مقدمة
لعل واحدة من أكبر الإشكاليات التي تواجه العقل الإسلامي في العصر الحديث هي كيفية التعامل مع التراث الإسلامي في ما يتعلق ببناء الدولة الحديثة وكيفية المواءمة بين نصوص الفقه ومقتضيات الواقع في صوغ التشريعات القانونية وبخاصة منها الوثيقة المؤسسة وهي الدستور.
أهمية هذه الإشكالية، بل وخطورتها، تكمن في ارتباطها الوثيق بسؤال مرجعية الدولة نفسها وهويتها، إذ إن التشريع هو انعكاس تلقائي للمرجعيات التي يستند إليها وبخاصة عندما يتعلق الأمر بنص الدستور بكل ما له من رمزية تأسيسية.
الواقع أن إشكالية المواءمة بين النصوص الفقهية والتشريعات الحديثة بما يسمح ببناء دولة لا تتنصل لمرجعيتها الدينية وتراعي في الآن ذاته مقتضيات عصرها الذي تعيش فيه ليست أمرًا جديدًا، بل كانت مدار الجدل والنقاش الفقهي والقانوني منذ القرون الأولى التي تلت تأسيس الدولة الإسلامية، لكنه سيعود ليطرح بقوة منذ السنوات الأولى لاستقلال جل البلدان التي تنتمي إلى فضاء العالم الإسلامي وبروز فكرة الدولة الوطنية وإن بصورة متفاوتة بحسب الأقطار المختلفة.
كان على النخب التي تسلمت مقاليد السلطة في هذه الدول، أو تلك التي كانت تطمح إلى الوصول إليها، أن تقدم إجابات سريعة إلى سؤال المرجعية والعلاقة مع التراث الإسلامي ليتم تضمينها في الدساتير التي ستولد بعد الاستقلال ومن ثم في التشريعات التي سيتم اعتمادها في مختلف المجالات التي تتطلب وجود نصوص منظمة ذات طبيعة آمرة (الأسرة، والقانون الجنائي، والقانون المدني، والعلاقات الدولية…).
كما هو متوقع فإن اختلاف المنطلقات الفكرية بين مختلف الفاعلين في الحقل السياسي حينها جعلت من سؤال المرجعية يطرح في سياق غاب عنه الإجماع وبخاصة أنه تزامن مع هواجس أخرى فرضها واقع الاستعمار وما سبقه من أحوال الفشل العام الذي عاش على وقعه العالم الإسلامي عدة قرون، وهي هواجس النهضة والخروج من ربقة التخلف، والذي عبر عنه السؤال الشهير: لماذا تقدَّموا وتخلَّفنا؟
الآن بعد سبعة عقود من استقلال معظم الدول الإسلامية، وتدبيجها دساتيرها بصيغ مختلفة، لم يتوقف الجدل حول المرجعية التي يجب أن تحكم قوانين الدولة في البلدان الإسلامية، بدءًا من التنصيص على إسلامية الدولة من عدمها مرورًا إلى التشريعات التي يجب اعتمادها وحدود التعامل مع نصوص الفقه، وبخاصة في قضايا تثير خلافات حدية في ارتباط بالحريات وحقوق المرأة والأقليات وغيرها. وبالرغم من أن مصطلح الاجتهاد كثيرًا ما يستدعى بوصفه حلًّا لهذا الاشتباك التاريخي بين النص والواقع، إلا أن ذلك لم ينه الإشكالية نظرًا إلى الخلاف بشأن شروط هذا الاجتهاد وحدوده وهو ما يعيد السجال إلى دائرته الأولى.
فالاجتهاد بما هو بذلٌ للجهد لمعرفة الحكم الشرعي وفق مواصفات منضبطة[1]، ومن دون حاجة إلى الخوض في تعريفات الاجتهاد، يمكن أن نعلم يقينًا أنه لا يمكن الركون إلى مصطلح الاجتهاد حلًّا لإشكالية هي في أصلها تدور حول: كيفية بذل هذا الجهد، (شروط الاجتهاد) ومن يحق له بذل هذا الجهد (شروط المجتهد)، وفي أي سياق وضوابط؟ ولذلك فمجرد القول بالاجتهاد حلًّا لا يحل في الحقيقة شيئًا من أصل الإشكالية ومآلها، بل وجب الغوص أعمق من ذلك في تقديم رؤية معاصرة لهذا الاجتهاد لا تستسهل إهمال النصوص الفقهية ولا تتعسف في إسقاطها على اختلاف السياق والزمان والمكان.
يزداد الموضوع أهميةً إذا علمنا أنه ليس جديدًا بل إن الخلاف في شأنه قديم قِدم النص الديني نفسه، والنقاش في شأنه لم يتوقف منذ وفاة الرسول ﷺ. وقد سمي تاريخيًّا إشكالية «النقل والعقل» أو «الشرعيات والعقليات» بتعبير ابن خلدون، والتي حاول أبو حامد الغزالي تصنيف المتحدثين فيها إلى خمس فرق[2]:
– المُفَرِّطون بتجريد النظر إلى المنقول.
– المُفَرِّطون بتجريد النظر إلى المعقول.
– المُتوَسِّطون بجعل المعقول أصلًا والمنقول تابعًا.
– المُتوَسِّطون بجعل المنقول أصلًا والمعقول تابعًا.
– المُتوَسِّطون بجعل كل واحد أصلًا والتأليف والتوفيق بينهما.
وذهب دارسون آخرون إلى إزاحة تلك الإشكالية بالبحث عن أوجه «الاتصال» بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال؛ أو بِدَفْع التعارض بينهما، على نحو ما صار إليه ابن تيمية في كتاب درء تعارض العقل والنقل.
واضحٌ من هذا كله، أن الإشكالية الخاصة بهذا الموضوع لا تَشذ عن الإشكالية العامة المؤطِّرَة لمباحث المعرفة الإسلامية، إذ لا فرق بينهما إلا من حيث التسمية التي انتقلت من ثنائية «النقل والعقل» إلى «الأصيل والدخيل»، و«القديم والجديد»، و«التقليد والاجتهاد»، أو من حيث المعالجة التي انتقلت من «فصل المقال» أو «درء التعارض» إلى»تدبير الاختلاف».
يسير هذا المقال في هذا الاتجاه، وهدفه محاولة تقديم قراءة معاصرة لنصوص الفقه بحثًا عن ملاءمتها مع شروط بناء الدولة الحديثة، وذلك اعتمادًا على منهج علمي يقرأ سياقات الخلاف وأسبابه ويبحث عن صيغ التوافق الممكنة دون تبني رؤية صدامية، أو إهمال لشروط الواقع التي يفرضها التشريع ضمن نسق الدولة الحديثة.
أسئلة البحث: لعل السؤال الكبير لهذا البحث هو: ما السبل الكفيلة بمواءمة النصوص الفقهية مع مقتضيات الدولة المعاصرة في قضايا بناء الدولة وبخاصة منها القضايا الدستورية؟
ولأن الأمر يتعلق بسؤال عام وكبير، فمن الطبيعي أنه لا يمكن الإجابة عنه في مقال ولا في كتاب واحد، بل قد يكون من التعسف الزعم بتقديم إجابة حاسمة، فلا يمكن إلا الحديث عن عناصر إجابة وليست عن إجابة بالمطلق. لذلك سيكون مناسبًا ربط هذا السؤال بأسئلة فرعية تمكن من تدقيقه وتلمّ بشتاته وتخرج به عن التعميم إلى التخصيص. من بينها:
– ما هي عناصر الاختلاف بين الفقه والتشريع الحديث؟
– ما هي الإشكالات الكبرى التي تزيد من تعميق الخلاف؟
– هل من سبيل لحل هذا «الاشتباك التاريخي» بين الفقه والنصوص الوضعية؟ أو ما هي الرؤية القادرة على تدبير الخلاف بين الفقه والتشريع المعاصر في المجال الدستوري؟
منهج البحث: حاولنا مقاربة الجواب عن كل تلك التساؤلات من خلال اعتماد نسق منهجي تركيبي يأخذ في الحسبان تنوع مجال البحث وامتداده بين حقول معرفية متعددة تشمل الفقه الإسلامي والقانون الوضعي وحقوق الإنسان والحريات بما هي أيضا مجال للدراسة والبحث. وهو ما يصطلح عليه في الدراسات المنهجية بالتحليل التناهُجي، حيث نجمع فيه بين المنهج النسقي لما يوفره من قدرة تفسيرية على فهم الأنساق الكلية والفرعية للموضوع محل الدراسة، والمنهج المقارن لبيان أوجه التشابه أو الاختلاف بين الظواهر المقارنة، إضافة إلى المنهج الاستقرائي والتاريخي للكشف عن أصول الوقائع التاريخية المرتبطة بالفقه السياسي ومراحل تطورها. كما سنحاول من حين إلى آخر، الاستعانة بالمنهجين البنيوي والوظيفي، من أجل فهم التغييرات الهيكلية والوظيفية التي طرأت على مفهوم الدولة.
لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 556 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 556 في حزيران/يونيو 2025.
محمد الأغظف غوتي: ناشط وباحــث مغربــي فــي الصيدلــة والقانــون والدراســات الإسلامية.
[1] عرف الشاطبي الاجتهاد «استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظن بالحكم»، انظر: إبـراهـيـم بـن مـوسـى الـشـاطـبـي، الـمـوافـقـات فـي أصـول الـفـقـه، تحقيق عـبـد الـلـه دراز (بيـروت: دار الـمـعـرفـة، 2004)، ج 5، ص 51.
[2] أبـو حامد محمد بن محمد الغزالي، قانون التأويل، مجموعة رسائل الإمام الغزالي؛ 7 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988)، ص 123.
محمد الأغضف غوتي
ناشط وباحث مغربي في الصيدلة والقانون والدراسات الإسلامية. جمع محمـد الأغضف غوتـي في مسيرته العلمية بين مشارب معرفية متنوعة، فقد حصل على دكتوراه في الصيدلة عام 1991، قبل أن ينفتـح على تخصصات معرفية أخرى في مجال الحقوق والاقتصاد والآداب والدراسات الإسلامية. وهكذا حصل على دكتوراه في القانون الدستوري عام 2011، وأتبعها بشهادة دكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2018، وبينهما حصل على ماستر في الاقتصاد والتدبير. له كتب ودراسات متعددة حول موضوعات قانونيـة وفقهية وصحية متنوعة.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



