مست مصالح قوى دولية وازنة في مجال التجارة، ولا يقتصر مفهوم القوى الدولية هنا على الدول الكبرى، بل يشمل الشركات الاقتصادية العملاقة، التي تمثل بدورها فاعلًا في النظام الدولي، وتؤدي دورًا في اتخاذ القرار لعدد من الدول المؤثرة. ويمكن ملاحظة أبرز ملامح تداعيات التصعيد في جملة من الأحداث، أبرزها، قيام شركات النقل البحري العملاقة مثل: «MSC»، «Maersk»، «Hapag Lloyd»،
«CMA CGM»، «Yang Ming Marine Transport»، «Evergreen» إلى تغيير مسار رحلاتها من البحر الأحمر إلى طريق رأس الرجاء الصالح من خلال الالتفاف عبر أفريقيا؛ الأمر الذي أدى إلى تقليص عدد حركة السفن التي تبحر في البحر الأحمر إلى ما يقارب النصف، وأثر ذلك سلبًا في حركة التجارة الدولية وبخاصة تجارة النفط والغاز المسال، الأمر الذي ضاعف أسعار الشحن البحري‏[9].

عسكريًا، عرفت منطقة البحر الأحمر عسكرة دولية على نحو غير مسبوق منذ عدة عقود، فبخلاف القواعد العسكرية الأجنبية القائمة على ضفاف وجزر البحر الأحمر، تزايد الحشد العسكري الدولي في هذه المنطقة، حيث أرسلت الولايات المتحدة عدة سفن حربية كي تنشط في الحيز العملياتي لقوات الأسطول الخامس الأمريكي والذي يقع البحر الأحمر وخليج عدن ضمن نطاقه.

ومع إمعان إسرائيل في عملياتها في قطاع غزة، ولا سيما إصرارها على عملية عسكرية كبرى في رفح رغمًا عن الإرادة الدولية وعلى رأسها أمريكا برفض العملية، أعلن أنصار الله عن إطلاق المرحلة الرابعة من العمليات العسكرية في البحر الأحمر، وهي المرحلة التي ينقسم فيها عمل الحوثيين إلى قسمين. يتعلق القسم الأول بمواصلة استهداف السفن المتوجهة إلى إسرائيل، أما القسم الثاني فيتعلق باستهداف أي سفينة في البحر الأحمر تتبع لشركة أو لدولة أو منظمة تقوم بإرسال سفنها إلى إسرائيل من أي منفذ سواءٌ كان عبر البحر الأحمر أو البحر الأبيض المتوسط، وقد أدى ذلك إلى مزيد من التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من جانب وأنصار الله من جانب آخر، حيث تكثفت عمليات الاشتباك اليومي في البحر الأحمر، وقد أعلن الحوثيون في أكثر من مناسبة إسقاط طائرات استطلاع أمريكية، بينما أعلن الجيش الأمريكي أنه تمكن من التصدي لبعض صواريخ الحوثيين ونجح في استهداف عدد من قطعهم البحرية‏[10].

ترى الدراسة أن التوتر في البحر الأحمر له وقع مؤثر يتجاوز البعد الإقليمي، إذ أفرز حالة سياسية غير مسبوقة بين القوى العظمى، كالصين وروسيا وأمريكا وكذلك أوروبا، التي أدركت بسبب هذا التوتر الناجم عن حرب غزة، أن مصالحها العالمية باتت مهددة، وأن الصراع في بؤرة جغرافية ضيقة كقطاع غزة، لامست تداعياته الاقتصاد العالمي قاطبة.

ويمكن القول إن التوتر في البحر الأحمر سيجعل الإدارة الأمريكية تعيد حساباتها إزاء المنطقة، فهي لمست، بفضل نشاط أنصار الله العسكري، مدى جديتهم في الفعل والتأثير، وأن مصالحها ستكون مهددة. وأن أحد مخرجات حرب قطاع غزة على الصعيد الدولي سيتمثل بإعادة نظر الولايات المتحدة الأمريكية في موقفها إزاء المسألة اليمنية وكذلك مسألة وجودها العسكري في البحر الأحمر وبحر العرب.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 550 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 550 كانون الأول/ديسمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 550 في كانون الأول/ديسمبر 2024.

أسامة المغير:كاتب فلسطيني وباحث في العلاقات الدولية،
حائز ماجستير في العلوم السياسية.

[1] «كيف شنت حماس هجومًا خاطفًا على إسرائيل لم يكن يتخيله أحد؟»،» BBC عربي، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2023، <https://2u.pw/V3CiWF3>.

[2] «حرب غزة: مراوحة عسكرية ومتاهة سياسية،» مركز الجزيرة للدراسات، 3 كانون الثاني/يناير 2024،  <https://2u.pw/t4Yv0x0>.

[3] نور أبو عيشة، «بعد 3 أشهر.. مشاهد «الموت والدمار» تلخص الحرب على غزة (تقرير)،» وكالة الأناضول، 7 كانون الثاني/يناير 2024،     <https://2h.ae/riPc>.

[4] «حرب غزة: مراوحة عسكرية ومتاهة سياسية،» مركز الجزيرة للدراسات مرجع سابق.

[5] Eric Tegler, «What Are the Missiles the Houthis Have Fired at Israel?,» Forbes (10 November 2023), <https://2u.pw/8FRETN0>.

[6] علي الذهب، «استهداف الحوثيين للمصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر: الآفاق والتداعيات،» مركز الجزيرة للدراسات، 31 كانون الأول/ديسمبر 2023،         <https://2u.pw/RUgX8wg>.

[7] هاني الحديثي، «التطورات السياسية في اليمن والموقف اتجاه غزة والبحر الأحمر وتداعياته الإقليمية،» المركز الديمقراطي العربي، 5 كانون الثاني/يناير 2024،  <https://2u.pw/Nr7sJz4>.

[8] «مقتل عشرة حوثيين جراء قصف أمريكي استهدف زوارق هاجمت سفينة تجارية جنوب البحر الأحمر،» فرانس 24، 31 كانون الأول/ديسمبر 2023،   <https://2h.ae/WdVs>.

[9] محمد عبد العاطي، «التصعيد الأمني في البحر الأحمر: حدوده وآفاقه،» مركز الجزيرة للدراسات، 15 كانون الثاني/يناير 2024 <https://2h.ae/tVQu>.

[10] «ماذا يعني الإعلان الحوثي عن «المرحلة الرابعة من التصعيد؟،» الجزيرة نت، 3 أيار/مايو 2024 <https://2u.pw/r2yZSsvh>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز